الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان”- كتب سفيان رجب
بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما من توقيع اتفاقية التبادل الحر، لم يعد السؤال المطروح بين تونس وتركيا يتمثل في حجم المبادلات التجارية أو قيمة العجز التجاري، بل في طبيعة العلاقة الاقتصادية نفسها.
فالعالم تغير بصورة جذرية. سلاسل التوريد العالمية تعاد صياغتها. أوروبا تبحث عن شركاء صناعيين أقرب جغرافيا وأكثر استقرارا. الشركات الدولية أصبحت تقلص المسافات بين مواقع الإنتاج والأسواق النهائية، فيما يتسارع التحول نحو الاقتصاد الأخضر والرقمي.
في هذا السياق، لم يعد مستقبل العلاقات التونسية التركية مرتبطا بزيادة صادرات هذا الطرف أو ذاك، وإنما بقدرتهما على بناء سلاسل إنتاج مشتركة تستهدف الأسواق الأوروبية والإفريقية في آن واحد.
ويمتلك البلدان من المقومات ما يسمح بذلك. فتركيا أصبحت خلال العقدين الأخيرين إحدى أكبر القواعد الصناعية في المنطقة، بينما راكمت تونس خبرة معتبرة في الصناعات الموجهة للتصدير، خاصة نحو الاتحاد الأوروبي، مع موارد بشرية ذات كفاءة عالية وقرب جغرافي يمنحها أفضلية تنافسية.
غير أن هذا التحول لا يمكن أن يشمل جميع القطاعات بنفس الدرجة، إذ تشير المؤشرات الاقتصادية إلى وجود خمسة مجالات تبدو الأكثر قدرة على إعادة تشكيل الشراكة خلال السنوات المقبلة.
أولا: صناعة السيارات… من المنافسة إلى التكامل
تعد صناعة مكونات السيارات من أكثر القطاعات الواعدة في الاقتصاد التونسي.
فالقطاع يضم مئات المؤسسات الصناعية، ويوفر عشرات آلاف مواطن الشغل، كما يمثل أحد أهم مصادر الصادرات الصناعية، بفضل اندماجه في سلاسل الإنتاج الأوروبية، خاصة مع ألمانيا وفرنسا وإيطاليا.
وفي المقابل، نجحت تركيا في بناء واحدة من أكبر الصناعات السياراتية في أوروبا، إذ لا تقتصر على تصنيع المكونات، بل أصبحت تنتج السيارات الكاملة لفائدة علامات عالمية عديدة، إضافة إلى تطوير علامات وطنية جديدة.
وهنا تبرز فرصة مهمة أمام البلدين.
فبدلا من النظر إلى تركيا كمنافس للمصنع التونسي، يمكن تحويل العلاقة إلى نموذج إنتاج مشترك، بحيث تتخصص تونس أكثر في تصنيع المكونات ذات القيمة التقنية المرتفعة، بينما تستفيد الشركات التركية من هذه المنتجات داخل مصانعها أو في صادراتها نحو أوروبا.
ومع انتقال صناعة السيارات عالميا نحو المركبات الكهربائية، فإن الحاجة إلى موردين جدد ستتزايد بصورة كبيرة، وهو ما يفتح نافذة جديدة أمام المؤسسات التونسية للدخول في سلاسل إنتاج أكثر تطورا بالشراكة مع المستثمر التركي.
ثانيا: مكونات الطائرات… قطاع صغير بحجم كبير
قد يبدو قطاع الصناعات الجوية أقل شهرة من صناعة السيارات، لكنه يعد من أكثر القطاعات الصناعية تطورا في تونس.
فخلال السنوات الأخيرة نجحت البلاد في استقطاب عشرات الشركات العالمية المختصة في تصنيع أجزاء الطائرات والأسلاك والأنظمة الإلكترونية الدقيقة، وأصبحت منتجاتها تدخل في صناعة طائرات مدنية وتجارية تستعمل في مختلف أنحاء العالم.
أما تركيا، فقد استثمرت بكثافة في الصناعات الدفاعية والجوية، وأصبحت تطور طائرات مدنية وعسكرية ومسيرات وأنظمة إلكترونية معقدة.
ويستطيع الطرفان هنا بناء تكامل حقيقي يجمع بين الخبرة الصناعية التونسية والقدرة الاستثمارية والتكنولوجية التركية، بما يسمح بإقامة مشاريع مشتركة تستهدف الأسواق الأوروبية والإفريقية والشرق أوسطية.
كما يمكن لهذا القطاع أن يساهم في نقل التكنولوجيا ورفع مستوى البحث والتطوير داخل المؤسسات التونسية، وهي نقطة ظلت تمثل الحلقة الأضعف في التعاون الاقتصادي التقليدي.
ثالثا: الطاقات المتجددة… الاستثمار الذي لا ينتظر
إذا كان النفط قد شكل لعقود أساس العلاقات الاقتصادية بين الدول، فإن الكهرباء الخضراء ستصبح خلال السنوات المقبلة أحد أهم عناصر التنافس الاقتصادي.
وتسعى أوروبا إلى رفع وارداتها من الطاقة النظيفة، بينما تعمل دول جنوب المتوسط على تطوير مشاريع كبرى في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر.
وتملك تونس إمكانات طبيعية مهمة في هذا المجال، سواء من حيث عدد ساعات سطوع الشمس أو المساحات القابلة لإقامة المشاريع الطاقية.
