وطنية
أخر الأخبار

من الفلسفة إلى التشريع… مقترح النائبة هدى الجلاصي يفتح نقاشًا وطنيًا حول رقمنة متابعة المشاريع العمومية

لوبوان تي ان 

في مداخلة لافتة خلال مناقشة مشروع مخطط التنمية 2026-2030 بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، قدمت النائبة هدى الجلاصي، ممثلة ولاية تونس، مقترحًا تشريعيًا اعتبره عدد من المتابعين من بين أكثر المقترحات العملية التي طُرحت في سياق مناقشة المخطط، وذلك من خلال الدعوة إلى إرساء نظام وطني رقمي لتنفيذ ومتابعة وتقييم المشاريع العمومية.

واختارت النائبة أن تفتتح مداخلتها بلغة فلسفية، معتبرة أن “الفرق بين الحلم والحقيقة هو التنفيذ”، قبل أن تنتقل إلى جوهر الإشكال، مؤكدة أن تونس لا تعاني من نقص في الخطط أو في الوثائق الاستراتيجية، بل من ضعف آليات التنفيذ والمتابعة.

وانتقدت الجلاصي الاكتفاء بالتقارير السنوية أو تقارير منتصف المدة لتقييم إنجاز المشاريع، متسائلة: كيف يمكن انتظار أشهر أو سنوات لاكتشاف تعثر مشروع كان بالإمكان إنقاذه في مراحله الأولى؟

من ثقافة التقارير إلى ثقافة النتائج

ويقترح مشروع القانون إنشاء منصة رقمية وطنية موحدة تُسجل فيها جميع المشاريع العمومية، مع تعيين مسؤول مباشر عن كل مشروع، وتحديد مؤشرات أداء واضحة منذ انطلاقه، وإجراء تقييم دوري كل ستة أشهر، إضافة إلى تصنيف المشاريع حسب مستوى الإنجاز والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

كما يدعو المقترح إلى توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في رصد التعثر المبكر، ودعم اتخاذ القرار، وتمكين السلطة التشريعية من تقارير مبنية على النتائج الفعلية، لا على الوعود أو نسب الإنفاق فقط.

طريقة ادارة المشاريع العمومية في تونس

بعيدًا عن الاختلافات السياسية، يطرح هذا المقترح سؤالًا جوهريًا حول طريقة إدارة المشاريع العمومية في تونس.

ففي الوقت الذي تتجه فيه العديد من الدول إلى اعتماد المنصات الرقمية ولوحات القيادة الذكية لمراقبة تنفيذ المشاريع لحظة بلحظة، ما تزال آليات المتابعة في كثير من الأحيان تعتمد على تقارير دورية تأتي بعد وقوع التعثر، لا قبله.

ومن هنا تبرز أهمية هذا المقترح، ليس باعتباره مجرد مبادرة تشريعية، بل باعتباره دعوة إلى تغيير فلسفة الحوكمة العمومية، والانتقال من إدارة تكتفي بتوثيق ما حدث، إلى إدارة تتدخل في الوقت المناسب لتصحيح المسار.

هل يتحول المقترح إلى مشروع وطني؟

يبقى السؤال المطروح اليوم: هل سيظل هذا المقترح مجرد مداخلة برلمانية ضمن محاضر الجلسات، أم سيكون منطلقًا لنقاش وطني حول تحديث منظومة متابعة المشاريع العمومية؟

فالمواطن، في النهاية، لا يقيس نجاح مخططات التنمية بعدد الصفحات التي كُتبت، ولا بعدد التقارير التي أُنجزت، بل بمدى انعكاس تلك المشاريع على حياته اليومية.

ولعل القيمة الحقيقية للمقترح الذي تقدمت به النائبة هدى الجلاصي تكمن في أنه يعيد طرح سؤال ظل يؤرق التونسيين لسنوات: كيف ننتقل من دولة تُعلن عن المشاريع… إلى دولة تُنجزها؟

بقلم شكري بن حسين

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى