الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان“– كتب سفيان رجب 
“الشراكات الاقتصادية لا تقاس بحجم السفن التي تصل إلى الموانئ، بل بعدد المصانع التي تخرج منها.”
ففي كل دقيقة، تغادر خطوط الإنتاج الصينية آلاف السيارات الكهربائية، والبطاريات، والألواح الشمسية، والروبوتات الصناعية، والمعدات الطبية، متجهة إلى مختلف أنحاء العالم. ولم تعد عبارة “صنع في الصين” تعني المنتجات منخفضة الكلفة كما كان الحال قبل عشرين عاما، بل أصبحت تعني، في كثير من القطاعات، التكنولوجيا، والابتكار، وسرعة التصنيع، والقدرة على المنافسة العالمية.
في المقابل، تبحث تونس منذ سنوات عن نموذج اقتصادي جديد، قادر على تجاوز حدود النمو التقليدي القائم على الاستهلاك والخدمات، والانتقال نحو اقتصاد أكثر إنتاجية، وأكثر اندماجا في سلاسل القيمة العالمية.
وهنا يلتقي المساران.
فالسؤال لم يعد: كم تستورد تونس من الصين؟ بل أصبح: ماذا تستطيع تونس أن تنتج مع الصين؟
ذلك هو الفارق بين علاقة تجارية تنتهي عند الميناء، وشراكة صناعية تبدأ من المصنع وتمتد إلى البحث العلمي، والتكوين، والتصدير، ونقل التكنولوجيا.
ومن هذا المنطلق، لا تبدو جميع القطاعات متساوية في قدرتها على إحداث نقلة نوعية. فهناك خمسة مجالات تمتلك، إذا توفرت الرؤية والإرادة، القدرة على تحويل العلاقات التونسية–الصينية من علاقة مستورد ومصدر إلى شراكة إنتاجية حقيقية.
أولا: الطاقات المتجددة… الشمس التي لم تستثمر بعد
إذا كانت الصين اليوم أكبر منتج في العالم للألواح الشمسية، والبطاريات، ومعدات الطاقة النظيفة، فإن تونس تمتلك في المقابل واحدا من أعلى معدلات الإشعاع الشمسي في حوض المتوسط، إضافة إلى إمكانات واعدة في طاقة الرياح.
المفارقة أن هذه الميزات الطبيعية لم تتحول بعد إلى صناعة وطنية حقيقية.
بدلا من الاكتفاء باستيراد التجهيزات، يمكن لتونس أن تستهدف تصنيع جزء منها محليا، بالشراكة مع شركات صينية، بما يخلق مواطن شغل، ويخفض كلفة المشاريع، ويحول البلاد إلى منصة للتصدير نحو إفريقيا.
فالعالم يعيش اليوم سباقا على الاقتصاد الأخضر، ومن يتأخر في بناء هذه الصناعات قد يجد نفسه مستهلكا دائما لتكنولوجيا ينتجها الآخرون.
ثانيا: السيارات الكهربائية… الثورة الصناعية الجديدة
قبل سنوات قليلة، كان الحديث عن السيارات الكهربائية يبدو أقرب إلى المستقبل. أما اليوم، فقد أصبحت الصين تقود هذا القطاع عالميا، سواء في تصنيع السيارات أو البطاريات أو المكونات الإلكترونية.
وبالنسبة لتونس، فإن الفرصة لا تكمن في تجميع السيارات فقط، بل في الاندماج في سلسلة الإنتاج، من خلال تصنيع الأسلاك الكهربائية، والمكونات الإلكترونية، والبرمجيات، وأنظمة التحكم، وهي قطاعات تمتلك فيها المؤسسات التونسية خبرة يمكن البناء عليها.
إن نجاح تونس في استقطاب استثمار صيني واحد كبير في هذا المجال قد يغير موقعها الصناعي في المنطقة بأكملها.
ثالثا: الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي… الاستثمار في العقول
لم تعد الثروة تقاس فقط بالمصانع، بل أيضا بالخوارزميات، والبيانات، والابتكار.
وتملك تونس رصيدا مهما من المهندسين وخريجي الجامعات في مجالات تكنولوجيا المعلومات، في حين تستثمر الصين مليارات الدولارات سنويا في الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والاتصالات.
السؤال المطروح هنا ليس: هل تستطيع تونس منافسة الصين؟
بل: هل تستطيع أن تصبح شريكا في بعض حلقات هذه المنظومة، من خلال مراكز تطوير البرمجيات، والبحث، والخدمات الرقمية الموجهة للأسواق الإفريقية والأوروبية؟
رابعا: البنية التحتية واللوجستيك… عندما تصبح الجغرافيا صناعة
لا يمكن لأي دولة أن تتحول إلى منصة اقتصادية إذا كانت موانئها، وطرقها، ومناطقها الصناعية، لا تواكب حركة التجارة الحديثة.
وتملك الصين خبرة واسعة في تطوير الموانئ، والسكك الحديدية، والمناطق اللوجستية، وهي خبرة يمكن أن تستفيد منها تونس، شريطة أن تكون المشاريع جزءا من رؤية وطنية واضحة، لا مجرد مشاريع متفرقة.
فالميناء ليس مجرد رصيف لاستقبال السفن، بل نقطة انطلاق لسلاسل إنتاج وتصدير تمتد إلى الداخل وإلى الأسواق المجاورة.
خامسا: الصحة والصناعات الدوائية… شراكة تتجاوز العلاج
عرف التونسيون الصين، منذ عقود، من خلال الفرق الطبية التي عملت في عدد من الجهات، لكن التعاون الصحي يمكن أن يأخذ اليوم بعدا مختلفا.
فالصين أصبحت من كبار منتجي المعدات الطبية، والتجهيزات المخبرية، وبعض الأدوية واللقاحات، بينما تمتلك تونس قاعدة صناعية دوائية وخبرات بشرية معترف بها في المنطقة.
ويمكن لشراكات مدروسة في هذا المجال أن تفتح الباب أمام تصنيع مشترك، وتطوير البحث، وتوسيع الصادرات نحو الأسواق الإفريقية.
الخلاصة… الفرصة موجودة، لكن النجاح ليس مضمونا
ليست المشكلة أن تونس تفتقر إلى القطاعات الواعدة، ولا أن الصين تفتقر إلى الإمكانات المالية والتكنولوجية. المشكلة الحقيقية هي القدرة على تحويل نقاط القوة النظرية إلى مشاريع ملموسة. فالفرص لا تتحول وحدها إلى استثمارات، ولا تتحول الاتفاقيات وحدها إلى مصانع، ولا تتحول الجغرافيا وحدها إلى تنمية. وإذا كانت العقود الستة الماضية قد بنت جسورا سياسية متينة بين تونس والصين، فإن العقد القادم سيكون امتحانا لقدرة البلدين على بناء جسور اقتصادية أكثر عمقا، تقوم على الإنتاج، والابتكار، ونقل المعرفة.
لكن يبقى سؤال أكبر يفرض نفسه: هل يمكن أن تتجاوز الشراكة التونسية–الصينية حدود السوق التونسية، لتجعل من تونس بوابة نحو واحدة من أسرع المناطق نموا في العالم… القارة الإفريقية؟
الفصل الأول
من قرطاج إلى بكين… كيف تطورت العلاقات التونسية الصينية خلال ستين عاما؟ (تم النشر)
- البدايات الدبلوماسية
- لماذا كانت تونس من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالصين؟
- المراحل الكبرى للعلاقات
- أهم المشاريع الصينية في تونس
- تطور المبادلات التجارية
- الزيارات الرسمية
- أين تقف العلاقات اليوم؟
الفصل الثاني
لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس (تم النشر)
- موقع تونس في المتوسط
- مبادرة الحزام والطريق
- أهمية شمال إفريقيا
- الموانئ واللوجستيك
- الربط بين أوروبا وإفريقيا
- المنافسة مع أوروبا وأمريكا
الفصل الثالث
خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية الصينية (نشر أعلاه)
- الطاقة
- السيارات الكهربائية
- البنية التحتية
- الذكاء الاصطناعي
- الاقتصاد الرقمي
- الصحة
- التعليم
- التكنولوجيا
الفصل الرابع
تونس والصين وإفريقيا…هل تستطيع تونس أن تصبح منصة صينية نحو القارة؟
- اتفاقية التجارة القارية الإفريقية
- موقع تونس
- الشركات الصينية
- التمويل
- الصناعات الموجهة لإفريقيا
- الخدمات اللوجستية
- الموانئ
- المناطق الصناعية
الفصل الخامس
ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من صعود الصين؟
- الإصلاحات المطلوبة
- الاستثمار
- البحث العلمي
- الجامعات
- التكنولوجيا
- التمويل
- التصنيع
- الدبلوماسية الاقتصادية
خاتمة: بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس أن تبني شراكة متوازنة مع الصين دون أن تخسر شركاءها التقليديين؟






