عربي ودولي

لبنان يقر قانوناً جديداً للإعلام بعد 15 عاماً من الجدل والنقاش

أقرّ مجلس النواب اللبناني في 11 أوت 2026 قانوناً جديداً للإعلام، منهياً مساراً تشريعياً استمر لأكثر من 15 عاماً، في خطوة تهدف إلى تحديث الإطار القانوني المنظم للقطاع الإعلامي ومواكبة التحولات التي فرضها الإعلام الرقمي والمنصات الإلكترونية.

ويأتي القانون الجديد ليحل محل منظومة تشريعية تعود في جانب كبير منها إلى مراحل سابقة، فيما شهد قطاع الإعلام خلال السنوات الأخيرة تغيرات واسعة، خصوصاً مع توسع المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

وكانت اللجان النيابية المشتركة قد أقرت اقتراح القانون في 9 جويلية الماضي، بعد سلسلة من الاجتماعات والمناقشات، حيث أكد نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب حينها أن الاقتراح يتضمن 129 مادة، وأن صياغته خضعت لسنوات من البحث والتعديل.

حماية أكبر للصحفيين

من أبرز التغييرات التي يتضمنها القانون إعادة تنظيم المسؤولية عن المحتوى الإعلامي، مع اتجاه واضح إلى الحد من العقوبات السالبة للحرية المرتبطة بالنشر، إلى جانب منع التوقيف الاحتياطي للصحفيين في قضايا النشر، وإنشاء مرجعية قضائية متخصصة للنظر في المخالفات الإعلامية.

وكانت هذه النقطة من أبرز ما اعتبره مؤيدو القانون مكسباً للصحفيين، إذ قال نائب رئيس مجلس النواب إن النص الجديد ينص على عدم حبس الصحفيين أو توقيفهم احتياطياً في قضايا النشر.

كما يعزز القانون حماية المصادر الصحفية، في إطار السعي إلى توفير ضمانات أكبر للعمل الصحفي، بالتوازي مع وضع قواعد أكثر وضوحاً للمسؤولية القانونية عن المحتوى المنشور.

خطوة إصلاحية تحتاج إلى استكمال

رحبت مؤسسة «مهارات» بإقرار قانون الإعلام الجديد، معتبرة دخوله حيز التنفيذ محطة إصلاحية طال انتظارها بعد سنوات من العمل على تحديث التشريع الإعلامي في لبنان.

وفي الوقت نفسه، أبقت المؤسسة على جملة من التحفظات، خصوصاً بشأن بعض الأحكام التي تبقي على المسؤولية الجزائية في قضايا النشر، بما قد يطرح تحديات أمام حرية التعبير والعمل الصحفي.

وتدعو «مهارات» إلى استكمال الإصلاح التشريعي بما يضمن حماية الصحفيين، وتعزيز استقلالية الإعلام، والحد من أي قيود يمكن أن تؤثر في ممارسة الحق في التعبير والصحافة.

كما تشدد على أن الاختبار الحقيقي للقانون سيكون في طريقة تطبيقه وضمان احترام الضمانات التي يتضمنها.

الإعلام الإلكتروني يدخل صلب التشريع

ويحاول القانون للمرة الأولى وضع إطار أكثر شمولاً للإعلام الإلكتروني، من خلال تنظيم المواقع الإخبارية المهنية وتحديد المسؤوليات المرتبطة بملكيتها وإدارتها ومحتواها.

كما يتضمن أحكاماً تتعلق بالشفافية في ملكية المؤسسات الإعلامية ومصادر تمويلها، وهي إصلاحات رحب بها الاتحاد الأوروبي، معتبراً أن القانون يمكن أن يعزز حرية الإعلام وحماية الصحفيين وحرية التعبير، إلى جانب زيادة الشفافية بشأن ملكية وسائل الإعلام ومصادر تمويلها.

هيئة وطنية لتنظيم الإعلام

ومن أبرز المستجدات أيضاً إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، لتتولى دوراً تنظيمياً في القطاع، في محاولة للانتقال إلى نموذج أكثر حداثة في تنظيم وسائل الإعلام.

وتطرح هذه الخطوة في المقابل سؤالاً أساسياً يتعلق بمدى استقلالية الهيئة الجديدة عن التدخلات السياسية، وطبيعة صلاحياتها وكيفية ممارستها، وهي مسائل كانت حاضرة في النقاشات الحقوقية والإعلامية المحيطة بمشروع القانون.

بين الإصلاح والمخاوف

ورغم الترحيب الدولي بإقرار القانون، فإن النقاش لم ينتهِ بمجرد إقراره. فقد أثارت جهات إعلامية وحقوقية ملاحظات بشأن عدد من مواده، معتبرة أن بعض الصياغات قد تفتح المجال أمام تفسيرات واسعة أو قيود يمكن أن تؤثر في حرية العمل الصحفي.

ومن بين الملفات التي أثارت نقاشاً خاصاً وضع شروط تتعلق بالمسؤول عن المواقع الإخبارية الإلكترونية، إضافة إلى بعض الأحكام المرتبطة بالمحتوى المنشور وخطاب الكراهية والأخبار الكاذبة. وكانت منظمات حقوقية قد طالبت خلال مرحلة مناقشة المشروع بضمان انسجام النص مع المعايير الدولية لحرية التعبير.

وفي المقابل، يرى مؤيدو القانون أن إدراج قواعد تتعلق بخطاب الكراهية والتحريض والمعلومات المضللة يهدف إلى تحقيق توازن بين حماية حرية التعبير ومنع استخدام وسائل الإعلام للتحريض أو نشر محتويات ضارة.

اختبار التطبيق

ويمثل إقرار القانون، وفق هذا المسار، بداية مرحلة جديدة أكثر من كونه نهاية للنقاش حول مستقبل الإعلام اللبناني. ففاعلية الإصلاحات ستتوقف بدرجة كبيرة على كيفية تطبيق النصوص، واستقلال القضاء والهيئة المنظمة، ومدى احترام الضمانات التي نص عليها القانون.

وقد رحب الاتحاد الأوروبي بإقرار القانون، لكنه شدد على أهمية تطبيقه بما يحافظ على أهدافه ويتوافق مع المعايير الدولية، فيما اعتبرت اليونسكو أن الخطوة تمثل تحديثاً طال انتظاره للتشريعات الإعلامية اللبنانية وتعزيزاً لحرية التعبير وحرية الصحافة وسلامة الصحفيين.

وبذلك يدخل الإعلام اللبناني مرحلة تشريعية جديدة، تحمل مكاسب واضحة على مستوى حماية الصحفيين وتنظيم الإعلام الرقمي، لكنها تضع في الوقت نفسه المؤسسات والقضاء والجهات المنظمة أمام اختبار أساسي، كيف يمكن تنظيم قطاع إعلامي يتغير بسرعة، من دون أن يتحول التنظيم إلى قيد على حرية الصحافة والتعبير؟

صلاح الدين كريمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى