بعد ستة عقود من العلاقات التونسية–الصينية، وبعد أن انتقلت الصين من قوة اقتصادية صاعدة إلى أحد أهم مراكز القوة في الاقتصاد العالمي، لم يعد السؤال بالنسبة إلى تونس هو ما إذا كانت الصين تمثل فرصة.
الفرصة موجودة بالفعل.
السؤال الحقيقي هو: هل تمتلك تونس الأدوات اللازمة للاستفادة منها؟
ففي عالم تتنافس فيه الدول على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا والأسواق، لا يكفي أن تكون تونس صديقة للصين، أو أن تكون لها علاقات دبلوماسية جيدة مع بكين.
العلاقات السياسية تفتح الأبواب، لكنها لا تملأ المصانع. والاتفاقيات تسهل التعاون، لكنها لا تنتج وحدها صادرات. والموقع الجغرافي مهم، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى منصة لوجستية. لذلك تحتاج تونس إلى الانتقال من دبلوماسية العلاقات إلى دبلوماسية المشاريع.
الإصلاح… البداية التي لا يمكن تأجيلها
لا يمكن الحديث عن جذب استثمارات صينية أو غير صينية من دون الحديث عن بيئة الأعمال.
المستثمر يبحث عن الوضوح والاستقرار والسرعة. يريد أن يعرف كيف يحصل على الترخيص، وكيف يحول الأموال، وكيف يوظف، وكيف يصدر، وكيف يحمي استثماره.
كلما كانت الإجراءات أكثر تعقيدًا، ارتفعت كلفة الاستثمار.
ولهذا فإن الإصلاح الإداري والاقتصادي ليس مطلبًا منفصلًا عن السياسة الاستثمارية تجاه الصين، بل هو شرط لنجاحها.
تونس لا تحتاج إلى امتيازات استثنائية تمنحها للمستثمر الصيني بقدر ما تحتاج إلى بيئة تنافسية تجعل المستثمر الصيني يرى تونس خيارا منطقيا.
الاستثمار… لا نحتاج إلى أي استثمار
أحد أهم التحولات التي يجب أن تحدث في التفكير الاقتصادي هو الانتقال من سؤال:كم استثمارا أجنبيا استقطبنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: ما نوعية الاستثمارات التي استقطبناها؟
فليس كل استثمار متساويا، هناك استثمار يخلق فرص عمل محدودة ويعتمد على نشاط منخفض القيمة المضافة، وهناك استثمار يبني صناعة جديدة، ويطور الموردين المحليين، وينقل التكنولوجيا، ويفتح أسواقا للتصدير. الأولوية بالنسبة إلى تونس يجب أن تكون للنوع الثاني.
وهنا يمكن أن تكون الصين شريكًا مهمًا، خصوصًا في الصناعات التي تمتلك فيها الشركات الصينية خبرة عالمية واسعة.
من التجميع إلى التصنيع
أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه تونس هو أن تتحول إلى سوق استهلاك للمنتجات الصينية. والأكثر فائدة هو أن تصبح جزءا من سلاسل الإنتاج. والسيارات الكهربائية مثال واضح.
فبدل الاكتفاء باستيراد السيارات الصينية، يمكن التفكير في جذب استثمارات مرتبطة بتجميع وتصنيع السيارات، والبطاريات، والمكونات الكهربائية والإلكترونية، ومحطات الشحن.
الأمر نفسه ينطبق على الطاقة الشمسية، ومعدات تخزين الطاقة، والإلكترونيات، والآلات الصناعية.بهذا تتحول العلاقة من: صنع في الصين والمستهلك تونسي إلى: استثمار صيني مع خبرات تونسية يساوي إنتاج في تونس وتصدير إلى إفريقيا وأوروبا. وهذا هو جوهر الشراكة التي تحتاجها تونس.
البحث العلمي… الحلقة المفقودة
لا يمكن لتونس أن تستقطب التكنولوجيا المتقدمة إذا لم تمتلك منظومة قادرة على إنتاج المعرفة.
الجامعات ومراكز البحث ليست قطاعًا منفصلا عن الاقتصاد. في الاقتصاد الجديد، الجامعة جزء من سلسلة الإنتاج.
ولهذا يجب بناء شراكات مباشرة بين الجامعات التونسية ونظيراتها الصينية، ليس فقط في تبادل الطلبة والأساتذة، وإنما في:
- الذكاء الاصطناعي.
- الطاقة المتجددة.
- التكنولوجيا الطبية.
- الهندسة.
- الروبوتات.
- الزراعة الذكية.
- التكنولوجيا الرقمية.
- علوم المواد.
والهدف يجب أن يكون إنشاء مشاريع بحثية مشتركة مرتبطة بحاجات الصناعة. فالمطلوب ليس فقط نقل التكنولوجيا، وإنما القدرة على تطويرها وتكييفها محليا.
الجامعات… من الشهادة إلى المهارة
قد يكون رأس المال البشري أهم ما تمتلكه تونس في علاقتها مع الصين. لكن هذا الرصيد يحتاج إلى إعادة توجيه.فالمستثمر الصناعي لا يبحث فقط عن عدد خريجي الجامعات، بل عن المهارات التي يحتاجها المصنع. لذلك تحتاج تونس إلى تطوير التكوين في المجالات الصناعية والرقمية والهندسية، وإلى شراكات مع الشركات الصينية لتحديد المهارات المطلوبة.
ويمكن للصين أن تلعب دورا مهما في هذا المجال من خلال برامج تدريبية، ومراكز تكوين، وتبادل الخبرات، وربط المؤسسات التعليمية باحتياجات الشركات.
التكنولوجيا… لا تكتفوا بالاستيراد
التكنولوجيا الصينية أصبحت حاضرة بقوة في قطاعات عديدة من الاقتصاد العالمي. لكن استيراد التكنولوجيا لا يعني بالضرورة نقل التكنولوجيا. وهنا يجب أن تكون المفاوضات التونسية أكثر طموحا.
عندما تدخل شركة صينية إلى تونس، يجب أن يكون نقل المعرفة والتكوين وتطوير الموردين المحليين ونسبة الإدماج المحلي جزءًا من منظومة التفاوض. فالاستثمار الناجح هو الذي يترك وراءه قدرات تونسية جديدة.
التمويل… البحث عن شراكات ذكية
اليوم تونس تحتاج إلى تنويع مصادر تمويلها. ولا ينبغي أن يكون التمويل الصيني بديلًا عن التمويل الأوروبي أو المؤسسات المالية الدولية أو التمويل العربي أو الاستثمارات الخاصة. والأفضل هو بناء منظومة متعددة المصادر.
فالمشروع الاستراتيجي يمكن أن يجمع بين الدولة والقطاع الخاص والمستثمر الأجنبي والبنوك والمؤسسات المالية الدولية. وهذا يتيح لتونس هامشًا أكبر للمفاوضة ويمنع الارتهان إلى مصدر واحد للتمويل.
الدبلوماسية الاقتصادية… السفير يجب أن يصبح بوابة للاستثمار
في المرحلة المقبلة، يجب أن تتحول الدبلوماسية الاقتصادية إلى أحد أهم أدوات السياسة الخارجية التونسية. فالسفارة والقنصلية والبعثة الاقتصادية ليست فقط أدوات لتمثيل الدولة. بل يمكن أن تصبح منصات للبحث عن المستثمرين، والتعريف بالمشاريع، وربط الشركات التونسية بنظيراتها الصينية، ومتابعة الاستثمارات بعد وصولها إلى تونس.
كما تحتاج تونس إلى استراتيجية واضحة تجاه الأقاليم الاقتصادية الصينية المختلفة.فالصين ليست كتلة اقتصادية واحدة. فهناك مدن ومقاطعات ومراكز صناعية متخصصة يمكن أن تكون لكل منها فرص مختلفة بالنسبة إلى تونس. وهنا تحتاج تونس إلى دبلوماسية اقتصادية أكثر تخصصا واستهدافًا.
لا بد من قطاع خاص تونسي حاضر
لا يمكن أن تبقى العلاقة الاقتصادية مع الصين علاقة بين الحكومات. الشركات التونسية يجب أن تكون في قلب المعادلة. وهذا يتطلب مساعدة المؤسسات الصغرى والمتوسطة على دخول السوق الصينية، وفهم متطلباتها، والبحث عن شركاء، والاستفادة من التجارة الإلكترونية، والمشاركة في المعارض والمنتديات الاقتصادية. كما يجب تشجيع الشركات التونسية على التفكير في إفريقيا نفسها. فالمشروع الحقيقي ليس فقط أن تأتي الشركة الصينية إلى تونس، وإنما أن تدخل معها شركات تونسية في سلاسل القيمة، ثم تنطلق المنتجات المشتركة نحو الأسواق الإفريقية.
المطلوب استراتيجية وطنية للصين
كل هذه العناصر تحتاج إلى إطار موحد. تونس بحاجة إلى استراتيجية وطنية واضحة تجاه الصين تمتد لسنوات، تحدد ما الذي نريد استقطابه؟ في أي قطاعات؟ وأين؟ وبأي شروط؟ وإلى أي أسواق ستتجه المنتجات؟
كما يجب أن تحدد هذه الاستراتيجية القطاعات التي تريد تونس أن تصبح فيها شريكًا للصين، لا مجرد مستورد.
الطاقة المتجددة، السيارات الكهربائية، الصناعات الإلكترونية، الصحة، الصناعات الدوائية، البنية التحتية، النقل، اللوجستيات، الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي يمكن أن تشكل محاور لهذه الاستراتيجية.
التوازن… مفتاح السياسة التونسية
الاستفادة من الصين لا تعني الابتعاد عن أوروبا. وهذه ربما أهم نقطة في السياسة التونسية تجاه بكين. تونس ليست مطالبة بالاختيار بين الشرق والغرب. يمكنها أن تكون شريكًا للصين وشريكًا لأوروبا، وأن تطور علاقاتها مع إفريقيا والعالم العربي وآسيا في الوقت نفسه.
المصلحة التونسية تقتضي تنويع الشركاء، لا استبدال شريك بآخر. وهذا يمنح تونس أيضًا قوة تفاوضية أكبر. كلما تعددت خيارات تونس، أصبحت قدرتها على التفاوض أفضل.
الصين فرصة… ولكنها ليست عصا سحرية
في النهاية، يجب تجنب المبالغة. الصين لن تحل وحدها مشاكل الاقتصاد التونسي. ولا يمكن للاستثمار الأجنبي أن يعوض الإصلاحات الداخلية. ولا يمكن للمشاريع الكبرى أن تنجح إذا لم تكن هناك حوكمة فعالة وشفافية وإدارة حديثة وقضاء اقتصادي سريع وبنية لوجستية تنافسية.
الصين يمكن أن تكون شريكا في التحول. لكن قرار التحول نفسه يجب أن يكون تونسيًا. وهنا ربما تكمن الخلاصة الأهم لهذا الملف كله: المشكلة ليست في أن الصين أصبحت قوية جدًا، بل في أن تونس لم تحدد بعد كيف تريد أن تستفيد من هذه القوة.
إذا نجحت تونس في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الشريك، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاستيراد إلى التصدير، ومن العلاقات السياسية إلى المشاريع الاقتصادية، فإن صعود الصين يمكن أن يصبح فرصة تاريخية جديدة.
أما إذا بقيت تونس تكتفي بمتابعة التحولات الدولية، فقد تتحول الفرصة إلى فرصة ضائعة.
(يتبع)
الفصل الأول (تم النشر)
من قرطاج إلى بكين… كيف تطورت العلاقات التونسية الصينية خلال ستين عاما؟
- البدايات الدبلوماسية
- لماذا كانت تونس من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالصين؟
- المراحل الكبرى للعلاقات
- أهم المشاريع الصينية في تونس
- تطور المبادلات التجارية
- الزيارات الرسمية
- أين تقف العلاقات اليوم؟
الفصل الثاني (تم النشر)
لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس؟
- موقع تونس في المتوسط
- مبادرة الحزام والطريق
- أهمية شمال إفريقيا
- الموانئ واللوجستيك
- الربط بين أوروبا وإفريقيا
- المنافسة مع أوروبا وأمريكا
الفصل الثالث (تم النشر)
خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية الصينية
- الطاقة
- السيارات الكهربائية
- البنية التحتية
- الذكاء الاصطناعي
- الاقتصاد الرقمي
- الصحة
- التعليم
- التكنولوجيا
الفصل الرابع (تم النشر)
تونس والصين وإفريقيا…هل تستطيع تونس أن تصبح منصة صينية نحو القارة؟
- اتفاقية التجارة القارية الإفريقية
- موقع تونس
- الشركات الصينية
- التمويل
- الصناعات الموجهة لإفريقيا
- الخدمات اللوجستية
- الموانئ
- المناطق الصناعية
الفصل الخامس (انظر أعلاه)
ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من صعود الصين؟
- الإصلاحات المطلوبة
- الاستثمار
- البحث العلمي
- الجامعات
- التكنولوجيا
- التمويل
- التصنيع
- الدبلوماسية الاقتصادية
خاتمة بعنوان: بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس أن تبني شراكة متوازنة مع الصين دون أن تخسر شركاءها التقليديين؟






