أراء

بين مطرقة واشنطن وهدوء بكين: لماذا تبدو زيارة ترامب إلى الصين معركة خاسرة في الملف الإيراني؟

في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الأمريكية إعادة ترتيب توازناتها الدولية واحتواء التمدد الصيني المتسارع، تأتي زيار ترامب إلى الصين في لحظة جيوسياسية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب على إيران مع الصراع العالمي على الاقتصاد والطاقة والنفوذ.
في الظاهر، تبدو الزيارة وكأنها محاولة دبلوماسية لتخفيف التوتر وفتح قنوات تفاهم بين واشنطن وبكين، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن احتمال مواجهة أوسع في الشرق الأوسط. لكن في العمق، تبدو الزيارة أقرب إلى محاولة أمريكية لكسب الحياد الصيني، أو على الأقل دفع بكين إلى تخفيف دعمها الاستراتيجي لإيران. رغم ان ترامب مصر انه لن يتحدث علي ايران بل علي اقتصاد …
غير أنّ المعطيات السياسية والاقتصادية الحالية تشير إلى أنّ هذا الهدف يبدو شبه مستحيل.
فالصين لم تعد تنظر إلى إيران باعتبارها مجرد شريك تجاري عادي، بل باعتبارها جزءاً من منظومة النفوذ التي تعمل على بنائها في مواجهة الهيمنة الأمريكية. وخلال السنوات الأخيرة، تحولت العلاقة بين بكين وطهران إلى تحالف اقتصادي وتكنولوجي واستراتيجي متدرج، فرضته التحولات الدولية والعقوبات الغربية والتوترات في أسواق الطاقة.
اليوم، تُعتبر الصين الشريان الاقتصادي الأهم لإيران.
فبكين تستورد ما بين 1.3 و1.5 مليون برميل نفط إيراني يومياً، أي ما يعادل قرابة 90% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية. وتُقدّر قيمة هذه الواردات النفطية بأكثر من 30 إلى 35 مليار دولار سنوياً، رغم العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين وإيران أكثر من 40 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، لتصبح بكين الشريك التجاري الأول لطهران بلا منازع. وفي المقابل، أصبحت إيران واحدة من أهم المزودين الطاقيين للصين في منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في ظل حاجة الاقتصاد الصيني الضخم إلى تدفق مستقر للطاقة.
لكن العلاقة لا تتوقف عند النفط فقط.
فالصين أصبحت أيضاً داعماً تكنولوجياً متزايداً لإيران، خصوصاً في مجالات الاتصالات، والرقابة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الإلكترونية. وتشير تقارير دولية إلى وجود تعاون متنامٍ في مجالات الصناعات الدفاعية والتقنيات العسكرية، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكات تكنولوجية وتجارية معقدة.
وفي سنة 2021، وقّعت بكين وطهران اتفاق تعاون استراتيجي يمتد لـ25 عاماً، بقيمة استثمارات قد تصل إلى 400 مليار دولار، تشمل مشاريع ضخمة في الطاقة، والسكك الحديدية، والموانئ، والاتصالات، والمناطق الصناعية. ويُنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره أحد أكبر التحالفات الاقتصادية التي بنتها الصين في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
ومن هنا، تدرك واشنطن أنّ بكين لا تدافع عن إيران بدافع أيديولوجي، بل لأنّ إيران تمثل بالنسبة للصين:
* مصدراً طاقياً حيوياً،
* وموقعاً استراتيجياً داخل مشروع “الحزام والطريق”،
* وحاجزاً جيوسياسياً يحدّ من الهيمنة الأمريكية الكاملة على الشرق الأوسط.
كما أنّ الصين تعلم جيداً أنّ خسارة إيران ستعني عملياً توسع النفوذ الأمريكي في منطقة تتحكم بأكثر من 30% من صادرات النفط العالمية، وبأحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز الذي يمر عبره يومياً ما يقارب 20 مليون برميل نفط.
وتزداد هذه الحسابات حساسية بعد التحولات التي شهدتها فنزويلا خلال السنوات الماضية، حيث خسرت الصين مليارات الدولارات من الاستثمارات والقروض النفطية نتيجة العقوبات والأزمات السياسية والانهيار الاقتصادي. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أنّ بكين منحت فنزويلا ما يفوق 60 مليار دولار من القروض والاستثمارات منذ بداية الألفية، ما جعلها تدرك خطورة فقدان شركاء الطاقة الاستراتيجيين تحت الضغط الأمريكي.
في المقابل، تدخل واشنطن هذه المواجهة وهي تدرك أنّ العالم تغيّر.
فالولايات المتحدة ما تزال القوة العسكرية الأولى عالمياً، بميزانية دفاع تجاوزت 900 مليار دولار سنوياً، وتمتلك ما يقارب 750 إلى 800 قاعدة ومنصة عسكرية حول العالم، مقابل قاعدة عسكرية رئيسية واحدة للصين في جيبوتي وعدد محدود من المنشآت اللوجستية الخارجية.
لكنّ الصين لم تعد تنافس أمريكا عبر الجيوش فقط، بل عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات العملاقة.
فالناتج المحلي الصيني تجاوز 18 تريليون دولار، بينما أصبحت الصين أكبر قوة تصديرية في العالم، وأكبر شريك تجاري لأكثر من 120 دولة.
وهنا يكمن جوهر الصراع الحقيقي:
أمريكا تدير العالم بمنطق القوة العسكرية والتحالفات الأمنية، بينما تحاول الصين إعادة تشكيله بمنطق الأسواق والبنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
ورغم الحرب التجارية العنيفة بين الطرفين، فإنّ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين ما يزال يتجاوز 500 مليار دولار سنوياً، ما يكشف حجم الترابط المعقد بين الاقتصادين رغم التوترات السياسية.
ولهذا، فإنّ أيّ محاولة أمريكية لفصل الصين عن إيران تبدو أقرب إلى الرغبة السياسية منها إلى الواقعية الجيوسياسية. فبكين تدرك أنّ واشنطن لا تستهدف فقط البرنامج النووي الإيراني، بل تسعى أيضاً إلى تفكيك أي محور اقتصادي أو استراتيجي يمكن أن يدعم صعود الصين عالمياً.
كما أنّ الصين تدرك أنّ العقوبات على إيران ليست مجرد أدوات ضغط، بل جزء من معركة أوسع تتحكم فيها الولايات المتحدة بالنظام المالي العالمي والدولار وأسواق الطاقة.
ومن هنا، يبدو أنّ زيارة ترامب إلى الصين تحمل في ظاهرها لغة الحوار، لكنها في العمق محاولة لاحتواء النفوذ الصيني عبر البوابة الإيرانية. غير أنّ بكين، التي أصبحت أكثر ثقة بقوتها الاقتصادية والدبلوماسية، لن تتراجع بسهولة عن شريك استثمرت فيه لعقود.
بل إنّ الصين تحاول استغلال هذه الأزمة لتقديم نفسها أمام العالم كقوة عقلانية تدعو إلى التهدئة والحلول السلمية، في مقابل صورة أمريكية ما تزال مرتبطة بالعقوبات والتهديدات العسكرية ولغة “مطرقة الحديد”.
لقد أصبح واضحاً أنّ الحرب على إيران لم تعد مجرد ملف أمني أو نزاع إقليمي، بل تحوّلت إلى نقطة تقاطع بين الطاقة والعقوبات والتكنولوجيا والنفوذ العالمي.
وما يجري اليوم يكشف أنّ العالم دخل مرحلة جديدة تُدار فيها الصراعات عبر الاقتصاد بقدر ما تُدار عبر الجيوش، وأنّ المعركة الحقيقية لم تعد فقط حول إيران، بل حول من سيملك القدرة على قيادة النظام الدولي القادم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى