أحداث

عبد العزيز بن علي الصقر… سفير الهدوء يغادر تونس تاركا ما هو أبقى

لوبوان-كتب سفيان رجب

حين يؤدي السفير زيارة توديع في نهاية مهامه، يكون المشهد في العادة بروتوكوليا، عبارات شاكرة، صور رسمية، ومصافحات أخيرة قبل المغادرة. لكن بعض السفراء ينجحون في أن يجعلوا لحظة الوداع مختلفة، لأنها لا ترتبط فقط بانتهاء مهمة دبلوماسية، بل بنهاية مرحلة كاملة من الحضور الإنساني والسياسي الهادئ داخل البلد الذي عملوا فيه. هكذا يبدو المشهد اليوم مع سفير المملكة العربية السعودية بتونس عبد العزيز بن علي الصقر، الذي يستعد لمغادرة تونس بعد سنوات من العمل بصمت، تاركا وراءه صورة فريدة لدبلوماسي اختار لسنوات أن يبني ويدعم العلاقات بهدوء وثبات.

وخلال لقائه التوديعي بوزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، لم يكن الحديث فقط عن نهاية مهمة دبلوماسية، بل عن مسار كامل من التعاون والتقارب بين تونس والمملكة العربية السعودية، في لحظة تكتسي أيضا رمزية خاصة، باعتبار أن البلدين يحتفلان هذه السنة بمرور سبعين عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

سبعون عاما من العلاقات بين تونس والرياض، كانت خلال السنوات الأخيرة أمام تحديات وتحولات إقليمية ودولية متسارعة، غير أن عبد العزيز بن علي الصقر نجح في أن يحافظ على حرارة هذه العلاقة، وأن يمنحها بعدا أكثر ديناميكية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو حتى الإنساني.

من يعرف الرجل عن قرب، يدرك أنه لم يكن من السفراء الباحثين عن الأضواء أو الحضور الإعلامي المكثف. فقد اختار أسلوبا دبلوماسيا هادئا، يقوم على بناء الثقة والاقتراب من التفاصيل اليومية للعلاقات الثنائية. كان حاضرا في اللقاءات الرسمية الكبرى، لكنه أيضا قريب من المشهد الثقافي والاجتماعي، يتابع نبض الشارع التونسي ويتعامل مع مختلف الفاعلين بروح من الاحترام والبساطة.

وخلال فترة إشرافه على السفارة السعودية بتونس، شهدت العلاقات الثنائية حركية لافتة. فقد ساهم في تعزيز التعاون الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات السعودية منها خاصة المدينة الصحية الأغالبة ومستشفى الملك سلمان إلى جانب دفع مجالات الشراكة نحو قطاعات واعدة تشمل الطاقة والسياحة والتنمية والتكنولوجيا. كما واكب عددا من اللقاءات والزيارات المهمة التي أعادت إعطاء دفع جديد للعلاقات بين البلدين.

ولعل من أبرز المحطات التي عكست هذا التوجه، الزيارة التي أداها وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى تونس في سبتمبر 2025، والتي حملت رسائل واضحة حول رغبة البلدين في الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية المتكاملة، بما ينسجم مع التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة ورؤية المملكة 2030.

لكن بعيدا عن لغة البيانات الرسمية، يبدو أن ما تركه عبد العزيز بن علي الصقر في تونس يتجاوز الاتفاقيات واللقاءات السياسية. فقد عرفه كثيرون بدبلوماسيته الهادئة، وابتسامته الدائمة، وقدرته على خلق علاقات إنسانية طبيعية بعيدا عن التكلف. وهي خصال جعلت حضوره محل تقدير داخل الأوساط الرسمية والإعلامية وحتى لدى عدد من الفاعلين الثقافيين والاقتصاديين.

وهو ما تجلّى خلال لقاء الوداع الديبلوماسي، حيث عبّر وزير الخارجية التونسي عن تقديره للجهود التي بذلها عبد العزيز بن علي الصقر طوال فترة عمله، مؤكدا أن مساهماته كان لها دور مهم في مزيد توطيد أواصر الأخوة بين الشعبين الشقيقين، وفي دعم التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

أما السفير السعودي، فقد اختار في كلماته الأخيرة أن يعبّر عن امتنانه لتونس، قيادة وشعبا، لما حظي به من دعم وتسهيلات طوال فترة عمله، مؤكدا تمسك المملكة بمواصلة تعزيز علاقات الأخوة والتعاون مع تونس على قاعدة التكامل والتضامن والمصالح المشتركة.

هكذا يغادر عبد العزيز بن علي الصقر تونس… بهدوء يشبه تماما الطريقة التي عمل بها طوال سنوات. لكن بعض الوجوه الدبلوماسية لا تغادر تماما، لأنها تترك خلفها ما هو أبقى من المناصب، ألا وهو الاحترام، والذكرى الطيبة، وشعورا بأن العلاقات بين الدول يمكن أيضا أن تبنى بالإنسانية والصدق، لا بالسياسة والبروتوكولات وحدها…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى