أراءثقافة
أخر الأخبار

من تشكيل الوعي إلى تسطيح الذائقة.. حين تتحول خشبة الثقافة إلى منصة للإثارة…”كابريه”…

لوبوان تي ان:

الجمهور قد يصفق لما يثيره، لكنه يحتاج أيضًا إلى مؤسسات ثقافية تساعده على اكتشاف ما يرتقي بذائقته…

هل يكفي أن يُقدَّم عرض فني على خشبة مسرح ثقافي حتى نضعه تلقائيًا في خانة الثقافة؟ وهل تصبح الميوعة والإثارة الجسدية فنًا راقيًا لمجرد أنها انتقلت من فضاء ترفيهي إلى مؤسسة تحمل صفة «ثقافية»؟ كانت تلك مجموعة الاشكالات التي تناولها الناقد الفني “عزالدين الباجي على هامش العروض التي احتضنها مهرجان قرطاج الدولي كحفل اليسا وحفل أمينة فاخت….

قد يبدو السؤال صادمًا، لكنه مشروع وضروري، خصوصًا أمام تنامي بعض العروض التي تجعل من الإثارة والإبهار والمظهر الخارجي عناصر أساسية، بينما يتراجع المحتوى الفني والفكري والجمالي إلى المرتبة الثانية.

لا أحد ينكر حق الفنان في التعبير، ولا حق الجمهور في اختيار ما يشاهده، كما أن الترفيه جزء أصيل من الحياة الفنية.

لكن الإشكال يبدأ عندما تختلط وظائف الفضاءات، وعندما يُقدَّم الترفيه المحض باعتباره مشروعًا ثقافيًا، وتصبح خشبة المسرح الثقافي مجرد منصة للفرجة والاستهلاك.

فالفضاءات ليست متشابهة في وظائفها. هناك فضاءات ترفيهية صُممت أساسًا للمتعة واللهو، وتخضع عروضها لطبيعة جمهورها واختياراته. وهناك، في المقابل، المسارح والمراكز الثقافية التي يفترض أن تضطلع بوظيفة أعمق، باعتبارها فضاءات للفن والفكر والجمال، ولها دور في بناء الذائقة والمساهمة في تشكيل الوعي.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل ما يُعرض على خشبة المسرح الثقافي ينبغي أن يخضع لمعايير فنية وجمالية وفكرية تختلف عن مجرد معيار الإقبال والإثارة؟

لقد كان المسرح، في تجاربه الكبرى، أكثر من مجرد مساحة للفرجة. كان مدرسة للذوق، ومنبرًا للفكر، ووسيلة لمساءلة الواقع، ومجالًا للتعبير عن الإنسان وقضاياه. وكانت الأعمال التي تبقى في الذاكرة هي تلك التي استطاعت أن تجمع بين المتعة والقيمة، وبين الجمال والمعنى، وأن تخاطب العقل والوجدان في آن واحد.

أما اليوم، فإن بعض المشاهد الفنية توحي بأن معيار النجاح بدأ يتحول من قيمة ما يقدَّم إلى حجم الضجة التي يثيرها، ومن جودة المحتوى إلى قدرته على جذب الانتباه، حتى لو كان ذلك عبر الاستعراض والمبالغة والإثارة.

وهنا يجب التمييز بوضوح بين الفن بوصفه قيمة، والفرجة بوصفها استهلاكًا.

فليس كل ما يجذب الجمهور فنًا رفيعًا، وليس كل ما يحقق نسب إقبال مرتفعة إنجازًا ثقافيًا. الجمهور قد يصفق لما يثيره، لكنه يحتاج أيضًا إلى مؤسسات ثقافية تساعده على اكتشاف ما يرتقي بذائقته.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في الترفيه، ولا في اختلاف أشكال التعبير الفني، وإنما في فقدان الثقافة لمعاييرها ووظائفها، وفي أن تتحول المؤسسات الثقافية تدريجيًا إلى فضاءات لا تختلف كثيرًا، من حيث طبيعة ما تقدمه، عن الفضاءات الترفيهية التجارية.

فالثقافة ليست مجرد مكان، والفن ليس مجرد عرض، والمسرح ليس مجرد خشبة. إنما هي منظومة من القيم والمعايير والمسؤوليات.

لقد كانت الثقافة، في جوهرها، تسعى إلى تشكيل الوعي والارتقاء بالذائقة. أما حين يصبح معيارها هو الإثارة وحدها، فإنها قد تتحول من تشكيل الوعي إلى تشويش الذائقة وتسطيحها.

لذلك، فإن المطلوب ليس مصادرة حرية الفنان ولا فرض ذوق واحد على الجمهور، وإنما إعادة فتح النقاش حول وظيفة المؤسسات الثقافية، ومعايير البرمجة، وحدود مسؤولية من يديرون هذه الفضاءات.

فالسؤال في النهاية ليس: هل يحق للفنان أن يقدم هذا النوع من العروض؟ بل: هل يحق لمؤسسة ثقافية أن تقدمه باعتباره نموذجًا للثقافة التي يفترض أن ترعاها؟

ذلك هو جوهر المسألة، وذلك هو النقاش الذي نحتاج إليه اليوم، دفاعًا عن حرية الفن، ولكن أيضًا دفاعًا عن قيمة الثقافة ومكانة المسرح وحق الجمهور في فن لا يكتفي بإثارة الغرائز، بل يضيف إلى الإنسان شيئًا من الجمال والمعنى والوعي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى