- لماذا أطلقت الآن؟
- ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
- هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
- ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟
الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان”- كتب سفيان رجب
طوال أكثر من عقدين، بقيت العلاقات الاقتصادية بين تونس وتركيا تتحرك في إطار معادلة تكاد تكون ثابتة: ارتفاع متواصل في المبادلات التجارية، مقابل ضعف نسبي في حجم الاستثمارات التركية المباشرة داخل تونس، واتساع مستمر في العجز التجاري لصالح أنقرة. ورغم تعدد اللقاءات الرسمية واللجان المشتركة والمنتديات الاقتصادية، فإن هذه المعادلة لم تتغير بصورة جوهرية، الأمر الذي جعل اتفاقية التبادل الحر محل نقاش متكرر داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية التونسية.
غير أن الأشهر الأخيرة حملت مؤشرا جديدا قد يكون مختلفا عن سابقاته، تمثل في الإعلان عن تأسيس غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية او بالأحرى إعادة احياءها بعد أن كان وجودها نظريا منذ سنوات، ولم يتم تفعيل دورها بالشكل المأمول قبل تعيين السفير التركي احمد مصباح دميرجان الذي قدّم الدعم اللازم لإنجاح هذا المشروع. حيث تم اختيار رئيس تركي للغرفة يمتلك استثمارات فعلية ومشاريع ناجحة في تونس.
هذه المبادرة لا تقتصر أهميتها على بعدها المؤسساتي، وإنما تكمن أساسا في التوقيت الذي جاءت فيه، وفي طبيعة التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد المنافسة تقوم فقط على حجم المبادلات التجارية، بل أصبحت ترتكز على القدرة على استقطاب الاستثمارات، وبناء سلاسل إنتاج إقليمية، وإقامة شراكات صناعية طويلة المدى.
وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل تمثل هذه الغرفة بداية انتقال العلاقات الاقتصادية بين البلدين من مرحلة التجارة إلى مرحلة الاستثمار والإنتاج المشترك؟ أم أنها ستظل مجرد إطار إضافي ينضم إلى عشرات الهياكل التي ولدت بطموحات كبيرة ثم بقي تأثيرها محدودا؟
تحولات عالمية تفرض مقاربة جديدة
يصعب فهم أهمية هذه المبادرة دون وضعها في سياق التحولات الاقتصادية العالمية. فمنذ جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، دخلت الشركات العالمية مرحلة إعادة رسم خرائط الإنتاج وسلاسل التوريد.
ولم تعد الأولوية بالنسبة للمستثمرين هي البحث عن أقل كلفة إنتاج فقط، وإنما أصبحت سرعة التوريد، واستقرار البيئة السياسية، والقرب الجغرافي من الأسواق الكبرى، عناصر حاسمة في اتخاذ القرار الاستثماري.
ومن هنا برزت مفاهيم مثل Nearshoring وFriend-shoring، أي نقل جزء من الإنتاج إلى دول قريبة أو شريكة سياسيا واقتصاديا، بهدف تقليص المخاطر التي كشفتها الأزمات العالمية المتلاحقة.
وتعد تركيا من أكثر الدول التي استفادت خلال السنوات الأخيرة من هذا التحول، بعدما نجحت في تطوير قاعدة صناعية متنوعة، خاصة في الصناعات الميكانيكية، ومكونات السيارات، والنسيج، والصناعات الكهربائية، والصناعات الدفاعية، لتصبح شريكا أساسيا لعدد كبير من الشركات الأوروبية.
وفي المقابل، تمتلك تونس بدورها مجموعة من المقومات التي تجعلها قادرة على الاندماج في هذه السلاسل الإنتاجية الجديدة، وفي مقدمتها موقعها الجغرافي، وخبرتها الصناعية، وارتباطها باتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي وعدد من الأسواق الإفريقية.
لكن تحقيق هذا الهدف يقتضي تجاوز منطق العلاقات التجارية التقليدية نحو بناء شراكات صناعية واستثمارية حقيقية، وهو ما يمنح المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية أهمية خاصة.
من التمثيل إلى صناعة المشاريع
في التجارب الاقتصادية الناجحة، لا تقاس أهمية غرف التجارة بعدد أعضائها أو اللقاءات التي تنظمها، وإنما بقدرتها على تحويل العلاقات الاقتصادية إلى مشاريع فعلية، وعلى مرافقة المستثمر منذ اللحظة الأولى التي يقرر فيها دخول سوق جديدة، وصولا إلى انطلاق الإنتاج.
ومن هذا المنطلق، يمكن لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية أن تضطلع بدور يتجاوز الوظائف التقليدية لغرف التجارة، لتصبح منصة دائمة لربط رجال الأعمال والمؤسسات المالية والمراكز التكنولوجية والجامعات وهيئات الاستثمار في البلدين.
فالاقتصاد العالمي اليوم لم يعد يبحث عن مجرد أسواق لتصريف المنتجات، بل عن منظومات إنتاج متكاملة، تكون فيها كل دولة حلقة ضمن سلسلة قيمة تمتد عبر عدة بلدان. وفي هذا السياق، تستطيع تونس أن تتحول من سوق للمنتجات التركية إلى قاعدة صناعية وخدماتية موجهة نحو أوروبا وإفريقيا في آن واحد، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن خبرة مواردها البشرية، ومن شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطها بعدد من الأسواق الدولية.
كما يمكن للغرفة أن تلعب دور الوسيط بين المستثمرين والإدارة التونسية، فتساعد على تجاوز كثير من العراقيل الإجرائية التي ما تزال تمثل أحد أبرز أسباب تردد المستثمرين الأجانب. فالاستثمار لا يبحث فقط عن الامتيازات الجبائية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى وضوح الإجراءات، وسرعة اتخاذ القرار، واستقرار القواعد القانونية.
قطاعات واعدة… ولكن بشروط
توجد عدة قطاعات تبدو مؤهلة لتكون أرضية لشراكة تونسية تركية أكثر توازنا خلال السنوات المقبلة.
ويأتي قطاع صناعة مكونات السيارات في مقدمة هذه المجالات، حيث راكم البلدان خبرة معتبرة في هذا النشاط، وإن كانت تركيا قطعت أشواطا أبعد من حيث حجم الإنتاج والاندماج في سلاسل القيمة الأوروبية. ويمكن لتونس أن تستفيد من التجربة التركية عبر استقطاب استثمارات جديدة في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، خاصة في مكونات السيارات الكهربائية، والأنظمة الإلكترونية، والكابلات الذكية.
أما الصناعات الكهربائية والإلكترونية، فهي تمثل بدورها مجالا واعدا، خاصة في ظل تزايد الطلب الأوروبي على تنويع مصادر التوريد وتقريب مواقع الإنتاج.
كما تبدو الصناعات النسيجية مؤهلة للدخول في مرحلة جديدة، تقوم على الإنتاج المشترك بدلا من المنافسة المباشرة، مستفيدة من تكامل الخبرات التركية في تصميم المنتجات وتصنيع الأقمشة، مع الخبرة التونسية في التصنيع الموجه للتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
وفي قطاع الصناعات الغذائية، يمكن أن تفتح الشراكة الباب أمام مشاريع مشتركة في تحويل المنتجات الفلاحية، وتطوير الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة، والتوجه نحو أسواق إفريقية تعرف نموا متسارعا في الطلب على المواد الغذائية المصنعة.
ولا يقل قطاع الطاقات المتجددة أهمية عن بقية القطاعات، خاصة مع تسارع الانتقال الطاقي في أوروبا، وحاجة المنطقة المتوسطية إلى تطوير مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر، وهي مجالات بدأت تركيا تستثمر فيها بقوة، بينما تسعى تونس إلى تثبيت مكانتها فيها خلال السنوات المقبلة.
لماذا قد تنظر الشركات التركية إلى تونس بصورة مختلفة؟
خلال السنوات الماضية، كانت تونس تُنظر إليها أساسا كسوق استهلاكية محدودة الحجم. لكن التحولات الجيوسياسية الأخيرة أعادت رسم الحسابات الاقتصادية.
فالشركات التركية، مثل غيرها من الشركات الدولية، أصبحت تبحث عن مواقع إنتاج قريبة من أوروبا، وقادرة في الوقت نفسه على تسهيل النفاذ إلى الأسواق الإفريقية، وهو ما يمنح تونس ميزة مزدوجة يصعب تجاهلها.
ويضاف إلى ذلك توفر كفاءات هندسية وتقنية معترف بها، خاصة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية وتكنولوجيا المعلومات، فضلا عن الخبرة التي اكتسبتها المؤسسات التونسية في التعامل مع المعايير الأوروبية للجودة والتصنيع.
غير أن هذه المزايا، مهما كانت أهميتها، لن تكون كافية إذا لم تترافق مع إصلاحات داخلية تعزز تنافسية الاقتصاد، وتبسط الإجراءات، وتضمن استقرار التشريعات، وتوفر مناخا أكثر جاذبية للاستثمار.
فالمنافسة اليوم لا تقتصر على دول المنطقة، بل تشمل أيضا دولا مثل المغرب ومصر ورومانيا وصربيا، وهي بلدان تبذل جهودا كبيرة لاستقطاب الاستثمارات الصناعية الدولية.
العجز التجاري… من منطق الشكوى إلى منطق الحلول
يبقى العجز التجاري بين تونس وتركيا أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين. فمنذ دخول اتفاقية التبادل الحر حيز التنفيذ، ظل هذا الملف حاضرا في مختلف النقاشات، بين من يعتبر أن الاتفاق أتاح للمؤسسات التركية نفاذا واسعا إلى السوق التونسية، ومن يرى أن المشكلة لا تكمن في الاتفاقية في حد ذاتها، بل في ضعف القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي وعجزه عن استثمار الفرص التي توفرها الأسواق الخارجية.
والواقع أن الاقتصادات الحديثة لم تعد تقيس نجاحها فقط بحجم الميزان التجاري، وإنما بقدرتها على استقطاب الاستثمار، وخلق مواطن الشغل، ونقل التكنولوجيا، ورفع نسبة الاندماج الصناعي. لذلك، فإن معالجة هذا الاختلال لا يمكن أن تتم بمنطق الانغلاق أو العودة إلى سياسات الحماية التقليدية، بل من خلال الرفع من القدرة الإنتاجية للمؤسسة التونسية، وتشجيع المشاريع المشتركة التي تحول جزءا من الواردات إلى إنتاج محلي، وجزءا من المبادلات التجارية إلى قيمة مضافة تصنع داخل تونس.
ومن هنا، فإن نجاح غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية لن يقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها أو الندوات التي تنظمها، وإنما بعدد المؤسسات التي تنشأ، وحجم الاستثمارات التي تستقطب، وعدد فرص العمل التي تخلقها، وقدرتها على إدماج المؤسسات الصغرى والمتوسطة في شبكات الإنتاج الإقليمية والدولية.
نحو شراكة أكثر توازنا
تعيش منطقة البحر الأبيض المتوسط مرحلة إعادة تشكيل اقتصادية غير مسبوقة. فالتوترات الجيوسياسية، والتحول الطاقي، وإعادة توزيع سلاسل الإنتاج العالمية، تفتح أمام دول الجنوب فرصا لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة.
وفي هذا السياق، تبدو تونس وتركيا أمام فرصة لإعادة تعريف علاقتهما الاقتصادية على أسس جديدة، تقوم على التكامل أكثر من المنافسة، وعلى الاستثمار أكثر من التجارة، وعلى نقل المعرفة أكثر من مجرد تبادل السلع.
وتملك تركيا اليوم خبرة صناعية وتجارية متقدمة، بينما تمتلك تونس موقعا استراتيجيا وكفاءات بشرية واتفاقيات دولية تؤهلها لتكون منصة إنتاج وتصدير نحو أوروبا وإفريقيا. وإذا نجح الطرفان في الجمع بين هذه العناصر، فإن العلاقات الاقتصادية قد تدخل بالفعل مرحلة جديدة أكثر نضجا واستدامة.
غير أن هذا السيناريو الإيجابي ليس قدرا محتوما، بل يبقى رهينا بقدرة الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات العمومية في البلدين على تحويل النوايا إلى مشاريع، والإعلانات إلى استثمارات، والاتفاقيات إلى مصانع ومراكز خدمات ومؤسسات ناشئة وشبكات لوجستية حديثة.
الرهان الحقيقي
قد لا يكون تأسيس غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية حدثا استثنائيا في حد ذاته، فغرف التجارة موجودة في معظم العلاقات الاقتصادية الدولية. لكن قيمة هذه المبادرة تكمن في السياق الذي ولدت فيه؛ سياق عالمي يعيد رسم خرائط الصناعة والاستثمار، ويمنح الدول المتوسطة فرصا جديدة للتموقع داخل الاقتصاد العالمي.
ويبقى الرهان الحقيقي، بالنسبة إلى تونس، ألا تكتفي بدور السوق المستوردة أو الشريك التجاري، بل أن تتحول إلى شريك في الإنتاج والابتكار والتصدير. أما بالنسبة إلى تركيا، فإن نجاح حضورها الاقتصادي في تونس لن يقاس فقط بارتفاع صادراتها، وإنما أيضا بقدرتها على الاستثمار، ونقل الخبرة، والمساهمة في خلق قيمة مضافة محلية تعود بالنفع على الطرفين.
عندها فقط، يمكن القول إن العلاقات التونسية التركية تكون قد انتقلت من مرحلة تبادل السلع إلى مرحلة بناء المصالح المشتركة؛ وهي المرحلة التي ستحدد، على الأرجح، شكل هذه العلاقة خلال العقد القادم.
(يتبع…( في الجزء رابع: خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات التونسية-التركية
ملفنا الأول
العلاقات التونسية – التركية
من إرث التاريخ إلى الشراكة الإنتاجية
هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟
الفصل الأول (تم النشر( https://shorturl.at/ad7NE
الخلفية التاريخية.
تطور العلاقات.
لماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس.
الفصل الثاني
اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي (تم النشر) https://shorturl.at/l2y92
- لماذا ارتفع العجز التجاري؟
- هل الاتفاقية مسؤولة فعلا؟
- ماذا فعلت مصر؟
- ماذا فعل المغرب؟
- ماذا استفادت تركيا؟
- ماذا خسرت تونس؟
- وما الذي يجب مراجعته؟
الفصل الثالث
المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية (نشر أعلاه)
- لماذا أطلقت الآن؟
- ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
- هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
- ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟
الفصل الرابع
خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات
- صناعة السيارات.
- مكونات الطائرات.
- الطاقات المتجددة.
- الصناعات الغذائية.
- الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
الفصل الخامس
تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل





