- المبادلات التجارية منذ 2010.
- الاستثمارات التركية حسب القطاعات.
- الشركات التركية في تونس.
- قراءة نقدية لاتفاقية التبادل الحر.
تونس-لوبوان- كتب سفيان رجب
في عالم يعاد فيه رسم خرائط الاقتصاد والتجارة، لم تعد اتفاقيات التبادل الحر تقاس فقط بما تتيحه من تدفق للسلع، وإنما بقدرتها على خلق الثروة، وجذب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وإدماج الاقتصادات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية.
ومن هذا المنطلق، تواصل “Le Point Tn” نشر ملفها الخاص حول العلاقات التونسية – التركية، في محاولة لقراءة هذه العلاقة بعيدا عن الأحكام الجاهزة، وبالاعتماد على الوقائع والمعطيات الاقتصادية.
في الجزء الأول من هذا الملف، عدنا إلى الجذور التاريخية للعلاقات بين البلدين، وتتبعنا مسارها منذ الروابط التي نسجتها قرون من التاريخ المشترك، وصولا إلى تطورها بعد استقلال تونس، قبل أن تتحول تركيا خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أهم شركاء تونس الاقتصاديين في منطقة البحر الأبيض المتوسط.
أما في هذا الجزء، فإننا نقترب من الملف الأكثر إثارة للجدل، وهو اتفاقية التبادل الحر الموقعة بين البلدين، وهي الاتفاقية التي تحولت في الخطاب العام إلى المتهم الأول كلما ارتفع العجز التجاري أو واجهت الصناعة التونسية صعوبات جديدة.
لكن، هل الاتفاقية هي فعلا أصل المشكلة؟ أم أنها كشفت فقط عن نقاط الضعف الهيكلية للاقتصاد التونسي؟
اتفاقية ولدت في سياق مختلف
عندما وقعت تونس وتركيا اتفاقية التبادل الحر سنة 2004، ودخلت حيز التنفيذ في غرّة جويلية 2005، كانت الرؤية مختلفة تماما عن النقاش الدائر اليوم.
كانت تونس آنذاك تراهن على الانفتاح الاقتصادي، بعد توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وكان الاعتقاد السائد أن تحرير المبادلات التجارية سيؤدي تدريجيا إلى رفع تنافسية المؤسسات الوطنية، وجذب استثمارات أجنبية جديدة، وتحويل البلاد إلى منصة صناعية موجهة نحو التصدير.
أما تركيا، فقد كانت تعيش بدورها مرحلة إصلاح اقتصادي عميقة، استعدادا لمفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكانت تبحث عن توسيع حضورها في أسواق جنوب المتوسط، ليس فقط لتصدير منتجاتها، وإنما أيضا لبناء شراكات صناعية طويلة المدى.
وقد بدت الاتفاقية آنذاك رابحة للطرفين. فاقتصادان متكاملان نسبيا، يفصل بينهما أقل من ثلاثة أيام بحرا، ويرتبطان بعلاقات سياسية مستقرة، يمكن أن يؤسسا فضاء اقتصاديا واعدا في قلب المتوسط.
غير أن النتائج التي أفرزتها السنوات اللاحقة لم تكن متوازنة بالقدر نفسه.
أرقام تكشف اختلالا واضحا
فمنذ دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، شهدت المبادلات التجارية بين تونس وتركيا نموا متسارعا حيث تضاعف حجم التجارة عدة مرات مقارنة بما كان عليه في بداية الألفية. لكن هذا النمو لم يكن متوازنا.
فقد ارتفعت الواردات التونسية من تركيا بوتيرة أسرع بكثير من نمو الصادرات التونسية نحو السوق التركية، وهو ما أدى إلى اتساع العجز التجاري سنة بعد أخرى.
واليوم تشمل الواردات القادمة من تركيا طيفا واسعا من المنتجات، من النسيج والملابس الجاهزة إلى الأجهزة المنزلية، ومواد البناء، والحديد، والمنتجات البلاستيكية، والآلات والمعدات الصناعية، والمنتجات الكيميائية.
في المقابل، تبقى الصادرات التونسية أكثر تركيزا في عدد محدود من القطاعات، مثل الفسفاط ومشتقاته، وزيت الزيتون في بعض المواسم، والتمور، وبعض مكونات الصناعات الميكانيكية والكهربائية.
ويكشف هذا الاختلاف أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم المبادلات، وإنما في طبيعة الهيكل الإنتاجي لدى كل طرف.
هل الاتفاقية مسؤولة وحدها؟
هذا هو السؤال الذي يطرح في كل مرة يعود فيها الجدل حول العلاقات الاقتصادية مع تركيا.
والإجابة الاقتصادية تبدو أكثر تعقيدا من الخطاب السياسي.
فالعديد من الدول التي وقعت اتفاقيات مشابهة مع تركيا لم تعرف الاختلال نفسه، بل استطاعت تحويل الانفتاح التجاري إلى فرصة لزيادة صادراتها واستقطاب استثمارات صناعية تركية.
بمعنى آخر، الاتفاقية في حد ذاتها ليست سوى إطار قانوني يفتح السوق أمام الطرفين. أما المستفيد الحقيقي فهو الاقتصاد الأكثر استعدادا للمنافسة، والأقدر على الإنتاج، والأسرع في التكيف مع متطلبات الأسواق.
وهنا تكمن إحدى نقاط الضعف الرئيسية في الحالة التونسية.
فالاقتصاد التونسي دخل مرحلة تحرير المبادلات التجارية دون أن يواكب ذلك بسياسة صناعية متكاملة، أو باستثمارات كافية في تحديث المؤسسات، أو بإصلاحات عميقة في اللوجستيك، والرقمنة، وتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وبينما كانت تركيا تستثمر بكثافة في تحديث مصانعها، وتطوير موانئها، وتحسين بنيتها التحتية، وتوسيع حضورها في الأسواق الخارجية، كانت تونس تواجه تباطؤا في الاستثمار، وتراجعا في نسق الإصلاحات، وتعقيدات إدارية أثرت تدريجيا في تنافسية مؤسساتها.
ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الفارق على الميزان التجاري.
لماذا نجحت مصر والمغرب أكثر؟
عند مقارنة التجربة التونسية مع مصر أو المغرب، يتبين أن الدول الثلاث وقعت اتفاقيات مع تركيا، لكن النتائج جاءت مختلفة.
في المغرب، ارتبط الانفتاح التجاري بسياسة صناعية واضحة، خاصة في قطاع السيارات والطيران، حيث نجحت الرباط في جذب استثمارات أجنبية ضخمة، وتحويل البلاد إلى منصة إنتاج وتصدير نحو أوروبا وإفريقيا.
أما مصر، فقد استفادت من السوق المحلية الكبيرة، ومن المناطق الصناعية المشتركة، ومن تدفق الاستثمارات التركية في قطاع النسيج والصناعات التحويلية، مما وفر آلاف فرص العمل، ورفع القدرة الإنتاجية للمصانع المصرية.
في المقابل، لم تستقطب تونس الحجم نفسه من الاستثمارات التركية المنتجة، رغم امتلاكها مزايا تنافسية مهمة، من بينها الموقع الجغرافي، والكفاءات البشرية، والقرب من الأسواق الأوروبية.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل المشكلة في الاتفاقية، أم في مناخ الاستثمار والسياسات الاقتصادية المصاحبة لها؟
من منطق الاستيراد إلى منطق الإنتاج
قد يكون الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه تونس هو النظر إلى اتفاقية التبادل الحر باعتبارها مجرد اتفاق لتبادل السلع.
في حين أن الاقتصاد العالمي لم يعد يقوم على تبادل المنتجات النهائية فقط، بل على توزيع مراحل الإنتاج بين عدة دول داخل سلاسل قيمة متكاملة.
وكان بالإمكان أن تتحول تونس إلى قاعدة إنتاج للشركات التركية الموجهة نحو أوروبا وإفريقيا، خاصة في الصناعات الميكانيكية، والكهربائية، ومكونات السيارات، وصناعة النسيج ذات القيمة المضافة العالية.
لكن تحقيق هذا الهدف كان يتطلب رؤية صناعية متكاملة، وهو ما لم يتحقق بالشكل الكافي.
هل تحتاج الاتفاقية إلى مراجعة؟
الإجابة هي نعم… ولكن ليس بالمعنى الذي يطرحه البعض.
فالمراجعة المطلوبة لا تعني بالضرورة إلغاء الاتفاقية أو العودة إلى الحمائية التجارية، وإنما تحديثها بما ينسجم مع التحولات الاقتصادية الجديدة.
فمن الممكن إدراج آليات أكثر فعالية لحماية بعض القطاعات الحساسة، وتشجيع الاستثمار المشترك، وتحفيز نقل التكنولوجيا، ورفع نسبة المكونات المصنعة محليا، وربط الامتيازات التجارية بإقامة مشاريع إنتاجية داخل تونس.
كما يمكن إنشاء مجلس اقتصادي تونسي – تركي دائم يتولى تقييم نتائج الاتفاقية بصورة دورية، واقتراح التعديلات اللازمة وفق تطور الأسواق.
فالهدف لم يعد مجرد زيادة حجم المبادلات التجارية، وإنما بناء تكامل صناعي يخلق الثروة وفرص العمل في البلدين.
ما بعد الجدل
بعد أكثر من عشرين عاما على دخول اتفاقية التبادل الحر حيز التنفيذ، يبدو واضحا أن اختزال النقاش في سؤال “هل نلغي الاتفاقية أم لا؟” لم يعد كافيا.
السؤال الحقيقي أصبح: كيف تستطيع تونس أن تتحول من سوق تستورد، إلى شريك ينتج ويصدر ويشارك في سلاسل القيمة الإقليمية؟
فالاتفاقيات التجارية لا تصنع النجاح بمفردها، كما أنها لا تصنع الفشل بمفردها. النجاح تصنعه السياسات الاقتصادية، وجودة المؤسسات، والقدرة على الابتكار، والاستثمار في الإنسان، ووضوح الرؤية الصناعية.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي تقدمها التجربة التركية لتونس: أن الانفتاح لا يصبح فرصة إلا عندما يسبقه بناء اقتصاد قادر على المنافسة.
)يتبع…( في الجزء الثالث: المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية – التركية… هل تكون بداية مرحلة جديدة من الاستثمار والتكامل الصناعي؟
ملفنا الأول
العلاقات التونسية – التركية
من إرث التاريخ إلى الشراكة الإنتاجية
هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟
وسنناقش هذا السؤال عبر عدة فصول.
الفصل الأول (تم النشر( https://shorturl.at/ad7NE
الخلفية التاريخية.
تطور العلاقات.
لماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس.
الفصل الثاني
اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي (نشر أعلاه)
- لماذا ارتفع العجز التجاري؟
- هل الاتفاقية مسؤولة فعلا؟
- ماذا فعلت مصر؟
- ماذا فعل المغرب؟
- ماذا استفادت تركيا؟
- ماذا خسرت تونس؟
- وما الذي يجب مراجعته؟
الفصل الثالث
المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية
- لماذا أطلقت الآن؟
- ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
- هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
- ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟
الفصل الرابع
خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات
- صناعة السيارات.
- مكونات الطائرات.
- الطاقات المتجددة.
- الصناعات الغذائية.
- الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
الفصل الخامس
تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل





