ثمّة كتبٌ لا تُفتح كما تُفتح الكتب عادةً، بل تُفتح كما تُفتح نافذةٌ على هواءٍ بعيد، فإذا بالقارئ لا يقرأ صفحاتٍ فحسب، وإنّما يعبر، على مهلٍ، من ضفّةٍ إلى أخرى: من مألوف الوطن إلى دهشة الرّحلة، ومن فضول المعرفة إلى عمق التّجربة، ومن حدود الجغرافيا إلى اِتّساع الإنسان. من هذا الصّنف يأتي كتاب “على عتبة الشّرق: رحلة طالب تونسيّ في إندونيسيا” للكاتبة “ناهد بنسيدهم”؛ كتابٌ يقدّم للقارئ العربيّ شهادةً رحبةً عن إندونيسيا، لا بوصفها وجهةً سياحيّةً أو محطةً عابرةً في ذاكرة مسافر، بل بوصفها تجربةً إنسانيّةً ومعرفيّةً وروحيّةً تُعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم. إنّه كتابٌ يتّكئ على صدق الرّحلة، لكنّه لا يكتفي بتسجيل المشاهد؛ يتّكئ على حرارة التّجربة، لكنّه لا يستسلم للانفعال؛ يتّكئ على جمال المكان، لكنّه ينفذ إلى ما هو أعمق من المكان: إلى الإنسان، والقيم، والمعنى، وإلى تلك اللّحظة النّادرة الّتي يكتشف فيها المسافر أنّ العالم لا يغيّر خرائطه وحدها، بل يغيّر خرائطنا الدّاخليّة أيضًا.
منذ عنوانه، يضعنا الكتاب أمام عتبةٍ دلاليّةٍ لافتة: “على عتبة الشّرق”. والعتبة هنا ليست تفصيلًا زخرفيًّا في الصّياغة، بل هي مفتاح القراءة كلّها؛ فالكاتبة لا تزعم أنّها امتلكت الشرق امتلاكًا نهائيًّا، ولا تقدّم إندونيسيا بوصفها موضوعًا جاهزًا للشرح والتبسيط، بل تقف عند العتبة بما فيها من تواضعٍ معرفيٍّ وجمالٍ رمزيّ: عتبة الدخول إلى ثقافة أخرى، وعتبة التحوّل الشخصي، وعتبة الوعي بأنّ المعرفة الحقّة تبدأ حين نكفّ عن إصدار الأحكام المسبقة، ونقترب من الآخر بعين الفضول النبيل لا بعين التصنيف السريع. بهذا المعنى، يبدو العنوان وعدًا أدبيًّا وأخلاقيًّا في آنٍ واحد؛ وعدًا بأننا أمام كتاب لا يبيع للقارئ صورًا جاهزة، بل يدعوه إلى مرافقة تجربةٍ تتدرّج من الامتحان والمنحة إلى المسؤولية، ومن الدهشة الأولى إلى بناء المعنى، ومن اللقاء العابر إلى الدرس العميق.
وإذا كان العنوان يفتح الباب، فإنّ تقديم سعادة سفير جمهورية إندونيسيا لدى الجمهورية التونسية، زهيري مصراوي، يمنح الكتاب بُعدًا دبلوماسيًّا وثقافيًّا بالغ الدلالة. فالسفير لا يقدّم العمل تقديمًا بروتوكوليًّا باردًا، بل يقرأه بوصفه جسرًا حيًّا بين تونس وإندونيسيا، ويفهمه ضمن رؤيةٍ أوسع تؤمن بأنّ الثقافة قادرة على أن تفعل ما لا تفعله المسافات، وأن تخلق بين الشعوب ألفةً تتجاوز اللغة والجغرافيا. ولا بدّ هنا من توجيه تحية تقدير صادقة إلى سعادة السفير زهيري مصراوي، وإلى سفارة جمهورية إندونيسيا بتونس، على دعم نشر هذا الكتاب، لا بوصفه عملًا تعريفيًّا بإندونيسيا فحسب، بل بوصفه مساهمةً راقيةً في ترسيخ الدبلوماسية الثقافية؛ تلك الدبلوماسية الهادئة التي لا ترفع صوتها كثيرًا، لكنها تبلغ القلوب بعمقٍ أكبر من الخطب الرسمية. إنّ دعم هذا العمل هو دعمٌ لفكرةٍ نبيلة: أنّ المعرفة المتبادلة بين الشعوب لا تُبنى بالمناسبات وحدها، بل بالكتب الصادقة التي تجعل الإنسان يرى أخاه الإنسان في ضوءٍ جديد.
