في محاولةً مهمة، لإبراز «توافق» الإسلام مع العلمانية والنمط المجتمعي الغربي المعاصر، صدر عن المسجد الكبير في باريس، في بداية السنة الجارية، “دليل المسلمين في الغرب: ممارسة دينية ثابتة وحضور مُتكيِّف”. وتندرج هذه المبادرة، ضمن مسعى تهدئة التوترات المجتمعية والسّياسية، في سياق فرنسي يتّسم بنقاشات محتقنة حول حضور الدين في المجال العام، وبخاصة الإسلام.
غير أن هذا النوع من الأدبيات يطرح إشكالا يتجاوز مسألة التكيّف البسيط، ويعيد تجديد طرح سؤال مفتوح للنقاش على الدّوام: هل تكمن المشكلة فعلًا في مدى توافق الإسلام مع الحداثة الغربية؟ ألا يتعلق الإشكال بالإطار المفهومي نفسه الذي تُطرح داخله هذه الثنائية، بين “الإسلام” و”الغرب”؟ فمجرد التعامل مع “الغرب” بوصفه كيانًا موحدًا ومعياريًّا، قد يُسقط التحليل في تغافلِ تعقيدٍ تاريخيّ وثقافيّ كبير.
الغرب ليس كتلة واحدة، لا من حيث البنية الثقافية، ولا من حيث النماذج القانونية، التي تنظم العلاقة بين الدين والدولة. والعلمانية الفرنسية بتجسيدها التشريعي في قانون 1905، تقوم على حساسية خاصة تجاه حضور الدين في المجال العام، وعلى حياد صارم للدولة، لأنها خرجت من رحم صراع تاريخي مع الكنيسة الكاثوليكية. غير أن، هذا النموذج لا يمثل الغرب بأسره. فداخل أوروبا ذاتها، تتباين أشكال التدبير الديني اختلافًا واسعًا. فلا تزال الكنيسة الأنغليكانية كنيسة دولة في بريطانيا، ويقوم النموذج الألماني على نظام الضريبة الدينية التي تُحصَّل عبر الدولة. وفي الولايات المتحدة، يحتفظ الدين بحضور قوي في المجال العام، رغم الفصل الدستوري بين الدين والدولة. ومن ثم، فإن تعميم فكرة “تحييد الدين” بوصفها سمة غربية عامة، يُعدّ تبسيطًا مخلًا، بل إسقاطًا لتجربة فرنسية خاصة، على فضاء أوسع وأكثر تنوعًا.
ومن هنا يتضح، أن عدم التلاؤم المفترض بين الإسلام والغرب، قد يكون في جزء كبير منه اشكالا نظريا ونتيجة صياغة غير دقيقة للمسألة. ولعلّ إعادة النظر في تعريفنا للإسلام نفسه، من شزنها أن تفتح أفقًا مختلفًا. فالإسلام في معناه الأولي، ليس هُوية مغلقة أو انتماءً جماعيًا حصريًا، بل هو في جوهره موقف وجودي يتمثل في التسليم لله. وقد وُصف إبراهيم في النصوص بأنه مسلمٌ، كما وُصف أتباع عيسى بأنهم مسلمون، بمعنى الخضوع لله؛ مما يشير إلى أن المفهوم -بتأييد نصّيٍّ من القرآن- أوسع من حدوده الخِتامية (المحمّديّة) اللاحقة. بهذا المعنى، يصبح الإسلام حالة إنسانية كونيّة، لا مجرد انتماء دينيا محددا تاريخيًا. ويمكن لمس المعنى كذلك في قول عيسى (ع): “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”؛ وهذا تمييز بين المجال السّياسي والمجال الرّوحي، بما يجعل الدين مصدرًا للأخلاق لا مشروعًا سياسيًا شاملًا.
وقد استوعب عدد من المفكرين في الغرب هذا البعد الكوني، ومن بينهم الشاعر الألماني فولفغانغ غوته الذي اعتبر: “إذا كان الإسلام يعني التسليم لله، فإن جميعنا مسلمون”(1). وتلتقي هذه الرؤية، على مستوى آخر، مع الفلسفة الأخلاقية الكانطية التي تؤسس لفكرة قانون أخلاقي كوني، يتجاوز الخصوصيات الثقافية والدينية.
وفي السياق الإسلامي ذاته، يمكن قراءة الرسالة القرآنية بوصفها توجيهًا نحو أخلاق كونية، تقوم على العدل والإحسان، أكثر من كونها نظامًا مؤسسيًا مغلقًا. فالقراءة الرحمانيّة للقرآن (لها جذورها في كل التّيارات المعتدلة عند السنة والصّوفية والشيعة وخاصة لدى المعتزلة)، لا تُقدم الإسلام بوصفه منظومة طقسية معقدة، بل تعرّف الإسلام بمعنى التسليم، وتجعله في ثنائية أوسع من الملّة: الإيمان بالله والعمل الصالح. فالإيمان ليس مجرد انتماء، بل حالة داخلية تنعكس في السلوك الأخلاقي. ومن ثم، فإن الشعائر مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج، لا تؤدي وظيفة تعريفيّة هُويّاتية، بقدر ما تؤدي وظيفة تربوية، تهدف إلى تهذيب النفس وتعميق الوعي الأخلاقي.
وفي هذا الإطار، يمكن طرح سؤال مركزي يتعلق بمصدر التحريم: من يحدد الحرام؟ وهل يُستنتج الحرام في القرآن عبر التأويلات اللاحقة؟ أم أنّ النص القرآني يُصرّح به نصيًا عبر صيغ لغوية واضحة، مثل النهي المباشر أو صيغة “حُرّم عليكم”، واقتران المنع بالعقاب الدنيوي أو الحساب في الاخرة. وبناء على ذلك، لا تُعدّ الروايات الظرفية، أو الاستنباطات القياسية، أو المواعظ غير التحريمية، مصادرا للتحريم الإلهي. فالحرام، في هذا التصور، ليس جوهرًا قائمًا في الأشياء، بل هو تنظيم لفعل الإنسان داخل سياق معين. وبذلك، لا تكون الأشياء في ذاتها محرمة، بل تتحدد الأحكام وفق الأفعال والسياقات. فالله مثلا، لا يحرم الخنزير ككائن، وانّما يحرم فعل اكل لحمه؛ كما لا يقع التحريم على الخمر في ذاته، لأنه شيء مخلوق وفي حالات كالتخدير الطبي يكون استعماله ضرورة، بل يحرّم فعل السُّكر، الذّي يتساوى مع الرّجس وعمل الشيطان.
ويُستنتج من هذا المنظور، أن نطاق الحرام محدود، ويشمل أساسًا أفعالًا مثل القتل العمد، والظلم، والزنا، والسرقة، وشهادة الزور، والاستغلال، وعقوق الوالدين ونقض العهد. وهي محرمات، تتوافق مع الحد الأدنى من الأخلاق الإنسانية المشتركة. وقد دافع عن هذا النوع من الفهم، عدد من المفكرين المعاصرين، من بينهم محمد شحرور، الذي أكد أن الحرام محصور بالنص القرآني الصريح، بينما يبقى المجال الواسع الآخر، ضمن دائرة المباح والاجتهاد البشري. أي أنّ، مجال الإفتاء محصور في تقييد ممارسة الحلال؛ وهذا ما تقوم به الأنظمة القانونية من خلال التشريع، والمراجعات حسب الظروف والمتطلبات. وهذا الفهم يتماشى مع حتمية التعدد والاختلاط والعيش المشترك المفروضة على المجتمعات، أو بالأحرى على المدن التي تجاوزت ضيق وأحادية القرية. (2)
وبناء على ذلك، فإن الإسلام حين يُفهم بوصفه منظومة أخلاقية كونية، تصبح محرماتُه الأساسية تعبيرًا عن قيم مدنية عامة، لا عن هُوية دينية مغلقة. وهكذا يتحول السؤال من: كيف يمكن تكييف الإسلام مع الحداثة؟ إلى سؤال مختلف: كيف يمكن إعادة اكتشاف الإسلام بوصفه منظومة أخلاقية، منسجمة مع العدالة المدنية الكونية؟
وفي ضوء هذا التحول، تتراجع أهمية فكرة “التكيّف” ذاتها، لأنها تفترض مسبقًا وجود تعارض بين الإسلام والفضاء المدني الحديث. غير أن إعادة التفريق بين الحرام المحدد إلاهيّا وبين القانون البشري؛ والفصل بين الشعائر بوصفها تربية أخلاقية والإيمان بوصفه حالة داخلية، وبين الجماعة المؤمنة بوصفها فضاء تضامن لا كيانًا سياسيًا، تؤدّي إلى تقليص كبير للتوتر المفترض مع الدين؛ بل قد يكون أحيانا مطلوب سياسيا.
ومن الناحية التاريخية، يقدم دستور المدينة مثالًا مبكرًا على هذا الفصل بين الديني والسياسي، حيث نظّم النبي محمد (ص) مجتمعًا تعدديًا يضم المسلمين واليهود والقبائل المختلفة، ضمن ميثاق مدني يقوم على التعايش والدفاع المشترك. كما أن الإشارة إلى “محمد بن عبد الله” في الوثيقة بوصفه طرفًا متعاقدًا، تعكس الطابع السياسي التعاقدي للنص، لا سعيا لفرض نفسه كسلطة دينية على الأطراف الأخرى. وبذلك يظهر، أن التمييز بين المجال الديني والمجال السياسي من حيث روحية التمشّي، ليس فكرة حديثة، بل له جذور تأسيسية.
أما في السياق الفرنسي، فتتسم العلاقة بين الإسلام والعلمانية بتعقيد خاص. إذ نشأت العلمانية الفرنسية، في سياق تاريخي مرتبط أساسًا بالكاثوليكية، ولم تُصمّم لإدارة تعددية دينية واسعة، كما هو الحال اليوم. كما أن الإسلام في فرنسا، واجه تحديات بنيوية، أبرزها تاريخيّا غياب البنية العقارية، والاعتماد على التمويل الخارجي، وتعقيدات قانون 1905، الذي يمنع التمويل العام المباشر للعبادات. وقد أدى ذلك، إلى نشوء اعتماد جزئي على دول أجنبية في بناء المساجد وتكوين الأئمة، وإلى صعوبات في بناء تمثيل مؤسسي موحد، رغم حصول محاولات، مثل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وتتداخل هذه العوامل، مع سياق أمني وسياسي حسّاس، ما جعل الإسلام محورًا لاهتمام إعلامي خاص، وأحيانًا موضع توتر في إدراك بعض المواطنين.
وفي المقابل، تبرز مفارقة معاصرة، تتمثل في تقاطع غير متوقع بين بعض التيارات المحافظة أو المنتقدة للحداثة الليبرالية، وبين بعض مظاهر التّدين الإسلامي. إذ يرى بعض هؤلاء – رغم استمرار الاختلافات العميقة في المواقف الفكرية والسياسية – في التدين المنظم وغير المتطرّف، نموذجًا أخلاقيًا أكثر تماسكًا، في مواجهة التفكك القِيَمي المرتبط “بما بعد الليبرالية”. وقد برزت قراءات، خاصة ضمن اليسار وفعاليات كاثوليكيّة، ترى أن التّدين يمكن أن يشكّل عنصر استقرار أخلاقي، في مجتمع يعاني أزمة مرجعيات.
ونجد أطروحات فكرية، يعكسها خاصّة عالم الاجتماع إيمانويل تود، تشير إلى أن بعض أشكال العداء للإسلام، قد تمتد لتشمل عموم المظاهر الدينية؛ بما يعكس توترًا داخليًا في العلمانية الفرنسية، بين الحياد ومحاولة تحييد الدين بالكامل.
وفي المحصلة، فإن التوترات المرتبطة بالإسلام في فرنسا، لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل هي نتاج تداخلات تاريخية وقانونية واجتماعية وأمنية. والسؤال المركزي، لا يتعلق بمدى “توافق الإسلام” مع العلمانية، بل بكيفية تنظيم فضاء ديني مستقل وشفاف، داخل إطار جمهوري يضمن الحريّة والمساواة، ولا يسمح بتحويل التّمسك الدغمائي بالعلمانية، الى ستار يخفي نزعة عنصرية ضد الأجانب، وكرها للإسلام في جوهره كدين.
وختاما، إذا كان الإسلام يُفهم بوصفه خضوعًا لله، يتجلى في العمل الصالح ومحراُر التمسك به: العدل والأخلاق، فإن معيار الانتماء لا يكون شكليًا أو طقوسيًا فقط، بل أخلاقيًا بالأساس. ومن هذا المنظور، لا يظهر الإسلام كمشكلة تحتاج إلى تكييف، بل كمصدر أخلاقي كوني، يمكن إعادة مَوضَعته داخل النقاش العام الحديث. والقضيّة، لا تكمن في جوهر الرسالة، بل في التراكمات التاريخية، التي وسّعت مفهوم الحرام خارج حدوده النّصية الصريحة، مما يجعل إعادة التركيز على النواة الأصلية ضرورة ملحة، لنفض انحرافات الجهود البشرية. وعندها، سيكون النقاش حول تطبيق “أصلٍ لا- زمني” جوهره الاخلاق (إنّما بعث لأتمم مكارم/ صالح الاخلاق)، ولا حاجة لبذل الجهد، في تكييفِ الرسالة لواقع بلد بذاته.
نشر بالتوازي في منصة أنفاس نات المغربية (https://shorturl.at/bV2GZ)
—–
1- “إذا كان الإسلام هو التّسليم لله، فعلى الإسلام نحيا ونموت جميعًا.”
2- للتوسع يمكن الرجوع للمرحوم الدكتور محمد شحرور حول ختامية الرسالة وانهاء عهد القرى والتأسيس النهائي لعهد التعدد والمدينة.






