أراء

رصاص على مائدة ترمب… محاولة اغتيال حقيقية أم “مسرحية سياسية” مدروسة؟

ترمب، السياسي الذي يتقن تحويل الرصاص إلى أصوات انتخابية، لن يترك الحادث يمر دون استثمار

 في أمريكا، قد تكون الرصاصة حقيقية… لكن الرواية التي تكتب بعدها غالبا تكون أخطر من الرصاصة نفسها

لوبوان- كتب سفيان رجب

في مشهد أعاد إلى الأذهان أكثر لحظات السياسة الأميركية توترا، تحوّل حفل عشاء جمعية مراسلي البيت الأبيض، مساء السبت، إلى ساحة فوضى بعد إطلاق نار قرب القاعة التي كان يوجد فيها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قبل أن تتدخل عناصر الخدمة السرية بسرعة وتخرجه رفقة كبار المسؤولين من المكان.

الحادثة، التي وقعت في فندق واشنطن هيلتون، ليست مجرد “خبر أمني” عابر، بل حدث سياسي بامتياز، خصوصا أن المكان نفسه شهد سنة 1981 محاولة اغتيال الرئيس الأميركي دونالد ريغن بعد خروجه من الفندق ذاته. هذا التشابه المكاني والرمزي فتح باب التأويلات على مصراعيه: هل نحن أمام تهديد أمني حقيقي؟ أم أمام حادثة الهدف منها الاستثمار سياسيا إلى أقصى الحدود؟

ماذا حدث بالضبط؟

بحسب المعطيات الأولية، فإن رجلا مسلحا ببندقية ومسدس وعدة سكاكين اقتحم بهو الفندق وحاول تجاوز نقطة تفتيش أمنية باتجاه القاعة الرئيسية، قبل أن يطلق النار ويشتبك مع عناصر الأمن. وقد تم توقيفه سريعا، فيما أصيب أحد عناصر الخدمة السرية إصابة غير قاتلة بفضل السترة الواقية. السلطات الأميركية قالت إن المشتبه به “ذئب منفرد”، وإن الدافع ما زال مجهولا.

لكن في أميركا، حيث تختلط السياسة بالإعلام وبنظرية المؤامرة، لا أحد يكتفي بالرواية الرسمية.

لماذا يثير الحادث الشكوك؟

هناك عدة عناصر تجعل البعض يتحدث عن “مسرحية سياسية” أو على الأقل عن “استثمار سياسي فوري” منها خاصة:

أولا: التوقيت السياسي المثالي لترمب حيث أن الرئيس الامريكي يعيش ضغوطا داخلية كبيرة، من انتقادات اقتصادية إلى ملفات خارجية معقدة، إضافة إلى تراجع نسبي في شعبيته لدى بعض المستقلين. وأي حادث أمني يستهدفه يعيد تعبئة قاعدته الشعبية تحت شعار: “الرئيس مستهدف لأنه يقاتل الدولة العميقة”. فترمب تاريخيا يجيد تحويل الأزمات إلى رأسمال سياسي. فبعد محاولات استهداف سابقة، ارتفعت شعبيته داخل المعسكر الجمهوري، وتحوّل من “رئيس مثير للجدل” إلى “رجل يواجه الأخطار”.

ثانيا: سرعة توظيف الحادث سياسيا، فبعد ساعات فقط من الحادث، بدأ ترمب وحلفاؤه الحديث عن ضرورة بناء قاعة احتفالات جديدة أكثر أمنا داخل البيت الأبيض، وهو مشروع كان يواجه انتقادات قانونية وسياسية. هذا الاستغلال السريع جعل خصومه يشككون في وجود “استثمار جاهز” للحادث.

ثالثا: رمزية المكان، وقوع الحادث في الفندق نفسه الذي شهد محاولة اغتيال ريغن ليس تفصيلا بسيطا. في السياسة الأميركية، الرمزية تصنع الرواية. المقارنة بين ترمب وريغن تخدم خطاب الجمهوريين الذين يسعون إلى تقديم ترمب كوريث للزعامة المحافظة التاريخية.

هل يمكن أن تكون “مسرحية” فعلا؟

من الناحية العملية، من الصعب جدا افتراض أن حادثا بهذا الحجم تم “تأليفه وإخراجه” بالكامل من داخل الدولة، لعدة أسباب منها:

  • وجود مئات الصحفيين والكاميرات.
  • إصابة عنصر أمني فعلا.
  • توقيف مشتبه به معروف الهوية.
  • تدخل أجهزة متعددة: الخدمة السرية، FBI، شرطة واشنطن.

وهذا يجعل فرضية “الفبركة الكاملة” ضعيفة. لكن هناك فرق بين صناعة الحادث واستثماره. فالأرجح، وفق منطق السياسة الأمريكية، أن الحادث حقيقي، لكن تم توظيفه بسرعة في معركة الرأي العام، كما يحدث غالبا بعد أي أزمة أمنية.

من المستفيد؟

في السياسة، السؤال الأهم ليس “من فعلها؟” بل “من المستفيد؟”

ترمب داخليا:

  • استعادة صورة “الرئيس المستهدف”.
  • حشد القاعدة الجمهورية.
  • تحويل الأنظار عن ملفات داخلية.
  • الضغط لتمرير مشاريع أمنية.

 

ترمب خارجيا:

الحادث قد يمنحه مبررا لتشديد خطاب “القوة” خارجيا، خصوصا في ملفات مثل الشرق الأوسط، الصين، والهجرة. رئيس “تعرّض لمحاولة اغتيال” يصبح أكثر قدرة على تبرير سياسات أمنية أو عسكرية متشددة.

أمريكا… بلد الاغتيالات السياسية

من الواضح ان الحادث يعيد طرح سؤال أعمق: لماذا تتكرر هذه المشاهد في الولايات المتحدة؟ من  جون كينيدي إلى ريغن، ومن الهجوم على الكونغرس إلى استهداف شخصيات سياسية، تعيش أمريكا استقطابا حادا وعنفا مجتمعيا متصاعدا، تغذيه سهولة امتلاك السلاح؛ خطاب الكراهية السياسي؛ الانقسام الإعلامي؛ صعود الجماعات المتطرفة…

وعموما، حتى الآن، لا توجد أدلة ملموسة على أن حادث إطلاق النار “مسرحية” مدبرة من ترمب أو فريقه. المعطيات المتوفرة تشير إلى حادث أمني حقيقي نفذه شخص مسلح، ربما بدافع فردي أو سياسي لم يكشف بعد.

لكن المؤكد أن ترمب، السياسي الذي يتقن تحويل الرصاص إلى أصوات انتخابية، لن يترك الحادث يمر دون استثمار. ففي أمريكا، قد تكون الرصاصة حقيقية… لكن الرواية التي تكتب بعدها غالبا تكون أخطر من الرصاصة نفسها ويكون لها الوقع داخليا وخارجيا على مدى سنين…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى