كتب: سفيان رجب
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية تقتصر على ساحات القتال أو على سباق الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، بل أصبحت تمس إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة للمجتمع الدولي: الأمن الغذائي العالمي. ففي الوقت الذي يعتمد فيه مئات الملايين من البشر على صادرات الحبوب القادمة من منطقة البحر الأسود، تتزايد المخاوف من أن يؤدي استهداف الموانئ والسفن التجارية إلى موجة جديدة من اضطرابات الأسواق وارتفاع أسعار الغذاء.
وفي هذا السياق، حذرت جمعية مصدري الحبوب الروسية من أن الهجمات الأوكرانية الأخيرة على السفن والمنشآت المينائية الروسية قد تعرقل حركة تصدير الحبوب عبر البحر الأسود، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الأسواق العالمية، خاصة في الدول المستوردة في إفريقيا والشرق الأوسط التي تعتمد بشكل كبير على القمح الروسي.
البحر الأسود… أكثر من ممر بحري
يصف خبراء الاقتصاد البحر الأسود بأنه “شريان الغذاء العالمي”، إذ تمر عبر موانئه نسبة كبيرة من تجارة القمح والشعير والذرة وزيت دوار الشمس. وتحتل روسيا المرتبة الأولى عالمياً في صادرات القمح، بينما تعد أوكرانيا من أبرز المنتجين الزراعيين في العالم.
ولذلك فإن أي اضطراب أمني في هذه المنطقة لا يقتصر أثره على الدول المتحاربة، بل يمتد إلى عشرات الدول التي تعتمد على الاستيراد لضمان أمنها الغذائي واستقرار أسعار الخبز والمواد الأساسية.
موسكو: الغذاء يجب أن يبقى خارج الحرب
ترى الأوساط الروسية أن استهداف السفن التجارية والموانئ المخصصة لتصدير الحبوب يمثل تطوراً خطيراً، لأنه ينقل الحرب إلى قطاع تعتبره موسكو ذا طابع إنساني بالدرجة الأولى.
وتؤكد الجهات الروسية أن صادراتها من الحبوب لم تتوقف حتى في أصعب مراحل النزاع، وأنها واصلت تزويد الأسواق الدولية، خصوصاً في إفريقيا والشرق الأوسط، معتبرة أن الحفاظ على انسيابية التجارة الزراعية يمثل عنصراً أساسياً لاستقرار الاقتصاد العالمي.
وبحسب هذه الرؤية، فإن تعريض الملاحة التجارية للمخاطر قد يدفع شركات الشحن والتأمين إلى رفع أقساط التأمين أو تجنب الإبحار في المنطقة، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى تقليص الصادرات حتى دون وجود حصار بحري رسمي.
الاقتصاد يدخل قلب المعركة
في المقابل، تعتبر أوكرانيا أن استهداف البنية اللوجستية الروسية جزء من استراتيجيتها العسكرية والاقتصادية لإضعاف الموارد التي تستفيد منها موسكو، بينما تؤكد أيضاً أن موانئها وصوامعها الزراعية تعرضت بدورها لهجمات متكررة خلال الحرب.
وهكذا أصبحت البنية التحتية الزراعية، التي كانت لعقود رمزاً للتعاون التجاري بين ضفتي البحر الأسود، جزءاً من المواجهة الاستراتيجية بين البلدين.
انعكاسات تتجاوز أوروبا
أول المتضررين من أي اضطراب جديد ليسوا الأوروبيين، بل الدول النامية التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات القمح الروسي والأوكراني.
ففي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يشكل الخبز مادة أساسية مدعومة من قبل الحكومات، وأي ارتفاع في أسعار القمح العالمية ينعكس سريعاً على ميزانيات الدول، ويزيد من الضغوط المالية والاجتماعية، ويضع الحكومات أمام تحديات إضافية في إدارة منظومات الدعم.
وتونس ليست بمنأى عن هذه التطورات، إذ تعتمد، مثل العديد من بلدان المنطقة، على الأسواق الدولية لتغطية جزء مهم من احتياجاتها من الحبوب، وهو ما يجعل استقرار الإمدادات والأسعار مسألة ذات أهمية اقتصادية واجتماعية مباشرة.
الأسواق تراقب… والتأمين يحسم المعركة
في أسواق السلع الزراعية، لا يكفي وقوع هجوم واحد لرفع الأسعار؛ فمجرد ارتفاع مستوى المخاطر في البحر الأسود يدفع شركات التأمين إلى إعادة تقييم أقساطها، كما يدفع شركات النقل إلى احتساب مخاطر إضافية، وهو ما ينعكس تدريجياً على تكلفة وصول الحبوب إلى الأسواق النهائية.
ولهذا السبب، يراقب المتعاملون في البورصات العالمية التطورات العسكرية في البحر الأسود بصورة يومية، لأن أي تصعيد قد ينعكس مباشرة على أسعار القمح والذرة والشحن البحري.
الأمن الغذائي… رهينة الجغرافيا السياسية
تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الروسية الأوكرانية تجاوزت منذ زمن بعدها العسكري لتصبح عاملاً رئيسياً في تشكيل معادلات الاقتصاد العالمي. فالطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد لم تعد قطاعات منفصلة عن الصراع، بل أصبحت في صلبه.
ومع استمرار الهجمات المتبادلة على الموانئ والبنية التحتية الزراعية، يبقى السؤال مطروحاً: هل يستطيع المجتمع الدولي تحييد تجارة الغذاء عن منطق الحرب؟ لأن الخاسر الأكبر في النهاية لن يكون أحد طرفي النزاع فحسب، بل ملايين المستهلكين في الدول التي تعتمد على البحر الأسود لتأمين غذائها اليومي.





