الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان”- كتب سفيان رجب
عندما وقعت تونس وتركيا اتفاقية التبادل الحر سنة 2004، كان العالم يعيش مرحلة مختلفة تماما.
كانت العولمة في أوج توسعها، وكانت الشركات تبحث عن أقل كلفة للإنتاج، فيما كانت الأسواق الأوروبية تمثل الوجهة الطبيعية لغالبية الصادرات التونسية والتركية.
أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة.
الحروب التجارية، والأزمات الجيوسياسية، وجائحة كوفيد-19، واضطرابات سلاسل التوريد، والحرب في أوكرانيا، كلها دفعت الاقتصاد العالمي إلى إعادة رسم خرائط الإنتاج والاستثمار.
وفي المقابل، برزت إفريقيا باعتبارها واحدة من أهم مناطق النمو خلال العقود القادمة، ليس فقط بسبب عدد سكانها الذي يقترب من مليار ونصف المليار نسمة، وإنما أيضا بفعل التوسع الحضري، وارتفاع الطلب على الغذاء والطاقة والبنية التحتية والخدمات الرقمية.
وفي هذا المشهد الجديد، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يمكن أن تبيع تونس لتركيا أو ماذا يمكن أن تصدر تركيا إلى تونس؟
بل أصبح السؤال الحقيقي: ماذا يمكن أن ينتج البلدان معا من أجل إفريقيا؟
إفريقيا… السوق التي تتغير بسرعة
تشهد القارة الإفريقية واحدة من أسرع التحولات الاقتصادية في العالم.
فمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية فتحت الباب أمام سوق موحدة تعد الأكبر من حيث عدد الدول المشاركة، فيما تتسابق القوى الاقتصادية الكبرى لترسيخ حضورها داخل القارة.
الصين عززت حضورها عبر البنية التحتية والاستثمارات.
الاتحاد الأوروبي يعمل على تطوير شراكات جديدة مع دول الجنوب.
دول الخليج رفعت استثماراتها في قطاعات الطاقة والزراعة والموانئ.
أما تركيا، فقد وسعت وجودها الاقتصادي والدبلوماسي بصورة لافتة خلال العقدين الأخيرين، من خلال مضاعفة عدد سفاراتها، وتوسيع شبكة رحلاتها الجوية، وزيادة حجم المبادلات التجارية والاستثمارات.
وفي المقابل، تمتلك تونس رصيدا مختلفا يقوم على القرب الجغرافي من أوروبا، والعلاقات التاريخية مع عدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى كفاءات بشرية وخبرات صناعية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو مشاريع إقليمية أوسع.
منطق جديد للشراكة
تكمن الفكرة في الانتقال من العلاقة الثنائية التقليدية إلى شراكة تقوم على توزيع الأدوار.
يمكن لتونس أن توفر الموقع الصناعي القريب من أوروبا، والموارد البشرية المؤهلة، والخبرة في عدد من الصناعات التصديرية.
ويمكن لتركيا أن تضيف قدراتها الصناعية، وخبرتها في إدارة المشاريع الكبرى، وشبكاتها التجارية والاستثمارية التي بنتها خلال السنوات الأخيرة في القارة الإفريقية.
وعندما تجتمع هذه العناصر، يصبح بالإمكان إنشاء مشاريع مشتركة لا تستهدف السوق التونسية أو التركية فقط، وإنما الأسواق الإفريقية التي ستشهد طلبا متزايدا على المعدات الصناعية، والمنتجات الغذائية، والتجهيزات الطبية، والطاقات المتجددة، والخدمات الرقمية.
وبذلك تتحول العلاقة من تبادل للسلع إلى إنتاج مشترك وتوسع إقليمي.
ماذا تحتاج هذه الرؤية؟
غير أن هذا السيناريو لن يتحقق تلقائيا.
فهو يتطلب، قبل كل شيء، إرادة سياسية واضحة تعتبر الشراكة الاقتصادية خيارا استراتيجيا، لا مجرد ملف تجاري.
كما يحتاج إلى مراجعة بعض الجوانب العملية في اتفاقية التبادل الحر بما يضمن تشجيع الاستثمار المشترك، وليس فقط حركة السلع.
ومن الضروري أيضا تطوير البنية اللوجستية، وربط الموانئ وشبكات النقل، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير آليات تمويل للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الراغبة في الاستثمار المشترك.
ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز التعاون الجامعي والبحث العلمي والتكوين المهني، لأن الاقتصاد الجديد يقوم على المعرفة أكثر مما يقوم على المواد الأولية.
بين الجغرافيا والتاريخ
تمتلك تونس وتركيا ميزتين لا يمكن استنساخهما بسهولة.
الأولى هي الجغرافيا. فكلتاهما تقعان على الضفة الجنوبية للمتوسط، وتشكلان نقطة اتصال طبيعية بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
أما الثانية فهي التاريخ. فالعلاقات بين البلدين ليست وليدة العقود الأخيرة، وإنما تمتد لقرون، وهو ما يوفر رصيدا من المعرفة المتبادلة والثقة يمكن البناء عليه إذا توفرت الإرادة والرؤية.
لكن التاريخ، مهما كانت أهميته، لا يصنع المستقبل وحده. فالعالم الاقتصادي الجديد يكافئ الدول التي تنجح في الابتكار، وفي بناء التحالفات الإنتاجية، وفي اقتناص الفرص بسرعة.
