أراء

العلاقات التونسية – الصينية من طريق الحرير إلى اقتصاد المستقبل (1)

 

الملفات الاستراتيجية لـ “لوبوان”- كتب سفيان رجب

الفصل الأول

من قرطاج إلى بكين… كيف تطورت العلاقات التونسية الصينية خلال ستين عاما؟

  • البدايات الدبلوماسية
  • لماذا كانت تونس من أوائل الدول العربية التي اعترفت بالصين؟
  • المراحل الكبرى للعلاقات
  • أهم المشاريع الصينية في تونس
  • تطور المبادلات التجارية
  • الزيارات الرسمية
  • أين تقف العلاقات اليوم؟

الفصل الثاني

لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس؟

  • موقع تونس في المتوسط
  • مبادرة الحزام والطريق
  • أهمية شمال إفريقيا
  • الموانئ واللوجستيك
  • الربط بين أوروبا وإفريقيا
  • المنافسة مع أوروبا وأمريكا

الفصل الثالث

خمسة قطاعات يمكن أن تغير مستقبل الشراكة التونسية الصينية

  • الطاقة
  • السيارات الكهربائية
  • البنية التحتية
  • الذكاء الاصطناعي
  • الاقتصاد الرقمي
  • الصحة
  • التعليم
  • التكنولوجيا

الفصل الرابع

تونس والصين وإفريقيا…هل تستطيع تونس أن تصبح منصة صينية نحو القارة؟

  • اتفاقية التجارة القارية الإفريقية
  • موقع تونس
  • الشركات الصينية
  • التمويل
  • الصناعات الموجهة لإفريقيا
  • الخدمات اللوجستية
  • الموانئ
  • المناطق الصناعية

الفصل الخامس

ما الذي يجب أن تفعله تونس حتى تستفيد من صعود الصين؟

  • الإصلاحات المطلوبة
  • الاستثمار
  • البحث العلمي
  • الجامعات
  • التكنولوجيا
  • التمويل
  • التصنيع
  • الدبلوماسية الاقتصادية

خاتمة : بين الشرق والغرب… هل تستطيع تونس أن تبني شراكة متوازنة مع الصين دون أن تخسر شركاءها التقليديين؟

مقدمة

في الوقت الذي تتسابق فيه الدول لإعادة رسم خرائط تحالفاتها الاقتصادية، لم تعد العلاقات الدولية تقاس فقط بميزان السياسة أو الدبلوماسية، بل أصبحت تقاس بقدرة كل دولة على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، واستقطاب الاستثمارات، ونقل التكنولوجيا، وتأمين موقع لها داخل الاقتصاد الجديد الذي يتشكل أمام أعيننا.

وفي قلب هذه التحولات، تبرز الصين باعتبارها أحد أهم الفاعلين في القرن الحادي والعشرين. فمن دولة كانت، قبل ستة عقود، تعاني العزلة الدولية وضعف الإمكانات الاقتصادية، أصبحت اليوم أكبر قوة صناعية في العالم، وثاني أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة، والشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، وصاحبة واحدة من أضخم المبادرات الاقتصادية في التاريخ الحديث، وهي مبادرة “الحزام والطريق”، التي أعادت إحياء فكرة طريق الحرير بصيغة تناسب عالم الموانئ الذكية، والقطارات فائقة السرعة، والاقتصاد الرقمي.

في المقابل، تقف تونس اليوم أمام تحديات اقتصادية غير مسبوقة. فتباطؤ النمو، وارتفاع المديونية، وتراجع الاستثمار، واتساع العجز التجاري، كلها مؤشرات تدفع إلى البحث عن مقاربات جديدة للتنمية، تقوم على تنويع الشركاء الاقتصاديين، واستقطاب الاستثمارات المنتجة، والانخراط بصورة أكثر فاعلية في الاقتصاد العالمي.

ومن هنا تكتسب العلاقات التونسية-الصينية أهمية متزايدة. فهذه العلاقة ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تعود إلى أكثر من ستين عاما من التعاون السياسي والدبلوماسي، تميزت بالاستقرار والاحترام المتبادل، لكنها لم ترتق، إلى اليوم، إلى مستوى الإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها البلدان.

لقد كانت تونس من أوائل الدول العربية والإفريقية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية سنة 1964، في وقت كانت فيه بكين لا تزال بعيدة عن المكانة الدولية التي تتمتع بها اليوم. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعرف العلاقات الثنائية أزمات سياسية تذكر، وتعزز التعاون في مجالات الصحة، والتعليم، والثقافة، والبنية التحتية، قبل أن يبدأ البعد الاقتصادي يفرض نفسه تدريجيا مع صعود الصين كقوة عالمية.

غير أن المفارقة اللافتة تتمثل في أن هذا الرصيد السياسي لم يتحول بالسرعة نفسها إلى شراكة اقتصادية استراتيجية. فبينما أصبحت الصين المستثمر الأول أو الشريك التجاري الأكبر لعدد متزايد من الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، بقي حضورها في الاقتصاد التونسي دون ما تسمح به الإمكانات المتاحة، سواء من حيث الاستثمار المباشر، أو التصنيع، أو نقل التكنولوجيا، أو الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

ولا يتعلق الأمر بغياب الإرادة السياسية فحسب، بل أيضا بتغير قواعد الاقتصاد الدولي. فالصين اليوم ليست الصين التي أقامت تونس معها علاقات دبلوماسية في ستينيات القرن الماضي، كما أن تونس تواجه تحديات تختلف جذريا عن تلك التي عرفتها عند الاستقلال. وبين هذين التحولين، نشأت أسئلة جديدة حول طبيعة الشراكة الممكنة، وحول قدرة البلدين على الانتقال من منطق المبادلات التجارية التقليدية إلى منطق الإنتاج المشترك والاستثمار طويل المدى.

ولعل أبرز ما يميز المرحلة الراهنة أن بكين لم تعد تبحث فقط عن أسواق لتصريف منتجاتها، بل عن شركاء قادرين على الاندماج في شبكاتها الصناعية واللوجستية والتكنولوجية، في إطار رؤية عالمية تقوم على الربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. وفي المقابل، لم يعد يكفي بالنسبة لتونس أن تنوع مورديها أو مصادر تمويلها، بل أصبحت مطالبة ببناء نموذج اقتصادي جديد يجعلها أكثر قدرة على جذب المشاريع ذات القيمة المضافة العالية.

من هنا، لا يهدف هذا الملف إلى سرد تاريخ العلاقات الثنائية، بقدر ما يسعى إلى الإجابة عن سؤال محوري:

هل تستطيع تونس أن تحول علاقتها بالصين من صداقة دبلوماسية عمرها أكثر من ستة عقود إلى شراكة اقتصادية تساهم في إعادة بناء اقتصادها وتعزيز موقعها داخل الفضاء المتوسطي والإفريقي؟

للإجابة عن هذا السؤال، سنعود في هذا الفصل إلى الجذور التاريخية للعلاقات بين البلدين، ثم نتتبع مسار تطورها، قبل أن نستعرض في الفصول اللاحقة التحولات التي عرفها الاقتصاد الصيني، والفرص التي يمكن أن تتيحها هذه القوة الاقتصادية الصاعدة لتونس، وصولا إلى تقييم واقعي لما ينبغي القيام به إذا أرادت البلاد أن تستفيد من إحدى أهم التحولات الجيو-اقتصادية في القرن الحادي والعشرين.

لماذا يبدأ هذا الملف من التاريخ؟

لأن فهم الحاضر لا يكون ممكنا دون قراءة دقيقة للماضي. فالعلاقات التونسية-الصينية لم تولد مع مبادرة “الحزام والطريق”، ولا مع المشاريع الاستثمارية الحديثة، بل تأسست في مرحلة كان العالم يعيش انقساما حادا بين الشرق والغرب، واختارت فيها تونس أن تنتهج دبلوماسية تقوم على الانفتاح وتعدد الشركاء.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف اتخذت تونس هذا القرار في سياق دولي بالغ التعقيد؟ ولماذا كانت من أوائل الدول العربية والإفريقية التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية؟

ذلك ما سنجيب عنه في المحور الأول من هذا الفصل.

 

الفصل الأول

1964… عندما اختارت تونس بكين قبل أن تصبح قوة عالمية.. قرار دبلوماسي سابق لعصره أم رهان على المستقبل؟

 

في الرابع والعشرين من جانفي 1964، أعلنت تونس وجمهورية الصين الشعبية إقامة علاقات دبلوماسية رسمية، في خطوة بدت آنذاك اعتيادية في ظاهرها، لكنها كانت، في واقع الأمر، تعكس قراءة سياسية بعيدة المدى لتحولات النظام الدولي.

في ذلك الوقت، لم تكن الصين تمتلك ما يجعلها شريكا اقتصاديا مغريا. لم تكن “مصنع العالم”، ولم تكن ثاني أكبر اقتصاد على وجه الأرض، ولم تكن شركاتها العملاقة تنافس في مجالات الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والاتصالات. بل كانت دولة لا تزال تواجه تحديات التنمية، وتعاني عزلة نسبية في جزء مهم من الساحة الدولية، فيما ظل مقعد الصين في الأمم المتحدة تشغله حكومة تايوان حتى سنة 1971.

أما تونس، التي لم يمض على استقلالها سوى ثماني سنوات، فكانت بدورها تخوض معركة بناء الدولة الحديثة، وتضع أسس اقتصادها الوطني، وتسعى إلى ترسيخ حضورها الدبلوماسي في عالم تحكمه ثنائية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

وسط هذا المشهد المعقد، لم تختر تونس سياسة الاصطفاف، بل انتهجت، بقيادة الرئيس الحبيب بورقيبة، دبلوماسية تقوم على تنويع الشركاء والحفاظ على استقلالية القرار الوطني. فقد أدركت الدولة الفتية أن موقعها الجغرافي المحدود لا يمنعها من لعب دور دبلوماسي يفوق حجمها، إذا أحسنت إدارة علاقاتها مع مختلف القوى الدولية.

ومن هذا المنطلق، جاء الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية ليعكس رؤية سياسية أكثر منه رهانا اقتصاديا. فالعلاقات بين البلدين لم تبن على تقارب أيديولوجي، إذ كان لكل منهما نظامه السياسي وخياراته الاقتصادية المختلفة، وإنما على قناعة مشتركة بأهمية الحوار واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهي المبادئ التي ستصبح لاحقا من الثوابت التي حكمت العلاقات الثنائية.

دبلوماسية صغيرة… برؤية كبيرة

قد يبدو اليوم من البديهي أن تقيم كل دولة علاقات مع الصين، لكن في ستينيات القرن الماضي كان الأمر مختلفا تماما. فقد كانت بكين لا تزال تخوض معركة الاعتراف الدولي، وكانت كثير من العواصم تتردد في التعامل معها بسبب التوازنات التي فرضتها الحرب الباردة.

هنا برزت خصوصية الدبلوماسية التونسية، التي حاولت منذ السنوات الأولى للاستقلال أن تحافظ على هامش من الحركة بين مختلف مراكز القوة، دون أن تدخل في سياسة القطيعة مع أي طرف. فقد حافظت تونس على علاقاتها الوثيقة مع أوروبا والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه انفتحت على العالم العربي وإفريقيا وآسيا، واضعة المصلحة الوطنية فوق منطق الاستقطاب.

ولذلك لم يكن الاعتراف بالصين موجها ضد الغرب، كما لم يكن محاولة للالتحاق بالمعسكر الشرقي، بل كان تعبيرا عن فلسفة سياسية مفادها أن الدولة الصغيرة تكسب كلما وسعت دائرة شركائها، وقلصت من اعتمادها على طرف واحد.

الصين… قبل أن تصبح الصين التي نعرفها

لفهم أهمية ذلك القرار، يجب أن نتذكر أن الصين سنة 1964 تختلف جذريا عن الصين الحالية. فقد كان اقتصادها يعتمد أساسا على الزراعة والصناعات التقليدية، وكان دخل الفرد من بين الأدنى عالميا، بينما كانت البلاد لا تزال تعيد بناء مؤسساتها بعد سنوات من الاضطرابات الاقتصادية والسياسية.

لكن رغم هذه الظروف، امتلكت القيادة الصينية رؤية طويلة المدى تقوم على استعادة مكانة البلاد تدريجيا في النظام الدولي. ولم يكن الهدف مجرد كسب اعتراف دبلوماسي، بل بناء شبكة واسعة من العلاقات مع الدول حديثة الاستقلال في آسيا وإفريقيا، تمهيدا لدور دولي أكبر.

وقد وجدت بكين في تونس شريكا يتمتع بسمعة جيدة داخل القارة الإفريقية والعالم العربي، كما رأت فيها دولة تعتمد خطابا معتدلا وتحظى بعلاقات متوازنة مع مختلف القوى، وهو ما منح العلاقة منذ بدايتها طابعا مستقرا بعيدا عن التوترات التي شهدتها علاقات الصين مع بعض الدول الأخرى.

رصيد سياسي… لم يتحول بعد إلى قوة اقتصادية

على امتداد العقود الستة الماضية، حافظ البلدان على مستوى عال من الاستقرار السياسي في علاقاتهما. فلم تعرف هذه العلاقة أزمات دبلوماسية حادة، واستمر التعاون في مجالات متعددة، من إرسال الفرق الطبية الصينية إلى تونس، إلى تنفيذ مشاريع في البنية التحتية، مرورا بالتعاون الثقافي والتعليمي.

غير أن هذا النجاح السياسي لم يواكبه بالقدر نفسه نجاح اقتصادي. فبينما كانت الصين تتحول تدريجيا إلى ورشة العالم، بقيت العلاقات الاقتصادية مع تونس تنمو بوتيرة أبطأ مقارنة بما حققته بكين مع عدد من الدول الإفريقية والمتوسطية.

وهنا تبرز أولى مفارقات هذا الملف، لقد سبقت تونس كثيرا من الدول في بناء علاقة سياسية مع الصين، لكنها لم تكن من أوائل الدول التي استفادت اقتصاديا من صعودها.

وهذا يقودنا إلى السؤال الذي سيشكل محور الفصل القادم: كيف تحولت الصين، خلال أقل من نصف قرن، من اقتصاد محدود الإمكانات إلى القوة الصناعية الأولى في العالم؟ ولماذا لم تستثمر تونس هذا التحول بالسرعة نفسها التي فعلتها دول مثل المغرب ومصر والجزائر؟

(يتبع) في الجزء الثاني:” لماذا أصبحت الصين مهتمة بتونس؟”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى