حامد بن إبراهيم استشاري علاقات دولية واستشراف 
صدرت لي مؤخرا، مقالة (أقرب الى الخاطرة) على موقع «www.lepointtn.com» بعنوان: «غزة ولبنان: قراءة في اللاقراءات»، وتضمنت تشخيصاً، مقتضبا، لما أسميته «اللاقراءة». محور الفكرة، تمثّل في القول إن المشكلة ليست اختلاف المواقف السياسية، أو تباين الاجتهادات الفكرية بشأن ما يجري في غزة ولبنان، وإنما في تجاهل كُتّاب الافتتاحيات ومقالات الرأي للأحداث وتجنبها، أو ظهور خطابات تتجاهل المعطيات الميدانية، أو تعيد تأويلها بصورة تجعلها منسجمة مع انحيازات أيديولوجية سابقة.
ولعل من المفيد، التمييز بين مستويات متعددة من «اللاقراءة»، حتى لا يبدو المفهوم فضفاضاً، أو شاملاً لكل أشكال الاختلاف. اللاقراءة، قد تأخذ شكل التجاهل التام للظاهرة وبالتالي تجنُّب تناول الوقائع التي لا تنسجم مع قناعة مسبقة؛ وقد تظهر في صورة انتقائية معرفية، تقتصر على استحضار جزء من المعطيات وإهمال غيره؛ كما قد تتجلى في إعادة تأويل الأحداث، تأويلاً يجعلها منسجمة مع سردية جاهزة، مهما كانت نتائجها الفعلية. وفي جميع هذه الحالات، لا يكون الإشكال في نقص المعلومات، بل في طريقة التعامل معها (او عدم التعامل أصلا)، وآليات إدماجها داخل منظومة الاعتقاد القائمة.
وتفاعلا مع المقال، كتب لي صديق أنّ: «من بين الإجابات الممكنة هناك مفهوم “ما بعد الحقيقة” Post truth الذي ظهر ليشير الى أنّ الواقع والحقائق على الأرض، لم تعد هي المعيار الذي يميّز بين “الحق “و “الباطل“…». وبقراءة التّفاعل، أدركت أن فكرة «اللاقراءة» تستحق التعمق، مع ربطٍ تحليليّ بمفهوم «ما بعد الحقيقة». كما استوقفني استعمال « “الحق ” و “الباطل”»، وتذكرت كتاب العقّاد: «عبقرية الإمام علي»، الذي يشدّ انتباه القارئ في تناوله لمقاربة الامام لمفهوم الحق، وللعلاقة بين السياسة والأخلاق.
وقبل الدخول في موضوع المقال، يمكن القول إن الإمام علي (ع) في تأكيده، على مكانة الحق قال: «اعرف الحق تعرف أهله»، مبينًا أن معيار الحكم على الناس والأفكار، ينبغي أن يكون الحق نفسه، لا الأشخاص أو المكانة. وعن صعوبة الالتزام بالحق، قال: «الحق أوسع الأشياء في التّواصف وأضيقها في التناصف»، أي أن الناس يُكثرون من الحديث عن الحق وتمجيده، لكنهم قد يجدون مشقة في إنصاف الآخرين به. وتكتمل رؤيته، في قوله: «لا تستوحشوا في طريق الهدى/الحق لقلة أهله»، حيث يدعو إلى الثبات على الحق، مع قِلّة من يؤيده. وتُبرز هذه الأقوال، أنّ الحق قيمةٌ مستقلة عن الأهواء والأشخاص، وأن التمسك به يحتاج العدل والشجاعة.
وقد يبدو استحضار بعض أقوال الإمام علي، انتقالاً تعسّفيّا من فضاء الفلسفة السياسية الى فضاء التراث، غير أن الجامع بينهما هو السؤال ذاته: كيف يمكن للإنسان أن يهتدي إلى الحق وسط تضارب الآراء والانتماءات؟ فالمسألة التي يثيرها مفهوم «ما بعد الحقيقة» اليوم، وإن صِيغت بلغة الابستمولوجيا السّياسيّة الحديثة، تتقاطع مع إشكالٍ قديم يتعلق بالعلاقة بين الحقيقة والهوى، وبين معيار الحكم على الوقائع، وعلى الأشخاص. ومن هذه الزاوية، تُمثّل الأقوال مساهمة مبكرة في التفكير في استقلال الحقيقة عن الانتماءات والهُويّات، وليست مجرد مواعظ أخلاقية، قد يستهجنها النقاش المعرفي الراهن.
وبالتركيز على فكرة «ما بعد الحقيقة» ، كأحد المفاهيم التي برزت في الفكر السياسي المعاصر، تبدو الترجمة الألمانية « Postfaktisch» أكثر دقة من نظيرتها الإنجليزية. الصيغة الألمانيّة، تُحيل بترجمتها الى العربيّة إلى معنى: «ما بعد وَقَائِعِي» أو «ما بعد المُعطى». فالإشكال هنا، ليس تجاوز الحقيقة بمعناها الفلسفي، بل تجاوز الوقائع والمعطيات الموضوعية نفسها، لصالح الانفعالات والانتماءات والسرديات المسبّقة.
ويعود أول ظهور للمصطلح إلى سنة 1992، عندما استخدمه الكاتب الأمريكي، ستيف تيسيتش، لوصف حالةٍ «يصبح فيها المواطنون مستعدين للتخلي طوعاً عن الوقائع المزعجة، مقابل روايات أكثر راحة وانسجاماً مع تصوراتهم المسبقة». واكتسب المفهوم، شهرة عقب البريكست سنة 2016، عندها بدا جانب مهم من النقاش العام محكوماً بالمخاوف والانطباعات، وبعيدا عن المعطيات الاقتصادية والسياسية الواجب تدارسها بموضوعيّة.
وتتجلى حالة «ما بعد المعطى»، حسب محاولات الصّقل الأكاديمي للمفهوم، في ثلاثة ملامح: أولها، مركزية الانفعال تجاه الوقائع، حيث يصبح ما يشعر به الفرد أكثر تأثيراً من الأدلة المتاحة. وثانيها، الانتقائية المعرفية، أي قبول المعلومات المنسجمة مع القناعة المسبقة، ورفض ما يناقضها. أما ثالثها، فهو بناء واقع موازٍ يعمق الاستقطاب، بسبب سرديات متماسكة ظاهرياً، لكنها منفصلة عن المعطيات الفعلية.
هذه العناصر الثلاثة، تكاد تكون حاضرة بصورة واضحة في ما وُصف في المقال بـ«اللاقراءة»، المرتبطة بغزة ولبنان. فبدلاً من الانطلاق من الأحداث، يجري أحياناً تطويع الأحداث لتخدم مواقف جاهزة، فيتحول الواقع إلى مادة خام لإعادة إنتاج القناعة السابقة.
وهنا، تتجلى آليات ما يعرف في علم النفس المعرفي بـ«التنافر المعرفي»، أي ذلك التوتر الذي ينشأ عندما تصطدم الوقائع بمعتقدات راسخة. وللتخلص من هذا التوتر، قد يلجأ الفرد إلى إنكار الوقائع، أو التقليل من أهميتها، أو إعادة تأويلها بما يحفظ انسجام منظومته الفكرية.
ومن ثم، فإن «اللاقراءة» ليست مجرد قصور في الاطلاع، بل هي في كثير من الأحيان آلية دفاعية لحماية التصورات المسبقة من الاختبار النقدي. ولهذا السبب، تتحول بعض النقاشات المتعلقة بغزة ولبنان، إلى سجالات تدور حول سرديات مغلقة، أكثر مما تدور حول وقائع قابلة للفحص والمراجعة.
وقد وفرت البيئة الرقمية المعاصرة، شروطاً مثالية لازدهار هذا النمط من الوعي. فخوارزميات المنصات الاجتماعية، تعزز ما يعرف بفقاعات المعلومات، حيث يتعرض الأفراد باستمرار للمضامين التي تؤكد قناعاتهم وتستبعد ما يخالفها. ومع مرور الوقت، يتحول الرأي إلى يقين، والانطباع إلى حقيقة بديلة، والسردية إلى كُلٍّ منغلق؛ لا يحتاج إلى اختبار خارجي.
ومن المفارقات، أن صعود ظاهرة «ما بعد المعطى»، كان أحد الأسباب الرئيسية وراء انتشار ما يعرف اليوم بمنصات التحقق من الوقائع (Fact-Checking) . ونشأت هذه المبادرات، استجابة لتزايد الأخبار المضللة أو غير الدقيقة، بهدف إعادة الاعتبار للوقائع القابلة للتحقق.
ويمكن القول، إن ثقافة التحقق من الوقائع هي، في جانب منها، رد فعل مباشر على انهيار الثقة في المعطيات الموضوعية، الذي رافق صعود عصر «ما بعد المعطى».
غير أن، إعادة الاعتبار للوقائع لا تخلو من تعقيد، فمع مرور الوقت لم يعد الجدل يدور فقط حول الوقائع ذاتها، بل حول الجهة التي تمتلك سلطة تعريف ما يعدّ «واقِعةً»، وما يعدّ «تضليلاً». وهنا، تكتسب أعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو أهمية خاصة. فقد بيّن فوكو، أن المجتمعات لا تنتج الحقائق بمعزل عن علاقات القوة، بل داخل ما سماه «أنظمة الحقيقة»، أي المنظومات المؤسّسية والثقافية والسياسية، التي تمنح بعض الخطابات صفة الشرعية، وتحجبها عن غيرها.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح، في التجربة السياسية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة. فقد جعل دونالد ترامب من عبارة «Fake News» سلاحاً سياسياً دائماً، مستخدماً إياها لوصف وسائل الإعلام والتقارير والبيانات التي تناقض روايته للأحداث. والمفارقة، أن هذا السلوك يجسّد أحد أكثر أشكال «ما بعد المعطى» وضوحاً؛ فبدلاً من مناقشة الوقائع أو دحضها بالحجج، يجري الطعن في شرعيتها من الأصل. وهكذا، ينتقل الصراع من مستوى تفسير الوقائع، إلى مستوى تحديد ما إذا كانت الوقائع نفسها تستحق الاعتراف. وفي هذا السّياق، تبرز نزعة يمكن وصفها بـ«الاحتكار السّلطوي للحقيقة»، حيث تسعى السلطة السياسية أو الزعيم الكاريزمي إلى تقديم روايته باعتبارها المصدر الوحيد الموثوق للحقيقة، بينما توصف جميع الروايات المنافسة بأنها زائفة أو منحازة.
ولا بد من التنبيه، إلى أن الدعوة إلى الانطلاق من الوقائع، لا تعني افتراض أن الوقائع تكون دائماً واضحة أو متاحة بصورة شفافة، خاصة في سياقات الحروب والنزاعات المسلحة. ففي حالات مثل غزة ولبنان، تتعدد مصادر المعلومات وتتضارب الروايات، وتشتغل مختلف الأطراف على إنتاج سردياتها الخاصة، وتوجيه الرأي العام نحو تأويلات معينة للأحداث. غير أن هذا التعقيد، لا يلغي قيمة المعطيات، بل يزيد الحاجة إلى التحقق والمقارنة والنقد المنهجي للمصادر. فالفارق يبقى قائماً، بين من يجتهد في فحص الوقائع المتنازع عليها، ومن يحسم موقفه مسبقاً، ثم ينتقي من المعطيات ما يؤيده ويهمل ما سواه.
وتبرز الإشكالية ذاتها، في التعامل مع ما يسمى «نظريّات المؤامرة». فمن الناحية المنهجية، لا يمكن اعتبار كل تفسير بديل للأحداث مجرد نظرية مؤامرة، كما لا يمكن قبول كل ادعاء غير مدعوم بالأدلة. ولذلك، لا ينبغي أن يكون معيار الحكم هو مدى توافق الفكرة مع الرأي السائد، بل مقدار ما تستند إليه من قرائن وأدلة قابلة للفحص والنقد.
في ضوء ما سبق، يمكن قراءة ما جاء مقتضبا في المقال حول «اللاقراءة»، بوصفه تنبيهاً إلى أزمة معرفية، تتجاوز حدود غزة ولبنان. فالقضية، ليست مجرد خلاف سياسي حول حدث معين، بل تتعلق بالطريقة التي نتعامل بها مع الوقائع ذاتها. وبين القراءة التي تنطلق من المعطيات لفهمها، واللّاقراءة التي تتجاهل الحدث، أو تعيد تشكيل المعطيات وفق الأهواء والانتماءات، يتحدد شكل الوعي، الذي سيقود المجتمعات في مواجهة تحدياتها المقبلة.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو بعض المواقف المتداولة إزاء غزة ولبنان، مجرد اختلافات في التقدير السياسي، بل أعراضاً لأزمة معرفية أعمق. فحين تصبح الهوية الأيديولوجية أهم من المعطيات الميدانية، وحين يُعاد تشكيل الوقائع لكي تنسجم مع السردية المسبقة لخيارات منظومات حكم بعينها، نكون أمام: “اللاقراءة”. إنها، ليست غياباً للمعرفة، بقدر ما هي رفض لما تفرضه المعرفة من مراجعة وإعادة نظر.
وفي زمن «ما بعد الحقيقة» (أو «ما بعد المعطى» الذي نفضّله)، تصبح المسؤولية المعرفية والقدرة على مقاومة الانحيازات شرطاً أساسياً للحفاظ على النزاهة الفكرية والالتزام الأخلاقي. وبين رفض الوقائع بسبب الاصطفاف، وتأطير الحقيقة باسم السّلطة، تنشأ «اللاقراءة» بوصفها أحد أخطر أعراض زمن «ما بعد المعطى». ولا يبدو الخروج من هذا المأزق ممكناً، إلا عبر ممارسة نقدية دائمة، تجعل من الوقائع موضوعاً للفحص لا مادةً للتطويع، ومن مراجعة القناعات فضيلةً معرفية لا تهديداً للهوية.
وختاما، عند تناول مفهوم «ما بعد الحقيقة» أو «ما بعد المعطى»، في علاقة بغزة ولبنان، في عصر الذكاء الاصطناعي و”التزييف العميق» (Deep fake)، لا ينبغي أن ينسى المرء أنّ الأمر متعلّق بحربٍ، جزء منها مرئي على الميدان، والجزء الاخر يخاض على مستوى الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. المنطقة تواجه حربا هجينة، تسعى بوسائل شيطانية غير مرئية، وعبر التضليل الممنهج والحرب السيبرانية، إلى كسر إرادة الخصم. وبالتالي، فإنّ تجنب بعض الكتاب والصّحف والمواقع تناول بعض المواضيع، يوقعها في التسليم بالظلم ويحقق النجاح للعدوّ السّاعي لدفع المثقفين الى اللامبالاة، التّي تتّخذ شكل: «اللاقراءة». هذا، يزيد من مسؤولية الأقلام التي ترفض أن تجف، ويستحثها لمزيد الكتابة، إلى أن «ينتصر القرطاس على السّيف».