من الشراكة التجارية إلى الشراكة الحضارية
لعل أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه تونس وتركيا هو أن تحصرا علاقتهما في أرقام الميزان التجاري.
فالاقتصاد المعاصر لم يعد يقاس فقط بحجم المبادلات، وإنما بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وخلق القيمة المضافة، والدخول إلى أسواق جديدة عبر شراكات مرنة.
ومن هنا، فإن مستقبل العلاقات بين البلدين لن يتحدد فقط في اجتماعات اللجان المشتركة أو في الاتفاقيات الرسمية، بل في عدد المشاريع الصناعية التي ستولد، وعدد المؤسسات الناشئة التي ستتعاون، وعدد فرص العمل التي ستخلق، وحجم التكنولوجيا التي ستنتقل بين الطرفين.
وإذا نجحت تونس وتركيا في تحقيق هذا التحول، فإنهما لن تكونا قد بنتا مجرد علاقة اقتصادية ثنائية، بل نموذجا متوسطيا جديدا للتعاون، يقوم على التكامل والإنتاج المشترك والانفتاح على إفريقيا باعتبارها فضاء النمو القادم.
ذلك هو التحدي الحقيقي… وتلك قد تكون أيضا الفرصة التاريخية.
خاتمة
انطلق هذا الملف من سؤال بسيط في صياغته، لكنه عميق في مضمونه: هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟
وخلال خمسة فصول، حاولنا تتبع مسار هذه العلاقة من جذورها التاريخية إلى رهاناتها المستقبلية.
رأينا كيف تطورت العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين، ولماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس. وتوقفنا عند اتفاقية التبادل الحر، بعيدا عن الأحكام المسبقة، لنناقش ما حققته وما أفرزته من اختلالات، وما الذي يحتاج إلى مراجعة حتى تصبح أداة للتكامل لا سببا للتجاذب.
ثم انتقلنا إلى المبادرات الجديدة، وفي مقدمتها إعادة تنشيط غرفة التجارة والصناعة التونسية التركية، باعتبارها محاولة لإعطاء العلاقات بعدا استثماريا يتجاوز منطق المبادلات التجارية التقليدية.
وفي الفصل الرابع، برزت خمسة قطاعات يمكن أن تشكل العمود الفقري لشراكة اقتصادية جديدة، تقوم على الصناعة والتكنولوجيا والطاقة والابتكار، قبل أن نصل في هذا الفصل الأخير إلى أفق أوسع، يتمثل في بناء شراكة ثلاثية تجعل من إفريقيا مجالا للتعاون المشترك، لا ساحة للتنافس.
ولعل أهم استنتاج يمكن الخروج به هو أن مستقبل العلاقات التونسية التركية لن يحسمه حجم الصادرات أو الواردات وحده، وإنما قدرة البلدين على الانتقال من منطق التجارة إلى منطق الإنتاج المشترك، ومن تبادل السلع إلى تبادل المعرفة، ومن المنافسة إلى التكامل.
ففي عالم يعيد رسم خرائطه الاقتصادية بوتيرة متسارعة، لن يكون النجاح من نصيب الدول التي تكتفي بحماية أسواقها، بل من نصيب تلك التي تعرف كيف تبني شراكات ذكية، وتنتج معا، وتنافس معا، وتفتح معا أسواق المستقبل.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من تجربة العلاقات التونسية التركية: فالتاريخ يمنح الفرصة، لكن المستقبل لا تصنعه إلا الرؤية، والإرادة، والعمل المشترك.
(انتهى)
ملفنا الأول
العلاقات التونسية – التركية
من إرث التاريخ إلى الشراكة الإنتاجية
هل تستطيع تونس وتركيا بناء نموذج جديد للتعاون الاقتصادي في ظل التحولات العالمية؟
الفصل الأول (تم النشر( https://shorturl.at/ad7NE
الخلفية التاريخية.
تطور العلاقات.
لماذا أصبحت تركيا شريكا مهما لتونس.
الفصل الثاني
اتفاقية التبادل الحر… بين الانتقادات التونسية والرهان على التكامل الصناعي (تم النشر) https://shorturl.at/l2y92
- لماذا ارتفع العجز التجاري؟
- هل الاتفاقية مسؤولة فعلا؟
- ماذا فعلت مصر؟
- ماذا فعل المغرب؟
- ماذا استفادت تركيا؟
- ماذا خسرت تونس؟
- وما الذي يجب مراجعته؟
الفصل الثالث
المبادرة الجديدة لغرفة التجارة والصناعة التونسية التركية (تم النشر) https://shorturl.at/tNp52
- لماذا أطلقت الآن؟
- ما علاقتها بالتحولات الاقتصادية العالمية؟
- هل يمكن أن تتحول إلى منصة للاستثمار؟
- ما المطلوب حتى لا تبقى مجرد إطار بروتوكولي؟
الفصل الرابع
خمسة قطاعات ستحدد مستقبل العلاقات (تم النشر) https://sl1nk.com/3flyrc7
- صناعة السيارات.
- مكونات الطائرات.
- الطاقات المتجددة.
- الصناعات الغذائية.
- الرقمنة والذكاء الاصطناعي.
الفصل الخامس (تم النشر أعلاه)
تونس وتركيا وأفق بناء شراكة ثلاثية مع إفريقيا، بدلا من الاكتفاء بالتبادل





