في ضوء المستجدات المتسارعة في الشرق الأوسط، برزت مصر مجددا بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي كأحد أهم الفاعلين الإقليميين في إدارة أزمات المنطقة، ولا سيما في الملفين الفلسطيني واللبناني. وبعد سنوات بدت فيها أدوار إقليمية أخرى أكثر حضورا، تشير التطورات الأخيرة إلى أن القاهرة استعادت جزءا مهما من ثقلها الدبلوماسي، مستفيدة من وزنها الدولي وموقعها الجغرافي، وعلاقاتها الاقليمية، وقدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف المتصارعة.
عودة القاهرة إلى مركز الوساطة الإقليمية
لم يكن الدور المصري غائبا بالكامل خلال السنوات الماضية، إلا أن تطورات الحرب في غزة واتساع دائرة التوتر الإقليمي أعادت وضع القاهرة في قلب المعادلة. فمصر أصبحت اليوم إحدى الدول القليلة القادرة على التواصل مع السلطة الفلسطينية وحركة حماس وإسرائيل والولايات المتحدة والدول العربية في الوقت نفسه، وهو ما جعلها طرفًا لا غنى عنه في أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص غزة. وتشير التقارير الأخيرة إلى استمرار استضافة القاهرة لجولات تفاوضية مكثفة بين الوسطاء والأطراف الفلسطينية بهدف الحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار ومنع انهيارها.
وتؤكد المعطيات الميدانية أن مصر ما زالت تتحمل العبء الأكبر في إدارة الملف الإنساني المرتبط بقطاع غزة، سواء من خلال إدخال المساعدات أو عبر الدفع نحو خطط إعادة الإعمار ومنع سيناريوهات التهجير الجماعي التي تعتبرها القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي.
السيسي والملف الفلسطيني: من الوساطة إلى صناعة التوازنات
التحول الأبرز لا يتمثل فقط في استمرار الوساطة المصرية، بل في انتقال القاهرة إلى مستوى أعمق من التأثير السياسي. فالرئيس السيسي يقدم نفسه اليوم كضامن للاستقرار الإقليمي في مواجهة مشاريع إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة.
ومع تصاعد المخاوف من انهيار الهدن الهشة في غزة واستمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، كثفت مصر تحركاتها الدبلوماسية لإنقاذ مسارات التفاوض. وخلال الأسابيع الأخيرة استضافت القاهرة لقاءات ومشاورات جديدة مع الوسطاء الإقليميين والدوليين، بينما واصلت الضغط من أجل تثبيت وقف إطلاق النار وإطلاق مرحلة إعادة الإعمار.
ويبدو أن القاهرة تدرك أن مستقبل القضية الفلسطينية لن يقتصر على الجانب الإنساني أو الأمني فقط، بل يتعلق أيضا بشكل النظام الإقليمي العربي في مرحلة ما بعد الحرب. لذلك تسعى مصر إلى منع تهميش الدور العربي في أي تسوية مستقبلية، وإبقاء الملف الفلسطيني ضمن إطار عربي جماعي بدل تحوله إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي مفتوح.
لبنان: عودة مصرية عبر بوابة الاستقرار والسيادة
في الملف اللبناني، تبدو القاهرة أكثر حضورا مما كانت عليه خلال العقد الماضي. فقد شهدت الأشهر الأخيرة اتصالات مكثفة بين الرئيس السيسي والرئيس اللبناني جوزيف عون، ركزت على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية والحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق لبنان إلى حرب شاملة.
وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه الجنوب اللبناني تصعيدا عسكريا متواصلا بين إسرائيل وحزب الله، رغم الجهود الدولية الرامية إلى تثبيت التهدئة. وتشير التطورات الأخيرة إلى استمرار الاشتباكات والغارات العسكرية، ما يهدد بتوسيع نطاق المواجهة ويفرض الحاجة إلى وساطات إقليمية فعالة.
ومن هذا المنطلق، تحاول مصر تقديم نفسها كدولة عربية قادرة على دعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، بعيدا عن الاستقطابات الحادة التي طبعت المشهد اللبناني خلال السنوات الماضية. كما تسعى القاهرة إلى تعزيز دور الجيش اللبناني والمؤسسات الرسمية باعتبارها الضمانة الأساسية لاستقرار البلاد.
لماذا يعود الدور المصري الآن؟
هناك عدة عوامل تفسر عودة مصر للمسك ببعض الملفات الإقليمية منها:
أولا، تراجع قدرة بعض القوى الإقليمية على إدارة الأزمات المتعددة التي تشهدها المنطقة في وقت واحد.
ثانيا، امتلاك مصر شبكة علاقات متوازنة مع القوى الدولية والعربية، ما يمنحها هامش حركة دبلوماسية أوسع مقارنة بفاعلين آخرين.
ثالثا، إدراك القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة والدول الأوروبية، أن أي تسوية مستدامة في غزة أو لبنان يصعب أن تنجح دون مشاركة مصرية مباشرة.
رابعا، ارتباط أمن مصر القومي بشكل مباشر بالتطورات في غزة وشرق المتوسط ولبنان، ما يجعل انخراطها ليس خيارًا سياسيًا فقط بل ضرورة استراتيجية.
حدود النفوذ المصري
ورغم هذه العودة اللافتة، فإن الدور المصري يواجه تحديات حقيقية. فالقاهرة لا تملك وحدها القدرة على فرض التسويات، كما أن تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين يجعل أي نجاح مرتبطا بتوافقات أوسع. كذلك فإن استمرار الحرب في غزة والتوتر على الجبهة اللبنانية يضعان حدودا واضحة لأي جهد دبلوماسي منفرد.
إضافة إلى ذلك، فإن المشهد الإقليمي يشهد تحولات عميقة مرتبطة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية والتنافس على ترتيبات الأمن الإقليمي، وهي ملفات تؤثر مباشرة في قدرة القاهرة على تحويل نفوذها الدبلوماسي إلى نتائج سياسية ملموسة.
الواضح أن التطورات الأخيرة تكشف أن مصر استعادت موقعها كأحد الأعمدة الرئيسية في إدارة أزمات الشرق الأوسط. وفي الملفين الفلسطيني واللبناني تحديدا، عاد الرئيس السيسي إلى الواجهة باعتباره وسيطا وضامنا للاستقرار وشريكا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. وبينما لا تزال نتائج هذه التحركات رهينة تطورات الميدان والتوازنات الدولية، فإن المؤكد أن القاهرة نجحت في إعادة تثبيت نفسها كلاعب إقليمي مركزي بعد سنوات من التراجع النسبي، مستفيدة من الفراغات التي أفرزتها الأزمات المتلاحقة ومن الحاجة الدولية المتزايدة إلى وسيط يمتلك قنوات اتصال مع جميع الأطراف وله سجل وتاريخ مشرف في إدارة الازمات والحد من التوترات وقيادة المنطقة الى بر الأمان وسط هزات وتوترات وحروب ضربت تقريبا كل رقعة من الشرق الاوسط.






