الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان”- كتب سفيان رجب 
- لماذا أصبحت تونس مهمة في الحسابات الصينية؟
- عندما أعادت التحولات العالمية اكتشاف موقع تونس
- الجغرافيا لا تتغير… لكن قيمتها الاقتصادية تتغير كلما تغير العالم.”
إذا كان الجزء الأول من هذا الملف قد تناول البدايات الدبلوماسية للعلاقات التونسية الصينية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا أصبحت الصين تنظر إلى الضفة الجنوبية للمتوسط باهتمام متزايد؟ وما الذي يجعل تونس، رغم محدودية حجمها الاقتصادي، تحضر في الحسابات الاستراتيجية لبكين؟
قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى مرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، أو بالرغبة الصينية في توسيع استثماراتها في إفريقيا. غير أن الواقع أكثر تعقيدا. فاهتمام الصين بتونس ليس نتيجة تغير في الجغرافيا، بل نتيجة تغير عميق في الاقتصاد العالمي نفسه.
فخلال العقدين الأخيرين، تغيرت قواعد اللعبة الاقتصادية الدولية بصورة غير مسبوقة. فقد كشفت جائحة كوفيد-19، ثم الحرب في أوكرانيا، وأخيرا تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، هشاشة سلاسل التوريد العالمية التي قامت لعقود على الإنتاج في آسيا والنقل إلى أوروبا وأمريكا. وأصبح السؤال المطروح لدى كبرى الشركات العالمية لم يعد يتعلق فقط بكلفة الإنتاج، بل أيضا بسرعة الوصول إلى الأسواق، وأمن الإمدادات، وتوزيع المخاطر الجغرافية.
في هذا السياق، عاد البحر الأبيض المتوسط إلى واجهة الاهتمام العالمي، ليس باعتباره ممرا بحريا فحسب، بل فضاء اقتصاديا تتقاطع فيه ثلاث قارات، وتلتقي عنده طرق التجارة والطاقة والاستثمار. ومن هنا، بدأت دول كانت تعتبر هامشية في الحسابات الاقتصادية الدولية تكتسب أهمية جديدة، بفضل موقعها الجغرافي أكثر من حجم اقتصادها.
وهنا تحديدا تظهر تونس. تونس…
موقع ثابت بقيمة جديدة
منذ آلاف السنين، لم يتغير موقع تونس. فهي تقع في قلب أعلى الضفة الجنوبية للمتوسط، على بعد أقل من 150 كيلومترا من أوروبا عبر مضيق صقلية، وتشكل نقطة التقاء طبيعية بين المشرق والمغرب، وبين البحر المتوسط والعمق الإفريقي.
لكن الجديد هو أن هذا الموقع أصبح اليوم أكثر قيمة من أي وقت مضى.
ففي عالم يبحث عن تقليص زمن النقل، وتقريب الإنتاج من الأسواق، أصبحت المسافة عاملا اقتصاديا حاسما. ولم يعد يكفي أن يكون المصنع منخفض الكلفة، بل يجب أن يكون قريبا من المستهلك النهائي، وقادرا على التفاعل بسرعة مع الطلب العالمي.
وهنا تمتلك تونس أفضلية لا يمكن تصنيعها أو استيرادها: الجغرافيا.
فهي ترتبط باتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، وتتمتع بعضوية في السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا)، كما انضمت إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يمنح المستثمر إمكانية النفاذ، نظريا، إلى أسواق تضم مئات الملايين من المستهلكين.
بالنسبة للصين، التي تسعى إلى تنويع مراكز إنتاجها وشبكاتها اللوجستية، تمثل مثل هذه المزايا عناصر تستحق الدراسة، خاصة في ظل التحولات التي تعرفها التجارة العالمية.
مبادرة الحزام والطريق… أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية
عندما أطلقت الصين سنة 2013 مبادرة “الحزام والطريق”، اعتبرها كثيرون مشروعا لإنشاء موانئ وطرق وسكك حديدية. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن المبادرة أوسع بكثير من ذلك.
فهي تمثل رؤية اقتصادية تهدف إلى بناء شبكة مترابطة من الموانئ، والمناطق الصناعية، والمراكز اللوجستية، وخطوط النقل، والبنية الرقمية، بما يسمح بتسهيل حركة التجارة والاستثمار بين آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ومن هذا المنظور، لا تبحث بكين فقط عن موانئ، بل عن شركاء قادرين على الاندماج في هذه الشبكة العالمية.
وهنا يبرز السؤال: هل تستطيع تونس أن تقدم نفسها باعتبارها عقدة لوجستية وصناعية في قلب المتوسط، أم ستكتفي بدور سوق تستقبل المنتجات القادمة من الشرق؟
بين الفرصة والواقع
ورغم كل هذه المقومات، فإن الحضور الاقتصادي الصيني في تونس ما يزال محدودا مقارنة بما تحقق في دول أخرى بالمنطقة.
فالمغرب نجح في استقطاب استثمارات صناعية صينية في قطاع السيارات والبطاريات، بينما عززت مصر تعاونها مع بكين في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، واستفادت الجزائر من شراكات واسعة في البنية التحتية والإنشاءات.
أما تونس، فما تزال تبحث عن الصيغة التي تمكنها من تحويل موقعها الجغرافي إلى ميزة تنافسية حقيقية، ومن الانتقال من منطق المبادلات التجارية إلى منطق الإنتاج المشترك.
ولا يعود ذلك إلى نقص في الإمكانات فقط، بل أيضا إلى تحديات داخلية تتعلق بسرعة إنجاز المشاريع، ومناخ الاستثمار، والبنية اللوجستية، واستقرار الإطار التشريعي، وهي عوامل ينظر إليها المستثمرون الصينيون، كما غيرهم، باعتبارها عناصر حاسمة في اتخاذ القرار.
نافذة قد لا تبقى مفتوحة طويلا
اليوم، يعيش الاقتصاد العالمي مرحلة إعادة تموقع كبرى. فالشركات الدولية تعيد توزيع مصانعها، وتبحث عن مواقع جديدة للإنتاج، فيما تتنافس الدول على جذب الاستثمارات المرتبطة بالسيارات الكهربائية، والطاقات المتجددة، والصناعات الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تكون الجغرافيا وحدها كافية، بل تصبح سرعة اتخاذ القرار وجودة السياسات الاقتصادية عاملا فاصلا بين الدول التي تستفيد من التحولات، وتلك التي تكتفي بمراقبتها.
وبالنسبة لتونس، قد تمثل العلاقة مع الصين فرصة لإعادة التموضع داخل الاقتصاد العالمي، لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع إلا إذا اقترنت برؤية وطنية واضحة تجعل من البلاد منصة للإنتاج والابتكار، لا مجرد سوق للاستهلاك.
وهنا يبرز السؤال الذي سنخصص له الجزء الثالث من هذا الملف:
إذا كانت الفرصة موجودة، فما هي القطاعات القادرة فعلا على تحويل الشراكة التونسية-الصينية إلى محرك جديد للنمو والتنمية؟
(يتبع)
الفصل الأول (تم النشر)
من قرطاج إلى بكين… كيف تطورت العلاقات التونسية الصينية خلال ستين عاما؟
- البدايات الدبلوماسية
- لماذا كانت تونس من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالصين؟
- المراحل الكبرى للعلاقات
- أهم المشاريع الصينية في تونس
- تطور المبادلات التجارية
- الزيارات الرسمية
- أين تقف العلاقات اليوم؟
الفصل الثاني (المقال أعلاه)
لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس؟
- موقع تونس في المتوسط
- مبادرة الحزام والطريق
- أهمية شمال إفريقيا
- الموانئ واللوجستيك
- الربط بين أوروبا وإفريقيا
- المنافسة مع أوروبا وأمريكا
الفصل الثالث
خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية الصينية
- الطاقة
- السيارات الكهربائية
- البنية التحتية
- الذكاء الاصطناعي
- الاقتصاد الرقمي
- الصحة
- التعليم
- التكنولوجيا
الفصل الرابع
تونس والصين وإفريقيا…هل تستطيع تونس أن تصبح منصة صينية نحو القارة؟
- اتفاقية التجارة القارية الإفريقية
- موقع تونس
- الشركات الصينية
- التمويل
- الصناعات الموجهة لإفريقيا
- الخدمات اللوجستية
- الموانئ
- المناطق الصناعية
الفصل الخامس
ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من صعود الصين؟
- الإصلاحات المطلوبة
- الاستثمار
- البحث العلمي
- الجامعات
- التكنولوجيا
- التمويل
- التصنيع
- الدبلوماسية الاقتصادية
خاتمة بعنوان: بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس أن تبني شراكة متوازنة مع الصين دون أن تخسر شركاءها التقليديين؟






