أراء

اللاقراءة (3): الرأي العام بين قدسيّة الوقائع وصناعة المعنى

«الرأي العام هو نتاج تفاعلات معقدة بين الوقائع والخطابات والمؤسسات المؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي»

«قدرة الرأي العام على التأثير، لا تعني بالضرورة أنه يتحرك بصورة مستقلة عن مراكز القوة والنفوذ»

 

حامد بن ابراهيم

أثيرت في الفترة الأخيرة، إشكالية سكوت كتّاب الافتتاحيات في عديد الصحف العربية، عن قضايا ساخنة مثل غزة ولبنان. الصمت، يخيّم رغم ارتباط الملفات الوثيق بالأمن القومي العربي والإسلامي؛ بل تتجاوز القضايا السّياق الإقليمي، لتمّس أبعادًا أخلاقيّة وإنسانية عامة. وفي محاولة سابقة لصياغةٍ مفهوميّة لغياب الاهتمام والتّناول، أو تعمد هيئات التحرير مقاطعة المواضيع، استعملتُ في مقالٍ سابق* لفظة: «اللاقراءة».

وتمت الإشارة إلى ارتباط الفكرة، بمفهوم «ما بعد الحقيقة»(Post Truth)، الذي ترسّخ نسبيًا في علم الاجتماع السياسي منذ بداية التسعينات واستقر مع البريكست. وبناء على تقييمٍ للترجمة في الألمانية (Postfaktisch)، استقر الرأي على تفضيل استعمال تعبير: «ما بعد المُعطَى»، تماشيا مع اللفظ الألماني، لأنّه يوصل المعنى المقصود بأكثر دقّة. فأصل الفكرة، يقوم على تجاهل الوقائع والمعطيات في تناول الشأن السياسي العام، أكثر من نكران حقيقة مسلَّم بها.

وترتبط المفاهيم المشار إليها آنفًا، بتكوين الفكرة وبكيفية التعامل مع الحدث، وبآليّات التثبت من «الحق والباطل»، كأساسٍ لتكوين الرأي. وينقلنا هذا، إلى موضوع الحال وللتساؤل التّالي: ما مدى ارتباط الرأي العام بكيفية رؤية واستيعاب الوقائع في علاقة بصناعة المعنى؟

بتأمّل مفهوم الرأي العام عبر اللّغات، نجد أنّ جذوره الالسنيّة تعكس طريقة تفكير المجتمعات وفهمها لعملية التعبير عن الرّأي. ففي العربية، كلمة «رأي» مشتقة من الجذر (ر-أ-ى)، أي الرؤية والملاحظة. هنا، يقوم الرأي على الإدراك الحسي والمعرفي قبل أيّ فعل. الجذر اللغوي يفترض أن المجتمعات العربية لها قدرة على إنتاج رؤية جماعية فاعلة، مبنية على الملموس المدرك بالحواس. لكنّ الواقع يكشف مفارقة لافتة، إذ كثيرًا ما تبقى المجتمعات في حالة انتظار سلبية تجاه قضايا حارقة. ردُ الفعل الجماعي الغالب، ينحصر في مراقبة الأحداث والتعليق عليها، ولا يرقى إلى الانخراط في فعل جماعي منظم. هذه السلبية، تجعل المجتمعات العربية، خلال أوقات النّزاعات، عرضة أكثر من غيرها للتّأثُّر بالتلاعب الإعلامي والحروب النفسية.

وعلى النقيض، تعود كلمة Opinion في الإنجليزية والفرنسية إلى جذور لاتينية، تحيل إلى الاعتقاد والاقتناع. وفي الألمانيّة، ترتبط كلمة Meinung بالفعل meinen ، الذي يعني «القَصد» وإبداء الموقف. وفي هذه الدلالات، يظهر الرأي بوصفه عملية ذهنية، تقود إلى اتخاذ موقف كمقدّمة للفعل. وهذه البنية المفهومية تجد ترجمتها، بدرجات متفاوتة، في العديد من التجارب الغربية، حيث يتحول الرأي العام إلى قوة ضغط واحتجاج، وآلية سياسية قادرة على التأثير في القرارات العامة.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، ما شهدته الولايات المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، من تصاعد الانقسامات السياسية والاحتجاجات الشعبية، تجاه سياسات الإدارة الأمريكية في ملفات داخلية وخارجية. فقد برزت حركات احتجاجية واسعة، أعادت التأكيد على قدرة الرأي العام، عندما يتنظم ويتراكم، على فرض حدود معينة على السلطة التنفيذية؛ والتأثير في النقاش السياسي الوطني.

وفي السياق نفسه، يمكن ملاحظة التحولات التي عرفها الرأي العام الغربي تجاه «إسرائيل» بعد السابع من أكتوبر. ففي البداية برزت موجة دعم واسعة، انطلاقًا من اعتبارات سياسية وقِيَمية مرتبطة بالتحالفات التقليدية الغربية. غير أن، اتساع حجم الدمار والخسائر البشرية في غزة، وتزايد الصور والشهادات المتداولة عالميًا، دفع لاتساع قطاعات الرأي العام التي تعيد النظر في مواقفها، وظهرت موجات احتجاج وانتقادات متزايدة للسياسات العسكرية الإسرائيلية. ويعكس ذلك، قدرة قسم من المجتمع (على الأقل غير المتطرّف) على إعادة تأويل الوقائع الجارية ومراجعة الموقف، مراعاةً لتغير المعطيات.

غير أنّ، تكوين الرأي العام، لا يرتبط فقط بالألفاظ أو بالأصول اللغوية للمفاهيم، بل كذلك بالسّرديات التي تمنح الوقائع معناها داخل المجال العام. فحسب مقاربات علم الخطاب، لا تتحول الأحداث إلى مواقف سياسية بصورة آلية، بل تمرّ عبر عمليات تأطير وتأويلٍ مستمرة، تقوم بها المؤسسات الإعلامية والسياسية والثقافية. فالواقعة الواحدة، يمكن أن تُقدَّم كقضية أمنية أو إنسانية أو أخلاقية أو قانونية؛ وهو ما ينعكس مباشرة على طبيعة استجابة الجمهور لها. ومن هنا، فإن أزمة «ما بعد الحقيقة» (أو ما بعد المعطى) لا تعني فقط تراجع مكانة الوقائع، بل تعني أيضًا احتدام الصراع حول تفسير تلك الوقائع، والتنافس على تحديد معناها داخل الفضاء العام.

وقدرة الرأي العام على التأثير، لا تعني بالضرورة أنه يتحرك بصورة مستقلة عن مراكز القوة والنفوذ. فقد بيّن كتاب «صناعة القبول» (Manufacturing Consent) للمفكر واللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، أن وسائل الإعلام الكبرى لا تكتفي بنقل الأخبار، بل تساهم أيضًا في تحديد أولويات النقاش العام، ورسم حدود المقبول والمرفوض سياسيًا.

ومن هذا المنظور، فإن الرأي العام ليس معطىً طبيعيًا خالصًا، بل هو نتاج تفاعلات معقدة بين الوقائع والخطابات والمؤسسات المؤثرة في تشكيل الوعي الجماعي. ولذلك، فإن معركة «ما بعد الحقيقة» لا تتعلق فقط بإخفاء الوقائع أو تجاهلها، وإنما كذلك بالسيطرة على طرق عرضها وتأويلها، وإنتاج المعنى المرتبط بها.

هذه الديناميكية، تعطي رؤية أوضح للفوارق بين المجتمعات. ففي العديد من الديمقراطيات الغربية، توجد آليات مؤسساتية وإعلامية ومدنية تسمح للرأي العام بالتعبير عن نفسه، وتحويل مواقفه إلى ضغط سياسي ملموس؛ وإن ظل ذلك، خاضعًا بدوره لتوازنات القوة والنفوذ.

أما في المنطقة العربية، فعلى الرغم من وجود قدرة كبيرة على الإدراك والملاحظة والتفاعل العاطفي مع الأحداث، فإن غياب قنوات الفعل الجماعي الفاعلة (أو بإضعاف دورها واستبدالها بقنوات الحراك القطاعي)، يجعل الرأي العام، في كثير من الأحيان، أقل قدرة على التأثير المباشر في السياسات العامة، وأكثر عرضة لعمليات التوجيه والتلاعب الإعلامي. والمجتمعات التي تمتلك فضاءات عمومية نشطة، ومؤسسات وسيطة فعالة، تكون أكثر قدرة على امتصاص الضغوط الخارجية والتأثير في مجريات الأحداث؛ بينما تواجه المجتمعات التي يغلب عليها منطق الانتظار، أكثر صعوبة في التكيف مع التحولات المتتالية، التي تستنزف أحيانا طاقة الاستيعاب والتفاعل.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمعات المعاصرة، لا يكمن فقط في امتلاك المعلومات أو الوصول إلى الوقائع، بل في بناء فضاء عمومي قادر على مناقشتها بصورة نقدية متجردة عن الاصطفاف الفكري والعقائدي. فكلما ازدادت قدرة المجتمع على تفكيك الخطابات السائدة، ومساءلة الروايات الجاهزة، ازدادت مناعته ضد التلاعب الإعلامي والحروب النفسية، التي تشكل إحدى السمات البارزة لعصر «ما بعد الحقيقة». وعند هذه النقطة، يصبح الرأي العام أكثر من مجرد انعكاس للأحداث؛ إذ يتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إنتاج المعنى والتأثير في القرار السياسي، أو اسناده.

وفي سياق الدفع نحو التعدد القطبي، يصبح هذا الفارق أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. فالنظام العالمي الصّاعد يتطلب قدرة الدول والمجتمعات على تحويل الرأي العام إلى قوة ضاغطة ومسانِدة، قادرة على الالتفاف حول المصالح الوطنية والتكيف مع التحولات الدولية المتسارعة؛ وهذا ما نجح في إيران في الحرب الجارية.

ويظهر من خلال هذا التحليل، أن الرأي العام ليس مجرد مفهوم لغوي أو ثقافي، بل هو مورد/أصل استراتيجي يؤثر في السياسة الداخلية والخارجية، وفي قدرة المجتمعات على تجديد نفسها. فالقوة الحقيقية للرأي العام، لا تكمن فقط في التعبير عن المواقف، وإنما في القدرة على تحويل المعلومة إلى وعي، يترجَم الى إدراك أهمية المشاركة والفعل والتأثير.

في النهاية، يمكن القول إن الفارق بين المجتمعات، لا يعود فقط إلى الإرث التاريخي أو اللّغة أو الثقافة السياسية، بل مدى العلاقة الجدليّة بين الوقائع والخطاب والفعل الجماعي. فالرأي العام الذي يكتفي بالرصد والمراقبة، يبقى عرضة للتوجيه والتلاعب؛ بينما الرأي العام القادر على إنتاج المعنى وممارسة الضغط والمساءلة، يتحول إلى أحد أهم أدوات صناعة الواقع وتغييره والتأثير في المستقبل. وفي زمن «ما بعد الحقيقة»، تصبح هذه القدرة، شرطًا أساسيًا لحماية المصالح الوطنية التي يتأسس عليها مسار تشكيل النظام العالمي متعدد الأقطاب ومراكز التأثير.

—-

* لبنان وغزّة: قراءة في “اللاَّقِراءات”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى