استقبلتنا بكين هذه المرة تحت سماء مضيئة، في موسم بدت فيه الأزهار وكأنها قررت اجتياح المدينة بأكملها. الورود المتلألئة بالألوان كانت تزين الشوارع الكبرى، تتسلق الحدائق وتظهر عند منعطف الأزقة بأناقة تكاد تكون خيالية. وكلما تقدمت بعثتنا الصحفية التونسية داخل العاصمة الصينية، كان هناك شعور يرافقنا باستمرار: شعور عبور حديقة هائلة مفتوحة على العالم.
هذه الزيارة الثانية الى بكين حملت طابعا خاصا. أولا لأنها أتاحت لنا إعادة اكتشاف مدينة لا تكشف أسرارها كاملة خلال زيارة أولى، وثانيا لأنها تزامنت مع زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى الصين، وهو الآخر كان يعود في زيارة ثانية ليجد قوة أصبحت أكثر ضخامة وحداثة وإثارة للإعجاب.
في شوارع بكين، ينظر اليك السكان غالبا بفضول قبل أن يمنحوك ابتسامة خفيفة لكنها صادقة. هذا اللطف الصامت يقول الكثير. فرغم المسافات واختلاف اللغات، يبقى هناك دائما ذلك الرابط غير المرئي بين البشر: الإنسانية. في أكثر من مرة، بادر بعض المارة بمساعدتنا بشكل عفوي، بينما اكتفى آخرون بتحية ودودة بنظراتهم. وربما يكون هذا أيضا الوجه الحقيقي لبكين: مدينة عملاقة لم تفقد روحها الإنسانية.
ومن نوافذ الحافلة التي كانت تقل وفدنا، كانت المدينة تمر أمامنا كلوحة متحركة ضخمة. ناطحات السحاب الحديثة تتجاور مع الأسطح التقليدية، والدراجات الكهربائية تنساب بهدوء بين السيارات، فيما تضفي الأشجار المصطفة بعناية نعومة غير متوقعة على هذه الحاضرة العملاقة.
قادنا برنامج الرحلة أولا الى المدينة المحرمة، القلب الإمبراطوري للصين القديمة. وما إن تعبر بواباتها الحمراء العملاقة حتى ينتابك إحساس غريب: كأنك دخلت بعدا آخر من الزمن. الساحات الواسعة المرصوفة، والقصور ذات الأسطح الذهبية، والهياكل الخشبية الضخمة تمنح المكان هيبة تكاد تكون غير واقعية.
ولقرون طويلة، كان هذا المكان محرما على عامة الشعب. فقد حكم منه أربعة وعشرون إمبراطورا من أسرتي مينغ وتشينغ الصين، داخل عالم تحكمه الطقوس والسلطة والصمت. وحتى اليوم، ورغم آلاف الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم، ما تزال المدينة المحرمة تحتفظ بشيء من الوقار المهيب. هناك تمشي تلقائيا ببطء أكبر، وكأن الحجارة نفسها تفرض الاحترام.
مرشدتنا الصينية كانت تروي بشغف الرموز الخفية في كل تفصيل معماري. فاللون الأصفر للأسطح يرمز الى الإمبراطور، والجدران الحمراء ترمز الى السعادة والازدهار، أما توجيه المباني فكان يخضع لفلسفة قديمة مرتبطة بالانسجام الكوني.
ثم جاءت لحظة الصعود الى تلة جينغشان. ومن الأعلى، تكشف بكين عن عظمتها كاملة. أمامنا بدت المدينة المحرمة كبحر من الأسطح الإمبراطورية الممتدة حتى الأفق، بينما كانت الأبراج الحديثة ترسم ملامح صين معاصرة تتطلع بثقة نحو المستقبل.
حولنا كان بعض السكان يغنون، وآخرون يمارسون تمارين تقليدية داخل الحدائق. مشهد اختصر وحده روح بكين: مدينة تحمي ذاكرتها بينما تمضي بثبات نحو المستقبل.
على خطى الأباطرة وتنانين الحجر
في اليوم التالي، توجه وفدنا نحو أحد أقوى رموز الحضارة الصينية: سور الصين العظيم.
حتى وإن شاهدته مئات المرات في الصور، فلا شيء يهيئك فعلا لرهبة اكتشافه. يظهر السور فجأة بين الجبال كتنين حجري ضخم ممدد فوق القمم. وكانت الرياح قوية ذلك اليوم، وكل درجة نصعدها كانت تقربنا أكثر من دوار التاريخ.
وأثناء السير فوق الحجارة القديمة، يدرك الإنسان فجأة حجم العبقرية البشرية التي سمحت ببناء هذا الصرح الهائل. فهذا الجدار لم يكن مجرد نظام دفاعي، بل كان أيضا تجسيدا لإرادة إمبراطورية أرادت حماية هويتها وأرضها.
أبراج المراقبة كانت تتوالى في الأفق وسط مشهد يكاد يكون خياليا. بعض أفراد الوفد توقفوا لالتقاط صور الجبال المغطاة بضباب خفيف، بينما اختار آخرون لحظات صمت للتأمل فقط في عظمة المكان.
سور الصين العظيم يمنحك الإحساس بأنك أمام شيء يتجاوز مجرد الهندسة المعمارية. إنه يبدو كذاكرة حية، كندبة مهيبة تعبر التضاريس الصينية منذ قرون.
لاحقا، قادنا البرنامج الى معبد السماء، الذي كان دون شك أحد أكثر الأماكن تأثيرا خلال هذه الرحلة.
وقد اكتسبت هذه الزيارة طابعا خاصا لأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان موجودا في بكين في اليوم نفسه. وكانت الإجراءات الأمنية واضحة حول الموقع، لكن دون أي توتر ظاهر. فالمدينة بدت وكأنها تدير هذا الحضور الدبلوماسي بهدوئها المنهجي المعتاد.
معبد السماء يقدم تجربة مختلفة تماما عن المدينة المحرمة. هنا تتراجع السلطة الإمبراطورية أمام الروحانية والتأمل. المباني الدائرية ذات الأسطح الزرقاء تبدو وكأنها تتحاور مع السماء، فيما تغلف الحدائق الواسعة الزائر بأجواء تكاد تكون تأملية.
وكانت مرشدتنا تشرح أن الأباطرة كانوا يأتون الى هنا للصلاة من أجل محاصيل جيدة وازدهار المملكة. فكل شيء في هندسة المكان يرمز الى التوازن بين السماء والأرض، بين الإنسان والكون.
السير في ممرات معبد السماء يمنح شعورا غريبا بالسكينة. الأشجار المعمرة ترشح الضوء، والحجارة القديمة تحتفظ ببرودة الزمن، والزوار يبدون وكأنهم يبطئون خطواتهم بشكل تلقائي.
بين الحداثة الصينية ومتعة الحياة الشعبية
لكن بكين لا تختصر في معالمها التاريخية فقط. فالمدينة تكشف أيضا عن وجه أكثر شعبية وحيوية، وأحيانا أكثر مفاجأة.
بعد الزيارات الرسمية، منح وفدنا الصحفي التونسي نفسه لحظة أخف: جولة تسوق داخل هذا المركز التجاري الشعبي الشهير الذي يحب التونسيون تسميته “اللؤلؤة”، والموجود غير بعيد عن معبد السماء.
وما إن دخلنا المركز حتى تغيرت الأجواء بالكامل. الممرات المزدحمة، والمتاجر الممتدة على عدة طوابق، واللافتات المضيئة، والباعة الذين يحاولون جذب الزوار بلغات مختلفة… كل شيء كان ينبض بطاقة مرحة وفوضوية في آن واحد.
وسرعان ما استعاد الجميع غريزة المسافر التونسي الباحث عن الصفقات الجيدة. بعضهم كان يبحث عن الأجهزة الإلكترونية، وآخرون عن الملابس أو الحقائب أو الهدايا لأقاربهم. وبالطبع بدأت مفاوضات الأسعار بسرعة وسط أجواء مليئة بالضحك وروح الرفقة.
هذا المركز التجاري الشعبي يروي هو الآخر شيئا عن الصين الحديثة: مجتمع ديناميكي متجه نحو الاستهلاك، لكنه ما يزال متمسكا بالتبادل الإنساني والتجارة المباشرة.
وهذا التناقض بين المعابد الصامتة صباحا وصخب الأسواق مساء يلخص تماما روح بكين. هنا لا يتصارع الماضي والحاضر، بل يتعايشان بشكل طبيعي.
وقادتنا الرحلة أيضا الى عدد من اللقاءات الأكاديمية والثقافية المؤثرة. ففي إحدى الجامعات المتخصصة في الدراسات العربية، التقينا طلبة صينيين شغوفين باللغة والثقافة العربيتين.
وكانت اللحظة الأكثر تأثيرا عندما صعد عدد من الطلبة الى المسرح لإلقاء قصائد عربية بلفظ دقيق بشكل مدهش. بعضهم تحدث عن تونس، وآخرون تغنوا بجمال اللغة العربية بصدق مؤثر.
هذه اللحظات تذكرنا بأن وراء صورة القوة الاقتصادية التي تعكسها الصين، توجد أيضا مجتمعات فضولية تجاه العالم، متعطشة للحوار الثقافي ومرتبطة بعمق بالمعرفة.
وفي كل مساء، كانت بعثتنا تعود الى الفندق لتبادل الانطباعات والصور والطرائف حول اكتشافات اليوم. ومن خلف النوافذ، كانت بكين تلمع بآلاف الأضواء، ضخمة وهادئة في الوقت نفسه.
لقد سمحت لي هذه الزيارة الثانية بفهم شيء أساسي: بكين لا تزور بالعين فقط، بل تشعر بها. فالمدينة تعلمك أن الحداثة لا معنى لها إن لم تعرف كيف تحافظ على ذاكرتها، وأن عظمة الحضارات لا تقاس فقط بقوتها الاقتصادية، بل أيضا بقدرتها على نقل تاريخها دون أن تحوله الى مجرد ماض جامد.
وعند مغادرة العاصمة الصينية، ظل هناك شعور يرافقني: شعور بأنني لا أغادر فعلا. فبكين تترك دائما الانطباع بأن جزءا منها يواصل السفر معك، حتى بعد العودة بوقت طويل.
منى بن قمرة