تقدّم الأستاذة ناهد بنسيدهم في هذا الكتاب نصًّا يصعب حصره في خانةٍ واحدة. فهو، من جهةٍ أولى، أدب رحلة بما فيه من وصفٍ للمكان، والتقاطٍ للمشهد، وملاحقةٍ للتفاصيل الصغيرة التي تصنع ذاكرة السفر؛ وهو، من جهةٍ ثانية، سيرةُ تكوّنٍ، لأنّ الكاتبة لا تكتفي بأن تقول لنا ماذا رأت، بل تكشف كيف تغيّرت، وكيف أعادت التجربة بناء نظرتها إلى العلم، والوطن، والآخر، والذات؛ وهو، من جهةٍ ثالثة، نصّ في التربية الثقافية، إذ يجعل من الغربة مدرسةً للتهذيب، ومن الاختلاف مناسبةً للفهم، ومن التبادل الأكاديمي طريقًا إلى إنضاج الشخصية، لا إلى جمع الذكريات فقط. لذلك لا يقرأ القارئ الكتاب كما يقرأ دليلًا للسفر، بل كما يقرأ مرآةً حسّاسةً تضعه أمام أسئلةٍ عميقة: ماذا يعني أن نمثّل أوطاننا في الخارج؟ كيف نحضر بين ثقافتين دون أن ننغلق أو نذوب؟ كيف ننجح في تحويل المنحة إلى عهد، والسفر إلى مسؤولية، والاختلاف إلى معرفة؟
أجمل ما في هذا العمل أنّه يبدأ من لحظةٍ واقعية محدّدة: امتحان المنحة، ثم القبول، ثم العبور إلى إندونيسيا عبر برنامج «دارماسيسوا»، لكنّه يحوّل هذه اللحظة إلى معنىً أوسع. فالمنحة، في نظر الكاتبة، ليست مكافأةً شخصيةً أو تذكرةً إلى بلدٍ بعيد، بل عهدٌ أخلاقيٌّ غير مكتوب. من هنا تنشأ قوة الكتاب: إنّه يربط السفر بالمسؤولية، ويجعل الطالب، في الغربة، سفيرًا صغيرًا لوطنه، لا بالشعارات ولا بالصورة الرسمية، بل بالسلوك اليومي، والانضباط، واللطف، واحترام الناس، وحسن إدارة الاختلاف. في هذا المستوى تحديدًا تتألّق ناهد بنسيدهم؛ فهي تدرك أنّ تمثيل الوطن لا يحدث في القاعات الكبرى وحدها، بل في الممرات، ووسائل النقل، والسكن الجامعي، والابتسامة، وطريقة الاعتذار، واحترام الوقت، وحسن الإصغاء. إنّها تكتب الأخلاق لا بوصفها موعظة، بل بوصفها ممارسةً يوميةً تحفظ كرامة الإنسان وصورة وطنه في عيون الآخرين.
ولعلّ البعد الأخلاقي في الكتاب من أكثر محاوره نبلًا ونضجًا؛ إذ تقدّمه المؤلفة بعيدًا عن لغة الوعظ الثقيلة، فيأتي كأنه خلاصة عيشٍ وتأمّل. الأخلاق هنا ليست قناعًا اجتماعيًّا ولا زخرفةً للسيرة، بل عمودٌ فقريٌّ للتجربة. وحين تقول الكاتبة، بمعنى من المعاني، إنّ الأخلاق لغة عالمية تفهمها الشعوب دون قاموس، فإنها لا تلقي عبارةً جميلةً فحسب، بل تصوغ قانونًا من قوانين العيش المشترك. فالغريب في بلدٍ بعيد لا يملك دائمًا اللغة الكافية لشرح نفسه، لكنه يملك أخلاقه؛ وقد لا يستطيع أن يدافع عن وطنه بخطابٍ طويل، لكنه يستطيع أن يجعله حاضرًا في لطفه واتزانه وصدقه. بهذا الوعي العميق، يتجاوز الكتاب حدود الحكاية الفردية ليقدّم درسًا نادرًا في آداب العبور بين الثقافات: أن تكون منفتحًا دون ذوبان، ثابتًا دون انغلاق، واثقًا دون تعالٍ، قريبًا من الناس دون تفريطٍ في حدودك.
أمّا البعد الدراسي، فيحضر في الكتاب حضورًا مضيئًا؛ إذ لا تنظر ناهد بنسيدهم إلى الدراسة في الخارج بوصفها تجربةً للوجاهة أو التزيين الاجتماعي، بل بوصفها واجبًا معرفيًّا وأخلاقيًّا. فالتميّز، كما يصوّره الكتاب، ليس ترفًا لمن يطلب المدح، بل مسؤولية من مُنح فرصةً عليه أن يستحقها. في قاعة الدرس، تصبح الطالبة التونسية عقلًا حاضرًا لا جسدًا عابرًا؛ تصغي، وتسأل، وتستوعب، وتدرك أنّ احترام الوقت ليس عادةً إداريةً فحسب، بل قيمة معرفية، وأنّ إنجاز الواجبات ليس عبئًا عابرًا، بل تدريبٌ على النزاهة، والدقة، والجدية، وحسن ترتيب الفكر. بهذا المعنى، يقدّم الكتاب صورةً راقيةً عن الطالب التونسي في الخارج: طالبًا لا يطلب التفوق ليقال عنه إنّه تفوّق، بل ليكون أهلًا للثقة، وللمنحة، وللجامعة، وللوطن الذي يحمله في سلوكه قبل كلامه.
وفي المستوى الاجتماعي، يبلغ الكتاب إحدى ذراه الأسلوبية والفكرية. فالكاتبة لا تروي علاقتها بالمجتمع الإندونيسي على طريقة الانبهار السطحي، ولا تنساق إلى المقارنات المتعالية التي تفسد كثيرًا من نصوص الرحلات؛ بل تختار طريقًا أرقى: طريق الفهم. وهي تدرك مبكرًا أنّ المبتعث لا يواجه مجتمعًا صلبًا ذا ملامح واحدة، بل يواجه طبقاتٍ من العادات، والرموز، والإشارات، والمسافات النفسية التي لا تُفهم إلا بالصبر واللباقة. لذلك ترفض خيارين متطرفين: الانغلاق باسم الحفاظ على الهوية، والذوبان باسم الاندماج. وتقترح بديلًا بالغ النضج: الاندماج الواعي، أو الحضور المتوازن؛ أن تسأل قبل أن تحكم، وأن تحسن الظن قبل أن تفسّر الموقف تفسيرًا عدائيًّا، وأن ترى في الاختلاف مادةً للتعلّم لا سببًا للخوف. هذه الفلسفة الاجتماعية هي من أجمل ما يقدّمه الكتاب؛ لأنها تصلح لكل طالب، وكل مسافر، وكل إنسان يجد نفسه بين ثقافتين.
وليس من المبالغة القول إنّ الكتاب يكتب عن إندونيسيا بقدر ما يكتب عن تونس أيضًا. فهو، من جهة، يفتح أمام القارئ بابًا على جاكرتا، وعلى الأرخبيل الإندونيسي، وعلى العادات، والتقاليد، والمطبخ، واللباس، والفنون، والشارع، والناس، والمرأة، والطبيعة، والحيوانات، والفواكه، والمدن التي زارتها المؤلفة؛ لكنه، من جهةٍ ثانية، يكتب عن صورة تونس وهي تعبر البحار في هيئة طالبةٍ مؤدّبةٍ، جادّةٍ، واعيةٍ، واثقةٍ، متواضعة. في هذا التوازي الجميل، يصبح الكتاب جسرًا مزدوج الاتجاه: يقرّب إندونيسيا من القارئ التونسي والعربي، ويقدّم تونس في صورةٍ أخلاقيةٍ وثقافيةٍ رفيعة. وهنا تتجلّى قيمة الكتاب الصحفية والثقافية؛ فهو لا يكتفي بتوسيع معرفة القارئ ببلدٍ آسيوي كبير، بل يذكّره بأنّ كل طالبٍ في الخارج يمكن أن يكون سفارةً إنسانيةً مصغّرة لوطنه.
حين تصل الكاتبة إلى جاكرتا، لا تعامل المدينة ككتلة إسمنتية أو كعاصمةٍ تُختزل في زحامها ومعالمها؛ بل تراها كائنًا مدينيًّا متعدد الطبقات. جاكرتا في الكتاب ليست صورةً سياحيةً جاهزة، بل إيقاعٌ يتشكّل من الوجوه، والأصوات، والأسواق، والطرقات، والدهشة الأولى، والقدرة على قراءة المشهد لا مشاهدته فقط. والكاتبة، في وصفها للمدينة، تمتلك عينًا أدبيةً تعرف كيف تلتقط التفاصيل دون أن تغرق فيها؛ فهي ترى الحركة، لكنها تبحث عن النظام الخفي داخلها؛ ترى الازدحام، لكنها لا تختزله في الفوضى؛ ترى الاختلاف، لكنها لا تكتفي بتسميته غرابة. من هنا تبدو جاكرتا، في الكتاب، مدينةً تُعلّم لا مدينةً تُزار فقط؛ تُعلّم القارئ أنّ المدن الكبرى لا تُفهم من زاويةٍ واحدة، وأنّ جمالها ليس في معالمها وحدها، بل في قدرتها على إعادة ترتيب حواس المسافر.
وعندما يتحدث الكتاب عن إندونيسيا، فإنّه لا يقف عند الطبيعة، على وفرتها وسحرها، بل ينفذ إلى روح الثقافة التي تمنح الطبيعة معناها. فإندونيسيا في هذا العمل ليست بلدًا واحدًا بالمعنى الضيق، بل فسيفساء واسعة من الجزر، واللغات، والوجوه، والألوان، والأطعمة، والطقوس، والفنون، وأنماط العيش. والكاتبة تحسن تقديم هذا التنوع بوصفه ثراءً لا تشظّيًا، وبوصفه طاقةً اجتماعيةً لا مجرّد اختلافٍ فولكلوري. إنها ترى في العادات اليومية مفاتيح لفهم المجتمع، وفي الطعام ذاكرةً للمكان، وفي الرقص والموسيقى لغةً للروح الجماعية، وفي طريقة استقبال الضيف أثرًا من آثار منظومةٍ قيميةٍ قائمة على الاحترام والهدوء والتعاون. وبهذا تصبح إندونيسيا في الكتاب أكثر من وجهة؛ تصبح درسًا في إمكان العيش المشترك، وفي تحويل التعدد إلى جمالٍ عام.
ومن أرقّ محاور العمل بعده الروحي. فالمؤلفة لا تتعامل مع الغربة بوصفها تحديًا عمليًّا فحسب، بل بوصفها امتحانًا داخليًّا للمعنى. في الأيام الأولى، حين يفتقد الإنسان مألوفه، وتُستنزف طاقته في الأسئلة الصغيرة، ويتحوّل أبسط فعلٍ يومي إلى تمرينٍ على التكيّف، تكتشف الكاتبة أنّ التنظيم وحده لا يكفي؛ فالجدول يضبط اليوم، لكنه لا يملأ الفراغ إذا اتسع في الداخل. هنا يتقدّم المعنى بوصفه طمأنينة. ولعلّ هذه من أجمل أفكار الكتاب: أنّ الإنسان لا يثبت في الغربة بقوة الإرادة وحدها، بل برسالةٍ داخليةٍ تمنح التعب غاية، والقلق حدودًا، والصعوبة قابليةً للفهم. إنّ الرحلة، في هذا البعد، لا تعود انتقالًا من تونس إلى إندونيسيا، بل تصير سفرًا من القلق إلى السكينة، ومن الارتباك إلى النضج، ومن الانبهار الأول إلى الحكمة الهادئة.
وتتأكد براعة ناهد بنسيدهم في قدرتها على تحويل الخاص إلى عام. فهي تكتب عن تجربتها، لكن القارئ لا يشعر أنها تستأثر بالحكاية لنفسها؛ بل يجد نفسه معنيًّا بها، كأنها تكتب ما يمكن أن يحدث لكل من يسافر، أو يدرس في الخارج، أو يصطدم بثقافةٍ أخرى، أو يبحث عن مكانه في عالمٍ واسع. وهذه إحدى علامات الكتابة الناجحة: أن تظل وفيّةً لخصوصية التجربة، لكنها تفتحها على أسئلةٍ إنسانيةٍ مشتركة. ففي الكتاب تجربة طالبةٍ تونسية، نعم، لكنه أيضًا كتاب عن معنى أن يكبر الإنسان في المسافة، وأن يتعلّم من الاختلاف، وأن يعيد فهم وطنه وهو بعيد عنه، وأن يعرف أنّ الهوية لا تقوى بالصراخ، بل بالاتزان، وأنّ الانفتاح الحقيقي لا يقتضي التخلي عن الذات، بل يقتضي امتلاكها بوعيٍ أعمق.
من جهة الأسلوب، تمتلك المؤلفة لغةً رائقةً تجمع بين الصفاء العاطفي والوعي التحليلي. فهي لا تكتب بلغةٍ تقريريةٍ جافة، ولا تستسلم للزخرفة التي تُثقل النص، بل تمزج بين حرارة الشعور ورصانة الفكرة. عبارتها طويلة النفس حين يحتاج المعنى إلى اتساع، ومضيئة حين تلتقط الخلاصة، وقادرة على أن توازن بين السرد والتأمل. وهذا التوازن مهمّ، لأنّ أدب الرحلة قد يقع أحيانًا في أحد منزلقين: إمّا الاكتفاء بالوصف الخارجي، فيتحول النص إلى ألبومٍ مكتوب، وإمّا الإغراق في التأمل، فيتراجع المكان لصالح الذات. أمّا في هذا الكتاب، فهناك تناغمٌ واضح بين المكان والذات: إندونيسيا ليست خلفيةً صامتة، والذات ليست مركزًا متضخمًا، بل هما يتحاوران في نصٍّ يعرف متى يصف، ومتى يتوقف ليفكّر، ومتى يحوّل المشهد إلى درس.
ومن جهة البناء، يكشف فهرس الكتاب عن وعيٍ واضح بتدرّج التجربة: من تقديم سعادة السفير، إلى المنحة بوصفها مسؤولية، إلى البعد الأخلاقي والدراسي والاجتماعي، ثم الميثاق الشخصي قبل السفر، فالتحوّل الأول قبل الوصول، فالاحتكاك بإندونيسيا، فالبعد الروحي، ثم الصدمة الثقافية، والتواصل، ونظام التعليم، وجامعة أحمد دحلان، وجاكرتا بعد الدراسة، والثقافة والعادات والبلدان التي زارتها المؤلفة، وصولًا إلى تفاصيل الحياة الإندونيسية في مطبخها وشارعها وشعبها ولباسها. هذا الترتيب ليس اعتباطيًّا؛ إنّه يرسم مسارًا تربويًّا للرحلة: من الداخل إلى الخارج، ومن النية إلى التجربة، ومن التجربة إلى المعرفة. ولذلك يستطيع القارئ أن يتقدم في الكتاب وهو يشعر أنه لا يجمع معلومات فحسب، بل يرافق تشكّل وعي.
وممّا يُحسب لهذا العمل أنّه يقدّم صورةً مشرقةً عن إندونيسيا دون أن يحوّلها إلى دعايةٍ مسطحة. فالمدح هنا ليس مبالغةً خارجية، بل نتيجة طبيعية لقربٍ إنساني وثقافي. الكاتبة لا تقول للقارئ: أحبّوا إندونيسيا لأنها جميلة فقط؛ بل تجعله يحبّها لأنه يفهم شيئًا من روحها: احترامها للتنوع، دفء ناسها، حضور شبابها، ثراء ثقافتها، قدرتها على الجمع بين الأصالة والتطور، وعلاقتها العميقة بالطبيعة والحياة اليومية. وهذا النوع من الكتابة هو ما تحتاجه العلاقات الثقافية بين الشعوب: نصوصٌ تُقرّب دون أن تُسطّح، وتُضيء دون أن تُخفي تعقيد الواقع، وتفتح باب المحبة عبر المعرفة لا عبر الشعارات.
ومن هنا أيضًا تتجلّى أهمية نشر الكتاب بدعمٍ من سفارة جمهورية إندونيسيا بتونس. فمثل هذه المبادرات لا تروّج لكتابٍ واحد فحسب، بل تؤسّس لمناخٍ ثقافيٍ أوسع، يتيح للتونسيين والعرب أن يقتربوا من إندونيسيا عبر عينٍ تونسيةٍ عاشت ودرست وتأملت، لا عبر معلوماتٍ باردة أو صورٍ متفرقة. وسعادة السفير زهيري مصراوي، بهذا الدعم، لا يمدّ يدًا لكتابٍ جميل فحسب، بل يمدّ يدًا لجسرٍ ثقافيٍّ بين بلدين يجمعهما احترامُ العلم، ومكانةُ الدين، وتقديرُ الأسرة، وحبُّ الحياة، والإيمان بأنّ الطريق إلى المستقبل يمرّ عبر المعرفة المتبادلة. وفي زمنٍ تتسع فيه المسافات النفسية بين الشعوب رغم قرب وسائل الاتصال، تظلّ الكتب من أرقى الوسائل لبناء الثقة، لأنها تمنح القارئ وقتًا للتأمل، لا ومضةً عابرةً من الانطباع.
لا يحتاج القارئ إلى أن يكون قد زار إندونيسيا كي يحب هذا الكتاب؛ يكفي أن يكون قد عرف معنى البداية في مكانٍ جديد، أو معنى الخوف الجميل قبل تجربةٍ كبرى، أو معنى أن يحمل الإنسان وطنه في أخلاقه، أو معنى أن تتغير نظرته إلى نفسه حين يضعها العالم أمام امتحانٍ واسع. الكتاب، في جوهره، رسالة إلى الطلبة قبل أن يكون وصفًا لبلد، ورسالة إلى المسافرين قبل أن يكون سردًا للرحلة، ورسالة إلى القراء كلهم بأنّ التجارب الكبرى لا تُقاس بعدد المدن التي نزورها، بل بقدر ما تُحدثه فينا من تغيير. وبهذا المعنى، فإنّ «على عتبة الشرق» كتابٌ عن التربية بالمسافة، وعن الأخلاق في الغربة، وعن العلم بوصفه مسؤولية، وعن الثقافة بوصفها جسرًا، وعن السفر بوصفه مدرسةً للإنسان.
ولا تقف قيمة هذا الكتاب عند حدود المتعة القرائية، على أهميتها، بل تمتدّ إلى ما يمكن تسميته بالفائدة العملية الرفيعة؛ فهو يصلح لأن يكون رفيقًا لكل طالبٍ يستعدّ لخوض تجربةٍ خارج وطنه، ولكل أسرةٍ تريد أن تفهم ما يعيشه أبناؤها في الغربة، ولكل مؤسسةٍ أكاديميةٍ تؤمن بأنّ المنح والتبادل الثقافي لا يُقاسان بعدد المقاعد الممنوحة فحسب، بل بما يخلّفانه من تحوّلٍ في الوعي والسلوك. إنّ ناهد بنسيدهم لا تكتب من موقع الواعظ، بل من موقع من جرّب، وتردّد، ودهش، وتعلّم، ثم عاد ليحوّل التجربة إلى معرفةٍ مكتوبة. وهذه المعرفة هي ما يجعل الكتاب جديرًا بأن يخرج من دائرة القراء المهتمين بأدب الرحلة إلى دائرة أوسع تشمل المهتمين بالتربية، والعلاقات الثقافية، والدبلوماسية الناعمة، وتكوين الشباب، وصورة تونس في الخارج.
واللافت في العمل أنّه، على امتداد صفحاته، لا يعادي البساطة ولا يخجل منها؛ بل يجعلها جزءًا من جماله. فالبساطة هنا ليست فقرًا في المعنى، بل طريقةٌ في الاقتراب من الحياة كما هي: من الوجوه العادية، ومن الشارع، ومن الطعام، ومن الدرس، ومن الخجل الأول، ومن الخطأ الصغير، ومن الصداقة التي تبدأ بتحية، ومن المدينة التي تكشف نفسها شيئًا فشيئًا. وتلك القدرة على تحويل اليومي إلى مادةٍ للتأمل هي ما يمنح الكتاب نَفَسه الأدبي؛ إذ لا يبحث عن البطولة في الأحداث الصاخبة، بل يجدها في تهذيب النفس، وفي إتقان الحضور، وفي أن يعود الإنسان من السفر أوسع قلبًا، وأصفى نظرًا، وأكثر قدرةً على فهم نفسه والآخرين.
يستحق الكتاب أيضًا أن يُقرأ بوصفه وثيقةً في أدب التبادل الأكاديمي، لا لأنه يسجّل اسم برنامجٍ أو جامعةٍ أو مدينةٍ فحسب، بل لأنه يكشف الوجه الإنساني للتعلّم حين ينتقل من القاعة إلى الحياة. فالدراسة في الخارج، كما يراها العمل، لا تبدأ بالمحاضرة وحدها، بل تبدأ من لحظة ترتيب النية، ومن اختبار الصبر أمام اختلاف اللغة، ومن تهذيب الحضور في مجتمعٍ جديد، ومن القدرة على تحويل الصدمة الثقافية إلى معرفةٍ لا إلى شكوى. وهنا تظهر فرادة التجربة؛ فالكتاب لا يلمّع الصعوبة ولا يتجاهل القلق، لكنه يضعهما في موضعهما الصحيح: جزءًا من صناعة النضج، وشرطًا طبيعيًّا لكل عبورٍ حقيقي.
ومن الجهة الصحفية، يمتلك العمل قيمةً مضاعفة لأنه يصلح لأن يكون مادةً للتعريف بإندونيسيا عبر عينٍ عربيةٍ قريبة من وجدان القارئ التونسي. فالحديث عن الشعوب لا يكتمل بالأرقام وحدها، ولا بالخرائط، ولا بالمعلومات المدرسية؛ إنه يحتاج إلى عينٍ عاشت التفاصيل، وإلى لغةٍ قادرةٍ على تقريب البعيد دون أن تختزله. وهذا ما تفعله المؤلفة حين تجعل من إندونيسيا بلدًا يُرى في الشارع والمائدة والجامعة والابتسامة والاحتفال والدرس، لا في الصورة السياحية وحدها. إنها تقدّم للقارئ صحافةً من نوعٍ رفيع: صحافةَ المعنى، حيث الخبر ليس حدثًا عابرًا، بل تجربةً إنسانيةً تمتدّ آثارها في الذاكرة والثقافة والعلاقات بين الشعوب.
وإذا كان المقال الصحفي الجيد هو الذي يعرف كيف يلتقط من الكتاب روحه لا ملخصه فقط، فإنّ روح هذا الكتاب تكمن في تلك المصالحة النادرة بين الدهشة والانضباط. فالكاتبة تندهش، لكنها لا تفقد قدرتها على التمييز؛ تمدح، لكنها لا تسقط في الزخرفة؛ تصف، لكنها لا تجعل الوصف غايةً نهائية. وهذا الاتزان هو ما يمنح العمل مصداقيته؛ إذ يشعر القارئ أنّ النص لا يريد أن يفرض عليه عاطفةً جاهزة، بل يترك التجربة تنضج أمامه حتى يصل بنفسه إلى المحبة والتقدير.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يقال في الكتاب إنّه يعلّم القارئ أدب الاقتراب: الاقتراب من بلدٍ بعيد، ومن ثقافةٍ مغايرة، ومن ذاتٍ تتغير وهي تتعلم. فليس السفر هنا قطيعةً مع الأصل، ولا ذوبانًا في الآخر، بل حركةٌ واعيةٌ بين الجذور والأفق؛ جذورٌ تمنح الإنسان ثباته، وأفقٌ يمنحه اتساعه. وفي هذا المعنى بالذات يبدو الكتاب عملًا جديرًا بالتداول، لأنه يقدّم نموذجًا للشباب العربي الذي يسافر كي يتعلم، ويتعلم كي يخدم، ويعود من الرحلة أكثر قدرةً على بناء الجسور.
لذلك يستحق كتاب الأستاذة ناهد بنسيدهم أن يُقرأ، لا لأنه يمدح إندونيسيا فحسب، بل لأنه يمدح الإنسان حين يحسن السفر، ويمدح الطالب حين يحسن تمثيل وطنه، ويمدح الثقافة حين تتحول من معرفةٍ نظرية إلى سلوكٍ يومي. وتستحق صاحبة الكتاب التقدير لأنها لم تكتب رحلةً عابرةً تنتهي عند آخر صورة، بل كتبت تجربةً ناضجةً تُعلّم القارئ أنّ الشرق ليس جهةً في الخريطة فقط، بل أفقٌ من المعنى، وأنّ إندونيسيا ليست بلدًا بعيدًا في الأرخبيل، بل مرآةٌ رحبةٌ يمكن أن يرى فيها التونسي والعربي شيئًا من نفسه، ومن قدرته على التعلّم، والتحوّل، والاتصال بالعالم دون أن يفقد جوهره. وبين يدي هذا العمل، لا نملك إلا أن نشكر الكاتبة على صدقها وجمال عبارتها، ونشكر سعادة السّفير “زهيري مصراوي” وسفارة جمهورية إندونيسيا بتونس على هذا الإسناد الثقافي النبيل، ونأمل أن يكون هذا الكتاب فاتحةً لأعمالٍ أخرى تُعمّق التعارف بين تونس وإندونيسيا، وتمنح القرّاء العرب مزيدًا من النوافذ المضيئة على شرقٍ واسعٍ، إن اقتربنا منه بإنصاف، أعاد إلينا شيئًا من إنسانيتنا الأولى.






