اقتصاد

طبرقة تحتضن الدورة التكوينية الخامسة لمبادرة “سفراء الانتقال الطاقي”

لوبوان_امينة حدوش

انطلقت يوم الأربعاء 15 جويلية الجاري بمدينة طبرقة فعاليات الدورة التكوينية الخامسة ضمن مبادرة “أيام الصحفيين سفراء الانتقال الطاقي”، التي تنظمها الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، بمشاركة نحو عشرين صحفياً وصحفية من ولايات الإقليم الأول (بنزرت، باجة، جندوبة والكاف)، يمثلون وسائل إعلام سمعية وبصرية ومكتوبة وإلكترونية.

وتمتد هذه الدورة على ثلاثة أيام (15 و16 و17 جويلية) بمدينة طبرقة، في إطار برنامج تدريبي موسّع سيشمل بقية أقاليم الجمهورية خلال سنة 2026.

تأتي هذه المبادرة، الهادفة إلى تكوين شبكة من الصحفيين المتخصصين في قضايا الطاقة، في وقت تعيش فيه تونس أزمة طاقية خانقة، تتجلى ملامحها بوضوح في حياة المواطن اليومية: انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي خاصة خلال فترات الذروة الصيفية، وارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة أثّر سلباً على شبكة التوزيع وزاد الضغط على الطلب على الطاقة.

أرقام وحقائق لا تحتمل التأويل

وفق بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم التابع لوزارة الصناعة والمناجم والطاقة، يواصل الميزان الطاقي التونسي تسجيل عجز هيكلي نتيجة تراجع الإنتاج الوطني وارتفاع الطلب، وهو ما رفع فاتورة صافي واردات الطاقة إلى أكثر من 4.5 مليار دينار خلال السنة الماضية.

ويتزامن هذا الوضع مع موجات حر قياسية شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث لامست درجات الحرارة في بعض المناطق 48 درجة مئوية، ما رفع الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد خصوصاً، وزاد الضغط على المنظومة الكهربائية.

ويرى مراقبون أن حملات التوعية الرسمية، رغم أهميتها، لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب، إذ لا يزال جزء كبير من المواطنين غير مدرك للضرورة القصوى لترشيد استهلاك الطاقة، ولا لسبل تحقيق ذلك في حياتهم اليومية. فكثيرون لا يعرفون، على سبيل المثال، أن ضبط مكيف الهواء على درجة 26 بدلاً من 18 يمكن أن يخفض الاستهلاك بنسبة تصل إلى 30 بالمائة، أو أن استبدال المصابيح التقليدية بأخرى موفرة للطاقة يقلّص الفاتورة الشهرية بشكل ملموس.

الصحفيون بين رسالة التوعية وواقع الانقطاعات

خلال الجلسة الافتتاحية التي انعقدت بأحد نزل المدينة، بحضور المدير العام للوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة نافع البكاري، وإطارات من الوكالة، إلى جانب المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز سامي قرعة وممثلين عن الشركة، أثار عدد من الصحفيين المشاركين إشكاليات تتعلق بواقع الانقطاعات المتكررة للكهرباء في ولاياتهم، سواء في المناطق الحضرية أو الريفية وضواحيها.

حملة “استحفظ على طاقتك” في مواجهة التحديات

تندرج هذه الدورة ضمن مؤازرة الحملة الوطنية للتحكم في الطاقة التي تحمل شعار “استحفظ على طاقتك تربح راحتك”، والتي تراهن هذا العام على “سفراء الانتقال الطاقي” من الصحفيين ليكونوا همزة وصل بين جهود الدولة في ترشيد الاستهلاك وضمان صيف دون انقطاعات كهربائية، وبين المواطنين الذين يعانون يومياً من هذه الانقطاعات.

غير أن النقاشات التي دارت بين المشاركين أظهرت أن نجاح هذه الحملة مرهون بمدى قدرة الدولة على معالجة الإشكاليات البنيوية، وفي مقدمتها تحديث شبكات التوزيع القديمة، وتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الاعتماد المفرط على الغاز الطبيعي، وتشجيع المواطنين على تركيز الألواح الشمسية عبر حوافز مالية واضحة وميسّرة، بدلاً من الإجراءات الإدارية المعقدة التي لا تزال تعيق انتشار الطاقات المتجددة في القطاعين الخاص والعائلي.

برنامج ثري بمحاور علمية وزيارة ميدانية

تميز اليوم الأول من الدورة بمداخلات تناولت دور الوكالة في الانتقال الطاقي، وعرضاً لأبرز المشاريع المنجزة بولايات الإقليم الأول، وتقديماً حول مكتب الإحاطة الفنية الموجه للمستثمرين في الطاقات المتجددة، ومداخلة حول التنقل الكهربائي، إلى جانب نقاش حول دور الصحفي في التعاطي مع هذه الملفات.

أما اليوم الثاني فخُصص لمحاور أكثر تخصصاً، مثل برنامج الانتقال الطاقي في المؤسسات العمومية، والنجاعة الطاقية في قطاع البناء، وتجربة تحالف البلديات من أجل الانتقال الطاقي، تلتها ورشات عمل تطبيقية.

واختُتم اليوم الثالث بزيارة ميدانية إلى المستشفى الجهوي بطبرقة للاطلاع على مشروع نموذجي في مجال التحكم في الطاقة، أتاحت للصحفيين رؤية تطبيقات عملية للنجاعة الطاقية في مؤسسة حيوية، وإن كان المشاركون قد لاحظوا أن مثل هذه المشاريع لا تزال محدودة ولا تغطي سوى جزء ضئيل من المؤسسات العمومية، في وقت تحتاج فيه جميع هذه المؤسسات إلى إعادة تأهيل طاقي شامل.

تحديات تنتظر الحل

في ختام الدورة، أجمع عدد من الصحفيين المشاركين على أن المبادرة تمثل خطوة إيجابية في اتجاه بناء جيل من الصحفيين المختصين في قضايا الطاقة. غير أنهم شددوا في المقابل على أن التحديات المطروحة تتعلق أساساً بـغياب استراتيجية واضحة ومعلنة وقابلة للتطبيق على أرض الواقع للتعامل مع العجز الطاقي وضعف الاستثمار في البنية التحتية زد على ذلك ضرورة توعية المواطن وتحسيسه ليرشّد استهلاكه.

وفي المقابل، أشار المشاركون إلى أن مؤسسات الدولة، على غرار الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة والشركة التونسية للكهرباء والغاز، وضعت عدداً من البرامج والحوافز لتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وهو ما يستدعي، برأيهم، تسريع وتيرة تنفيذها وتوسيع نطاقها.

كما شددوا على أن ارتفاع درجات الحرارة، الذي لم يعد ظاهرة موسمية بل أصبح واقعاً سنوياً قاسياً، يتطلب إجراءات استباقية لا مجرد حملات توعوية آنية. فالعالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة، وتونس، كغيرها من دول المنطقة، مطالَبة بالاستعداد لها على المدى البعيد، ليس فقط عبر ترشيد الاستهلاك، بل من خلال إعادة هيكلة شاملة لقطاع الطاقة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى