حامد بن إبراهيم استشاري علاقات دولية واستشراف 
*****
لم يعد استمرار ألمانيا في دعم أوكرانيا مجرد مسألة مرتبطة بالحرب الروسية-الأوكرانية أو بالتضامن مع كييف. فقد أصبح الموقف الألماني تجاه موسكو جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف موقع ألمانيا داخل أوروبا والنظام الغربي. والمقصود هنا إعادة بناء التوازن الأوروبي على أساس جديد: أوروبا أكثر تسلحاً، وأقل اعتماداً على روسيا، وأكثر استعداداً لتحمل مسؤولية أمنها، مع بقاء الارتباط بالولايات المتحدة من خلال الناتو كركنٍ أساسي في المعادلة.
من هذه الزاوية، يصعب تفسير الإصرار الألماني على مواصلة الدعم لأوكرانيا من المنظور الاقتصادي المباشر. فالصناعة الألمانية تواجه ضغوطاً كبيرة، من تراجع القدرة التنافسية للصناعات كثيفة الطاقة إلى أزمة صناعة السيارات تحت ضغط المنافسة الصينية والتحول التكنولوجي. كما أن انتهاء مرحلة الطاقة الروسية التنافسية رفع كلفة الإنتاج في قطاعات حساسة. ومع ذلك لم يؤدّ هذا الضغط إلى مراجعة جوهرية للسياسة تجاه روسيا.
وقراءة الابعاد الأكثر تحكما في المشهد السياسي الألماني تقودنا إلى أن موسكو لم تعد، في التصور الاستراتيجي الألماني، مجرد شريك تجاري يمكن أن تعامل معه اقتصادياً وتختلف معه سياسياً. وكل المؤشرات، المدعومة بتصريحات رسميّة، تفيد بأنّ المؤسسة السياسية والأمنية الألمانية تعتبر روسيا تحدياً مباشراً للنظام الأمني الأوروبي. ولذلك تحول السؤال من: كم ستكلّفنا القطيعة مع روسيا؟ إلى: ما تكلفة السماح لروسيا بإعادة رسم التوازن الأمني في أوروبا؟
هذه النقلة أساسية لفهم السياسة الألمانية. فالدولة يمكن أن تقبل خسارة اقتصادية إذا اعتقدت أن كلفة التراجع الاستراتيجي ستكون أكبر على المدى البعيد. ولذلك فإن دعم أوكرانيا لا يُنظر إليه في برلين باعتباره سياسة تجاه حرب محددة فقط، وإنما باعتباره جزءاً من صراع على شكل النظام الأوروبي الذي سيخرج من هذه الحرب.
لقد استفادت ألمانيا خلال عقود ما بعد الحرب الباردة من وضع استثنائي: مظلة أمنية أمريكية، وطاقة روسية رخيصة، وسوق صينية واسعة لصادراتها الصناعية. وأتاح ذلك لبرلين أن تكون قوة اقتصادية كبرى من دون أن تتحمل أعباء عسكرية تتناسب مع حجمها الاقتصادي. لكنّ الحرب الأوكرانية، ومعها التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، أظهرت أن هذه الصيغة لم تعد مضمونة.
وهنا تأتي إعادة التسلح كأحد أهم ملامح التحول. فقد كشفت الحرب نقصاً كبيراً في القدرات والمخزونات الأوروبية، وأظهرت أن أوروبا لا تستطيع الحديث عن الاستقلال الاستراتيجي من دون قاعدة صناعية عسكرية قادرة على إنتاج الذخائر والدفاع الجوي والطائرات المسيرة والصواريخ والإلكترونيات العسكرية. ولذلك أصبح الإنفاق الدفاعي جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء القوة الأوروبية، وليس مجرد استجابة مؤقتة للحرب.
وتكتسب المسألة بعداً اقتصادياً مهماً في الحالة الألمانية. فإعادة التسلح تخلق طلباً عاماً ضخماً على قطاعات صناعية وتكنولوجية يمكن أن تستفيد من الاستثمارات الحكومية. وهذا لا يعني أن «مجمع الصناعات العسكرية» هو الذي يقرر السياسة الخارجية، وإنما يظهر التقاطع بين الحاجة الأمنية والحاجة الصناعية؛ فالدولة تريد رفع قدراتها الدفاعية، والصناعة تبحث عن مجالات جديدة للنمو، وأوروبا عموما تريد تقليل اعتمادها العسكري على الولايات المتحدة.
ومن هنا يمكن فهم النقاش حول ما إذا كانت ألمانيا تبحث، جزئياً، عن نموذج صناعي جديد في وقت يتعرض فيه نموذج السيارات والتصدير لضغط متزايد. فالصين لم تعد مجرد سوق للسيارات والآلات الألمانية، وإنما أصبحت منافساً مباشراً لها. وإذا كانت صناعة السيارات قد مثّلت لعقود أحد أعمدة القوة الاقتصادية الألمانية، فإن التحول الجاري فيها يفرض على الدولة البحث عن قطاعات جديدة تستطيع استيعاب الاستثمار والتكنولوجيا والعمالة.
في هذا السياق يمكن أيضاً فهم التحول الذي طرأ على موقف تيار الخضر الألماني. فالصورة القديمة للخضر باعتبارهم حزباً مناصرا للسلام ونزع السلاح لم تعد كافية لفهم سياساتهم الحالية. فالتيار الجديد يربط بصورة متزايدة بين الأمن الأوروبي والاستقلال الطاقي والتحول المناخي. ومن وجهة نظره، لا يمثل التخلص من الاعتماد على الوقود الروسي سياسة بيئية فقط، وإنما جزءاً من تقليل نقاط الضعف الاستراتيجية أمام موسكو. وهكذا تلتقي أجندات كانت تبدو منفصلة؛ إذ تتداخل مواجهة روسيا مع تسريع التحول الطاقي وإعادة التسلح في توجه استراتيجي لا يستسيغه الناخب الألماني؛ لكنه متسق من وجهة نظر السياسيين. ولا تحتاج هذه المصالح إلى مركز واحد يديرها حتى تنصهر في سياسة متقاربة. فالمؤسسة الأمنية، والقطاع الدفاعي، والتيار الأطلسي، والقوى المؤيدة للتحول الأخضر، وقطاع صناعة الطاقات المتجددة، كلها تلتقي حول ضرورة مواصلة التصعيد مع روسيا، وإن كان لكل طرف أسبابه ودوافع الخاصة.
لكن هذه الحسابات تصطدم بصورة متزايدة بالاقتصاد السياسي الداخلي. فالدولة تنظر إلى دعم أوكرانيا وإعادة التسلح وتقليص الاعتماد على روسيا باعتبارها استثماراً في الأمن الأوروبي، بينما يختبر المواطن نتائجها من خلال الأسعار وفرص العمل ووضع الصناعة. هنا تحديداً تظهر الفجوة بين ما يمكن تسميته «منطق الدولة الاستراتيجي» و«منطق الناخب الاقتصادي».
وهذه الفجوة هي أحد مصادر قوة حزب البديل من أجل ألمانيا. فالحزب لا يقدم نفسه فقط كقوة احتجاج على الهجرة، وإنما يحاول بناء سردية متكاملة للأزمة (الطاقة الروسية كانت أرخص، الحرب والعقوبات رفعت التكاليف، التحول الأخضر يضغط على الصناعة، المنافسة الصينية تتزايد) فيما تستمر برلين في سياسة لا تعكس، وفق رؤيته، المصلحة الاقتصادية المباشرة لألمانيا.
وتصبح المسألة أكثر دلالة عندما يحقق الحزب نتائج انتخابية كبيرة (44 في المائة في مقاطعة ساكسن-آن هالت)، تشير إلى أن الاعتراض على المسار الذي تتبعه برلين لم يعد ظاهرة هامشية. والأهم أن حزب «البديل» يستطيع أن يربط بين السياسة الخارجية والاقتصاد الداخلي بطريقة يصعب على الأحزاب التقليدية تجاهلها، عندما يسأل عن جدوى تحمل ألمانيا كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة من أجل أهداف لا تظهر نتائجها المباشرة للناخب؟
وهنا تحديدا تظهر معضلة المستشار فريدريش ميرتس، إذ يتبنى سياسة دعم لأوكرانيا أصبحت غير شعبية، إلا أنها – حسب التفكير الاستراتيجي الرسمي- مهمّة في إطار قيادة انتقال ألمانيا من مرحلة ما بعد الحرب الباردة إلى مرحلة جديدة عنوانها الريادة في إعادة بناء هيكلة الأمن الأوروبي. وهذا الانتقال يتطلب إعادة التسلح، وتقليل الاعتماد على روسيا والصين، وتوسيع الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، وإعادة بناء قاعدة صناعية قادرة على دعم الطموحات الاستراتيجية الألمانية التي تصب في التخفيف من التبعية الأطلسية.
وهذا المشروع، الذي يُنظر اليه كقطيعة حِقَبيّة، لا يتحقق بمجرد تغيير أولويات الانفاق وتعديل الخطاب الجيوسياسي. فالدولة تستطيع أن تبرر التكاليف باسم الأمن، لكنها تحتاج في النهاية إلى اقتصاد قادر على تحملها. وإذا لم تنجح الاستثمارات الجديدة وإعادة التسلح والتحول الصناعي في خلق نمو وفرص عمل وقدرة تنافسية، فإن الفجوة بين الدولة والناخب ستزداد، وسيصبح الاعتراض على السياسة المتبعة تجاه روسيا وأوكرانيا جزءاً من اعتراض أوسع على النموذج الاقتصادي الجديد كله.
وهنا تكمن المفارقة. فالسياسة التي تتبناها برلين بهدف تقليل المخاطر الاستراتيجية قد تُنتج، إذا طال أمدها من دون مكاسب اقتصادية واضحة، الظروف السياسية التي تقوي القوى الرافضة لها. وكلما زادت كلفة الانتقال، أصبح من الأسهل على حزب «البديل» أن يدافع عن العودة إلى بعض عناصر النموذج القديم، وفي مقدمتها إعادة العلاقات الاقتصادية مع روسيا.
وفي المحصلة، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا تواصل ألمانيا دعم أوكرانيا رغم الكلفة؟ بل: هل تستطيع ألمانيا تحويل هذا التحول الجيوسياسي إلى مصدر لقوة اقتصادية جديدة؟ إذا نجحت في بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية ودفاعية قادرة على تمويل طموحاتها الأمنية، فقد يصبح الدعم لأوكرانيا وإعادة التسلح جزءاً من مشروع أوروبي جديد يعيد تعريف القوة الألمانية. أما إذا بقيت التكاليف واضحة بينما ظلت العوائد الاستراتيجية والاقتصادية مؤجلة أو غير مؤكدة، فسيتحول الصراع حول روسيا وأوكرانيا تدريجياً إلى صراع داخلي حول تعريف المصلحة الوطنية نفسها. عندها لن يكون التحدي أمام ميرتس فقط ضمان مقبوليّة مواصلة دعم أوكرانيا، وإنما إقناع الناخب الألماني بأن الخيار الاستراتيجي الذي يطلب منهم تحمل تبعاته يقود إلى جعل ألمانيا أكثر أمناً مع الحفاظ على قوتها الصناعية ومستوى معيشتها.
وختاما، لا شك أن المعادلة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، خاصة في زمن تراجعت فيه الموثوقية في الشريك الأمريكي وتهيكلت فيه أوراسيا استعدادا لمنافسة / مواجهة طويلة الأمد مع الغرب؛ وما الصراع الجاري حاليا بين طهران وواشنطن إلا عينة على حدتها.