أما تركيا فقد راكمت خبرة صناعية معتبرة في تصنيع التجهيزات المرتبطة بالطاقات المتجددة، من الألواح الشمسية إلى مكونات محطات الرياح والتجهيزات الكهربائية.
ومن شأن الجمع بين الموارد الطبيعية التونسية والخبرة الصناعية التركية أن يخلق صناعة جديدة ذات قيمة مضافة عالية، خاصة إذا تم توجيه جزء من الإنتاج نحو السوق الأوروبية التي ستشهد طلبا متزايدا على الطاقة النظيفة خلال السنوات القادمة.
رابعا: الصناعات الغذائية… فرصة غير مستغلة
رغم أهمية القطاع الفلاحي في البلدين، فإن التعاون الصناعي في مجال الصناعات الغذائية ما يزال محدودا مقارنة بالإمكانات المتوفرة.
فالطلب العالمي على المنتجات الغذائية المصنعة يشهد نموا متواصلا، خصوصا في الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية.
وتتميز تونس بمنتجات ذات جودة عالية، مثل زيت الزيتون والتمور والمنتجات البيولوجية، في حين تمتلك تركيا خبرة كبيرة في التصنيع الغذائي، والتعليب، والتسويق الدولي، وإدارة العلامات التجارية.
ويمكن أن يقود الجمع بين هذه الميزات إلى إنشاء شركات مشتركة تستهدف أسواقا جديدة بدل الاكتفاء بالتنافس داخل السوق المحلية.
كما أن تطوير سلاسل القيمة الزراعية والغذائية سيساهم في رفع القيمة المضافة للمنتجات التونسية، التي ما تزال في كثير من الأحيان تصدر كمواد أولية قبل إعادة تصنيعها في الخارج.
خامسا: الرقمنة والذكاء الاصطناعي… الشراكة التي قد تغير كل شيء
ربما يكون هذا القطاع هو الأكثر أهمية بالنسبة للمستقبل.
فالاقتصاد العالمي يتجه بسرعة نحو الرقمنة، بينما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تغير أساليب الإنتاج والخدمات والإدارة والتعليم والصحة.
وتملك تونس رأسمالا بشريا مهما في مجالات البرمجيات والهندسة والابتكار، فيما استثمرت تركيا خلال السنوات الأخيرة بصورة كبيرة في الشركات الناشئة والتكنولوجيات الرقمية ومراكز البحث والتطوير.
ولا يتعلق الأمر فقط بإنشاء شركات برمجيات، وإنما بإدماج الذكاء الاصطناعي في الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية والإدارة العمومية.
كما يمكن للبلدين إنشاء منصات مشتركة للابتكار، ومراكز أبحاث، وحاضنات أعمال موجهة للأسواق الإفريقية، بما يحول التعاون من تبادل تجاري إلى شراكة معرفية قادرة على إنتاج التكنولوجيا لا استهلاكها فقط.
المستقبل لن يصنعه الميزان التجاري وحده
تكشف التجارب الدولية أن العلاقات الاقتصادية الأكثر نجاحا لم تبن على زيادة الصادرات فقط، وإنما على بناء منظومات إنتاج متكاملة تجعل نجاح أحد الطرفين مصلحة مباشرة للطرف الآخر.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقات التونسية التركية لن يتحدد بحجم الواردات أو الصادرات، بل بقدرتهما على الانتقال من منطق التجارة إلى منطق الاستثمار والإنتاج المشترك والابتكار.
فالقطاعات الخمسة السابقة لا تمثل مجرد فرص اقتصادية منفصلة، بل تشكل ملامح نموذج جديد للتعاون، يقوم على التكامل الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وخلق القيمة المضافة، وفتح أسواق ثالثة.
وإذا نجح البلدان في تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع عملية، فإن العلاقات التونسية التركية قد تدخل مرحلة مختلفة تماما، لا يكون عنوانها “التبادل التجاري”، بل “الإنتاج المشترك من أجل المنافسة العالمية”.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر أكثر طموحا: هل يستطيع البلدان، انطلاقا من هذا التكامل الصناعي، أن يبنيا معا منصة اقتصادية موجهة نحو القارة الإفريقية؟ وهو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في الفصل الخامس والأخير.
(يتبع…( في الجزء الخامس والاخير: تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل
ملفنا الأول
العلاقات التونسية – التركية
من إرث التاريخ إلى الشراكة الإنتاجية
هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟
الفصل الأول (تم النشر( https://shorturl.at/ad7NE
الخلفية التاريخية.
تطور العلاقات.
لماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس.
الفصل الثاني
اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي (تم النشر) https://shorturl.at/l2y92
- لماذا ارتفع العجز التجاري؟
- هل الاتفاقية مسؤولة فعلا؟
- ماذا فعلت مصر؟
- ماذا فعل المغرب؟
- ماذا استفادت تركيا؟
- ماذا خسرت تونس؟
- وما الذي يجب مراجعته؟
الفصل الثالث
المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية (تم النشر) https://shorturl.at/tNp52
- لماذا أطلقت الآن؟
- ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
- هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
- ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟
الفصل الرابع
خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات (نشر أعلاه)
- صناعة السيارات.
- مكونات الطائرات.
- الطاقات المتجددة.
- الصناعات الغذائية.
- الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
الفصل الخامس
تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل




