أراء

الدبلوماسية الامريكية بين المهنية ومأزق الارتجال الترامبي: غرب آسيا نموذجا

حامد بن إبراهيم استشاري في العلاقات الدولية

  • ” تصريحات الزعماء والدبلوماسيين يُفترض أن تكون في غاية الدقة والتحوط، لأن تبعاتها تتسبب في تغييرات جوهرية في المواقف لدى المتلقّي”
  • ” هل ما زالت الدبلوماسية مجالًا للخبرة التراكمية أساسه احترام سيادة الدول، أم أصبحت امتدادًا لمنطق رجال الأعمال وإدارة الصفقات؟”
  • ” تبدو منهجية ترامب، القادمة من عالم الأعمال والاستثمار العقاري، في تصادم مع أجندات لا تتحرك ضمن سقف زمني قصير”

***تقوم الدبلوماسية على منظومة قانونية دقيقة أرستها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي تحدد أطر عمل البعثات الدبلوماسية وتلزم ممثلي الدول بالانضباط واحترام سيادة بلدان الاعتماد. غير أن التحولات التي شهدتها السياسة الخارجية الأمريكية خلال عهد دونالد ترامب، أعادت طرح سؤال مركزي حول طبيعة الدبلوماسية نفسها: هل ما زالت مجالًا للخبرة التراكمية أساسه احترام سيادة الدول، أم أصبحت امتدادًا لمنطق رجال الأعمال وإدارة الصفقات؟

تصريحات الزعماء والدبلوماسيين يُفترض أن تكون في غاية الدقة والتحوط، لأن تبعاتها قد تستعصي على الاحتواء، وتتسبب في تغييرات جوهرية في المواقف والرؤى لدى المتلقّي. في هذا السياق، برز تعيين واشنطن لشخصيات من خارج السلك الدبلوماسي المهني، مثل توم باراك، الذي انتقل من عالم الاستثمار العقاري إلى أدوار دبلوماسية حساسة؛ كسفير بأنقرة ومبعوث خاص للبنان وسوريا والعراق. وقد تسببت تصريحات هذا السفير في استفزاز كبير للأوساط اللبنانية بمختلف الخلفيات السياسية والمرجعيات الدينية، وخاصة إشارته إلى ضم لبنان إلى سوريا، ضمن تصور يستحضر وحدة بلاد الشام التاريخية. والبعض اعتبر التصريح، محاولة لإعادة ذاكرة المرحلة العثمانية التي ارتبطت بمغادرة أسلافه للمنطقة إلى الأذهان.

هذا النمط لم يقتصر على باراك، بل امتد إلى نماذج أخرى من المبعوثين والسفراء، الذين أثارت ممارساتهم وتصريحاتهم جدلًا في المنطقة. فقد ارتبط اسم ميشال عيسى، رجل الأعمال السابق -من أصول لبنانية- الذي يشغل خطة السفير الأمريكي الحالي ببيروت، بتصريحات وُصفت بأنها غير منضبطة في السياق اللبناني. هذا السفير يمارس ضغطًا علنيا على السلطة، ويوجه مطالبات للرئيس اللبناني في علاقة بالمفاوضات مع “إسرائيل”، ما أثار انتقادات حول حدود الدور الدبلوماسي وأهمية احترام الحساسية السياسية في دول تواجه عدوانا وتعاني من مناخ سياسي مشحون. كما أثارت مواقف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي جدلًا واسعًا، بسبب خطابه السياسي الحاد وانخراطه في الترويج لمشروع نتنياهو “لإسرائيل الكبرى”، ممّا عُدّ اصطفافا واضحا في قضايا إقليمية شديدة الحساسية.

ويطرح ما سبق، تساؤلات حول مدى التزام بعض الدبلوماسيين الجدد بالتحفظ والحياد، الذي يُفترض أن يحكم العمل الدبلوماسي. هذا التحول يعكس مقاربة سياسية تميل إلى التعامل بأسلوب الصدمة والاختراق القسري مع الملفات الدولية، بدافع السرعة ومنطق الصفقة؛ بدل التدرج الدبلوماسي القائم على بناء الثقة وتراكم التفاهمات، القابلة للصمود وتحقيق استقرار الوضعيات. ومع إدراك الفوارق الكبيرة بين الخلفيات والسياقات، فإن مثل هذه الملفات تولاها سابقًا دبلوماسيون من وزن هنري كيسنجر وجيمس بيكر، بغض النظر عن نظرتنا إليهما وتقييمنا لتبعات تدخلاتهما في شؤون المنطقة.

ولا تقتصر آثار الانزلاق اللفظي على الشرق الأوسط فحسب، بل تمتد إلى العلاقات بين القوى الكبرى. ويرى بعض المتابعين للقضايا الجيوسياسية أن سياسة الاتحاد الروسي، من ضم القرم إلى التدخل في جورجيا، والعلاقة مع مولدوفا، وصولًا إلى الحرب في أوكرانيا، يمكن فهمها – إلى حد معين – ضمن سياق السعي الروسي لإعادة فرض الحضور الجيوسياسي بعد مرحلة من التراجع. كما يرى بعضهم أن تصريحات أوباما التي وصف فيها روسيا بأنها “قوة إقليمية” أسهمت في تعميق هذا التوجه داخل النخبة الروسية. ومن جهة أخرى، يبدو أن الكرملين يسعى إلى دفع الولايات المتحدة نحو الانكفاء القاري، وتقليص حضورها ونفوذها في أوروبا وغرب آسيا، وربما مستقبلًا في محيط تايوان والجوار الصيني عمومًا. ويرى كثير من المراقبين، أنّ الضمير الجمعي الأوروبي لم ينسَ مقولة رامسفيلد عن “أوروبا العجوز”، حيث يعمل اليمين كما اليسار، كل حسب آليات تحليله، على تكريس نزعة استقلالية تهدف إلى التخلص من التبعية الأطلسية وضمان موقع أوروبا في عالم متعدد الأقطاب.

الأمثلة كثيرة عن الهفوات التي أضعفت مصداقية الجهاز الدبلوماسي الأمريكي، وقلّصت قدرته على أداء الأدوار المرجوة بمهنية وحياد. ونستذكر هنا تصريح الوزير الديمقراطي السابق أنتوني بلينكن، وهو دبلوماسي تمرس طويلًا بالملفات الكبرى، عندما وصل إلى تل أبيب وقال لنتنياهو: “أنا هنا بصفتي يهوديًا”. وقد أسهم ذلك في إضعاف صورة الحياد الأمريكي، وفي تعزيز الانطباع بتراجع قدرة واشنطن على لعب دور الوسيط المتوازن، في منطقة تميزها الحساسيات الدينية وتمزقها النزاعات العرقية والاحتقان الطائفي؛ وهي منطقة تبدو في أمسّ الحاجة إلى التجرد من الخلفيات والهويات الضيقة، والتعامل بعقل بارد.

ولا يمكن فصل هذه التحولات عن نمط القيادة السياسية ذاته خلال فترة ترامب، حيث تتسم السياسة الخارجية بقدر كبير من الارتجال والاعتماد المكثف على التصريحات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذا الأسلوب، رغم ما يمنحه من سرعة في إيصال الرسائل، أحدث حالة من عدم الاستقرار في الجهاز الدبلوماسي، الذي يحتاج بطبيعته إلى ثبات في المواقف وتدرج في الرسائل، كي يتمكن من بناء مسارات تفاوضية موثوقة.

ويتجلى هذا الإشكال بوضوح في التعامل مع الملف الإيراني، حيث اتّبعت واشنطن سياسة الغموض والتقلب بين التصعيد والتهدئة، دون بلورة واضحة لـ”سيناريو الخروج” من الأزمة. هذا التذبذب يعكس فجوة بين التسيير من خلال الخطاب السياسي السريع، وضوابط الدبلوماسية الفعالة التي تقتضي التأنّي والقبول أحيانًا بالخطوات الثابتة والبطيئة. كما أن التعامل مع القوى الشرقية شديد التعقيد، ويحتاج إلى طول نفس، لأن دولًا مثل إيران والصين وأفغانستان تمتلك تصورات زمنية مختلفة عن الأطر التي يضعها الغرب، وخاصة الأمريكيون، لتحقيق أهدافهم.

فإيران، التي ارتبط اسمها تاريخيًا بإسهامات حضارية وعلمية كبرى، تتعامل مع قضاياها بوصفها امتدادًا لسياق تاريخي طويل، ولا تبدو مستعجلة في حسم كثير من الملفات. كما أن بعض المقاربات العقائدية داخل النظام الإيراني تنظر إلى الأحداث باعتبارها جزءًا من مسار تاريخي ممتد، وهو ما يجعل منطق الاستعجال السياسي الغربي أقل فاعلية في التأثير عليها. وهنا تبدو منهجية ترامب، القادمة من عالم الأعمال والاستثمار العقاري، في تصادم مع أجندات لا تتحرك ضمن سقف زمني قصير. فالخلفية الشيعية، التي تمثل الأساس الفكري للنظام الإيراني، يُعرّفُ “المستقبلي” على أساس الخلاص المهدوي، ويتم تنزيل الاحداث بمعزل عن تعقيدها في التحضير لرجعة الامام المنتظرة.

التمشي الترامبي، الذي يرجعه البعض إلى اعتماد منهجية “الرجل المجنون” وليس بالضرورة غيابًا للرؤية أو التخطيط، أدى إلى إضعاف القدرة على بناء ثقة تراكمية مع الأطراف المعنية بالصراع الدائر حاليًا مع إيران. كما أن الانخراط مع إسرائيل في حرب مجهولة العواقب، وفتح مواجهة مع إيران رغم معرفة صلابة نظامها عقائديًا وجهوزيتها القتالية – على الأقل منذ جولة الاثني عشر يومًا السابقة – يُنظر إليه من قبل بعض المتابعين بوصفه استخفافًا بقضايا مصيرية تهدد الأمن الإقليمي لغرب آسيا، وقد تنعكس كذلك على استقرار الاقتصاد العالمي. واللافت، وفق تقارير عديدة، يتصرف ترامب خلافًا لبعض تقييمات الخبراء، حيث اختار بعضهم الانكفاء أو تعرضوا للتحييد من سلسلة اتخاذ القرار، كمديرة الاستخبارات تولسي غابّرد، التي من صلاحياتها الاشراف على كل الأجهزة بما في ذلك الشرطة الفدرالية ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، بينما استقال آخرون احتجاجًا، كما فعل جو كينت مدير مركز مقاومة الإرهاب الفدرالي.

يعيدنا هذا الواقع إلى طرح أزمة أعمق تتعلق بـ”تغييب المهنيين” داخل دوائر صنع القرار. فالدبلوماسية، بوصفها مجالًا يقوم على الخبرة والتراكم والمعرفة الدقيقة بالقدرات وحدود القوة الذاتية وموازين الردع، تستدعي فهم تعقيدات السياقات الدولية والخلفيات التاريخية. غير أنها تبدو اليوم، في بعض تجلياتها، أقرب إلى إدارة تجارية للنفوذ. ففي المشهد الأمريكي منذ عودة ترامب، تُقاس العلاقات الدولية أحيانًا بمنطق المكسب والخسارة السريعة، لا بمنطق الاستقرار طويل المدى. ورغم أن النقد الموجه لإدارة ترامب لا يُنزه الإدارات السابقة من ارتكاب أخطاء تكتيكية واستراتيجية كبرى – كما حدث في فيتنام والصومال والعراق وأفغانستان – فإن ما يجري حاليًا يبدو، بالنسبة لكثير من المراقبين، تقليصًا متزايدًا لدور الخبراء، إلى حد يبعث على القلق.

اجمالا، ما أظهرته القراءة السابقة من تحولات في أسلوب عمل الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة، قد يكشف عن مأزق بنيوي وضعف اتساق بين دبلوماسية تقليدية تعتمد على المهنية والتدرج، وما زالت وزارة الخارجية متمكنة من أدواتها؛ وأخرى أكثر تحررا من الضوابط التقليدية ويقودها منطق الصفقات. ويرى البعض أن دبلوماسية الرسائل السريعة تُضيّع فرصة تقاسم الأدوار بين البيت الأبيض والهياكل الدبلوماسية التقليدية. وبين هذين النموذجين، تتفاقم إشكالية غياب التخطيط الاستراتيجي، بما ينعكس مباشرة على قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات معقدة مثل الملف الإيراني، والمساهمة الفعالة في المحافظة على استقرار النظام الدولي ككل.

ختامًا، التساؤل مشروع عمّا إذا كانت الفوضى مقصودة في إطار ارباك المنافسين والاعداء، بسبب تراجع القدرة على ضمان الريادة في سياق تنافسي هادئ. وهل المشكلة في ترامب كشخص؟ أم نحن أمام تحول أشمل داخل النظام الأمريكي نفسه، نحو اضعاف المؤسسات وتحييدٍ ممنهج للدبلوماسية المهنية؟ كل الهياكل الدبلوماسية في العالم مدعوة للإجابة على هذه الأسئلة، لتعرف إن كان التعامل بموثوقية مع واشنطن ممكنا في المستقبل؛ أو أنّ المسارعة بتعديل الخيارات أولوية على أجندة وحدات التحليل والاستشراف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى