لوبوان-ريم بالخذيري
تمر البشرية اليوم بإحدى أكثر المراحل حساسية منذ نهاية الحرب الباردة. فالمشهد الدولي لا يشهد مجرد أزمات متفرقة، بل يعيش إعادة صياغة شاملة لموازين القوة والنفوذ والاقتصاد. فمن الشرق الأوسط إلى الخليج العربي، ومن أوروبا إلى الولايات المتحدة، تتشكل تحالفات جديدة، وتُراجع العقائد الاستراتيجية، وتُعاد هندسة طرق التجارة والطاقة والتكنولوجيا والأمن، استعدادًا لمرحلة مختلفة قد تمتد آثارها لعقود.
وفي مثل هذه المنعطفات التاريخية، لا تقيس الدول نجاحها بحجم الجدل الداخلي، بل بقدرتها على قراءة التحولات قبل وقوعها، وصياغة سياسات تجعلها جزءًا من المستقبل، لا مجرد متلقية لنتائجه. فالأمم التي تحسن استثمار اللحظات المفصلية هي التي تتحول إلى مراكز تأثير، أما التي تنشغل بنفسها طويلًا فتفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير في محيطها.
أما في تونس، فما يزال جزء كبير من النقاش العام يدور داخل دائرة محلية ضيقة، تُستهلك فيها الطاقات في استقطابات سياسية وإعلامية لا تنتج مشروعًا اقتصاديًا، ولا رؤية استراتيجية، ولا تصورًا واضحًا لموقع البلاد داخل النظام الإقليمي والدولي الذي يتشكل أمام أعيننا.
إن أخطر ما يمكن أن تعيشه أي دولة ليس الاختلاف في حد ذاته، فالاختلاف سنة من سنن المجتمعات الحية، وإنما أن يتحول الانقسام إلى حالة دائمة تعطل التفكير الجماعي، وتستنزف مؤسسات الدولة، وتجعل إدارة الخلاف غاية في حد ذاتها بدل أن تكون وسيلة للوصول إلى حلول.
فعندما يصبح الانقسام هو المشهد، تضيق مساحة الحوار، وتتراجع ثقافة التوافق، وتُستهلك الطاقات في معارك داخلية، بينما تتحرك الأمم الأخرى نحو المستقبل بخطط واضحة واستثمارات وتحالفات ورؤى بعيدة المدى. وفي تلك اللحظة، لا تخسر الدولة وقتها فقط، بل تخسر أيضًا قدرتها على التموقع داخل عالم لا ينتظر المترددين.
وتونس ليست دولة هامشية حتى تقبل بهذا الدور. فهي تتوسط البحر الأبيض المتوسط، وتمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، ورصيدًا حضاريًا وإنسانيًا وعلميًا يجعلها قادرة، إذا أحسنت إدارة مواردها ورؤيتها، على أن تكون حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.
غير أن الجغرافيا وحدها لا تصنع المكانة، والتاريخ وحده لا يحمي المستقبل. فالمكانة تُبنى بالمؤسسات القوية، والاقتصاد المنتج، والدبلوماسية الفاعلة، والاستقرار السياسي، والقدرة على تحويل التحديات العالمية إلى فرص وطنية.
إن المرحلة المقبلة تفرض على تونس أن ترتقي بنقاشها الوطني من إدارة التفاصيل اليومية إلى التفكير في الأسئلة الكبرى: كيف نعزز تنافسية اقتصادنا؟ كيف نستثمر موقعنا الاستراتيجي؟ كيف نواكب التحولات في الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي؟ وكيف نصنع شراكات تحقق المصلحة الوطنية في عالم يعيد توزيع النفوذ والثروة؟
فالدول التي تصنع مستقبلها هي تلك التي تعرف متى تتجاوز خلافاتها، ومتى توحد جهودها حول الأولويات الوطنية. أما الدول التي تجعل الانقسام أسلوبًا دائمًا للحياة العامة، فإنها تمنح الآخرين فرصة رسم مستقبلها بدل أن ترسمه بنفسها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يحتل صدارة النقاش في تونس اليوم:
هل نريد أن نبقى أسرى صراعاتنا الداخلية، أم نريد أن نكون جزءًا من العالم الذي يعيد كتابة تاريخه من جديد؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يليق بجوهرة المتوسط





