لوبوان تي ان :
تخوض تونس منذ عقود تجربة استثنائية في محيطها الإقليمي، تتمثل في كونها المصدر الأبرز للرصيد المعرفي، والنموذج المؤسساتي، والتأطير الفني في مجالات قطاعية حيوية متعددة.
غير أن هذه الديبلوماسية الاقتصادية، التي قامت على تقديم الخبرات والمؤشرات التنظيمية والتكوينية بصورة مجانية أو تحت مظلة التعاون التقليدي، أدت تدريجيا إلى تآكل الميزات التنافسية للبلاد واستصناع منافسين مباشرين تمكنوا، عبر استيعاب “السر الصنعي” التونسي، من تجاوز التجربة الأصلية وتجريدها من مكاسبها الاستراتيجية في الأسواق الإقليمية والدولية.
ويتجلى هذا المسار بشكل واضح عند تتبع القطاعات الإنتاجية والخدماتية التي شكلت أساس الميزة التونسية، بدءا من قطاع الفلاحة والبحوث الفلاحية، وتحديدا مجال البذور والمشاتل والتحسين الجيني. لقد تراكمت لدى المعاهد ومراكز البحوث الفلاحية التونسية عقود من المعرفة في تطوير مشاتل الزيتون والأشجار المثمرة والسلالات الجينية القادرة على مقاومة الجفاف والأمراض.
وبدل أن تُحاط هذه النتائج العلمية بحقوق ملكية فكرية وحصرية تجارية، جرت إتاحتها إلى الدول المجاورة ضمن اتفاقيات التعاون الفني وتبادل المشاتل. وأدى هذا السخاء المعرفي إلى بناء مشاتل وثروات زراعية منافسة بأساليب جينية تونسية، مكنت الفلاحين في تلك الدول من تحقيق إنتاجية عالية والتخلي عن استيراد المشاتل التونسية، بل ومنافسة المنتوج التونسي في الأسواق الخارجية بمواد متأتية من بحوث تونسية.
ولم يتوقف هذا المسار عند الفلاحة، بل امتد لقطاع الصناعات الغذائية والتعليب الذي يُعد ما يحصل فيه إهدارا صريحا للقيمة المضافة. فعلى الرغم من تفوق تونس، وعلى سبيل المثال، في إنتاج المادة الخام لزيت الزيتون، وتفوقها في التحويل الغذائي (على غرار إنتاج العصير، والأجبان، ومصبرات الهريسة والطماطم)، إلا أن تركيز المنظومة الوطنية على “التعاون” و”الشراكات” المفتوحة مع الآخرين دون ضوابط فتح المجال لنقل تقنيات التعليب واللف، ولتعريف الآخرين بمعايير المعاصر، وبالتحليل الكيميائي لنسب الحموضة والجودة عبر برامج الشراكات المفتوحة.
وبسبب بطء الاستثمار المحلي في آليات التسويق والتعليب المتقدم، التقفت أسواق ومؤسسات مجاورة هذا التأهيل الفني الجاهز، لتطور بنية لوجستية وتعليبية حديثة مكنتها من تعليب المادة الخام والسيطرة على الرفوف العالمية، مع إغلاق أراضيها تدريجيا أمام المنتوجات المعلبة التونسية بداعي حماية إنتاجها المحلي الذي أُقيم بفضل الخبرات التونسية.
أما في قطاع الأدوية والصحة، فقد قدمت تونس نموذجا متكاملا في الرقابة الصيدلانية، والتكافؤ الحيوي، وتأهيل المخابر وتطبيق معايير التصنيع الجيد. وأُتيحت هذه النماذج والهياكل التنظيمية عبر اتفاقيات بروتوكولية لتدريب الإطارات ونقل آليات الرقابة الدوائية. ونتيجة لذلك، تمكنت القطاعات الصيدلانية المجاورة من بناء قواعد تصنيع دوائي صلبة وتحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من أصناف الأدوية، لينقلب المشهد من سوق واعدة للدواء التونسي إلى منافسة إقليمية تُضيق الخناق على المخابر التونسية التي تعاني بالأساس من كلفة الاستثمار وتأخر المستحقات المالية.
وفي قطاع الصناعات التقليدية والحرف، فتحت تونس معاهدها ومراكز تكوينها الحرفي ونماذج “ديوان الصناعات التقليدية”، لنقل مهارات التصميم، والهيكلة، والتأطير، وتدريب الحرفيين على طرق تطوير الحرف التقليدية. وعوض أن تُستغل هذه الحرف كبصمة تجارية حصرية، أُدمجت المهارات التونسية في خطوط الإنتاج الحرفي للدول المجاورة، مما خلق إنتاجا مكثفا ينافس المنتوج الحرفي التونسي الأصلي في السعر والحجم، ويحرم الحرفيين التونسيين من أسبقية تسويق إبداعاتهم في المعارض الدولية.
وعلى مستوى التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني، شرعت تونس أبواب جامعاتها ومعاهدها لتأطير الأساتذة والباحثين، ونقل تجاربها الرائدة في برامج الدكتورا ومشاريع ربط البحث بالصناعة، إلى جانب تطوير المناهج الهندسية والتطبيقية.
كما نقلت تجارب المعاهد العليا للتكوين المهني في صيانة المعدات الصناعية والكهرباء والميكانيك. وكان العائد من هذا الجهد التعليمي هو بناء منظومات أكاديمية وتكوينية ذاتية لدى الآخرين، دون اشتراط عائدات مالية أو صياغة شراكات أبحاث ملكيتها الفكرية مشتركة، مما جعل الجامعة التونسية تفقد جاذبيتها كمركز إقليمي حصري للتعليم والتدريب.
وتكتمل هذه السلسلة في القطاع السياحي والفندقة، الذي شهد تأسيس تونس لأولى معاهد التكوين والتدريب الفندقي في المنطقة خلال منتصف القرن الماضي. وبعد عقود من نقل هذه الكفاءات وتدريب المسيرين والإطارات الفندقية في الدول القريبة، استثمرت بعض هذه الدول قدراتها المالية في بنية تحتية فائقة الحداثة وتسهيلات تشريعية جذبت الاستثمارات العالمية، ليتحول التكوين التونسي إلى خزان يغذي المنظومات السياحية المنافسة التي سحبت البساط من السياحة التونسية الكلاسيكية.
تتجسد المعضلة الاقتصادية لهذا التوجه الشامل في أن تونس تعاملت مع “الخبرة والمعرفة” بصفتها منحة ديبلوماسية أو واجبا أخويا، في حين تتعامل معها الاقتصاديات الحديثة بصفتها أصولا غير ملموسة ذات قيمة مالية وعالية التنافسية. فقد اعتادت البلاد على تقديم التأطير والاستشارات بالمجان في الفلاحة والأدوية والحرف والتعليم والسياحة، بينما تستورد احتياجاتها الأساسية ومصادر الطاقة بأسعار وأحكام تجارية ومالية صارمة لا تعترف بهذه الخدمات السابقة.
إن هذا الخلل الاستراتيجي يستوجب قطعا فوريا مع مفهوم التعاون الفني التعاطفي، والانتقال الناجز نحو “دبلوماسية اقتصادية تنافسية” تحمي “السِر الصنعي” التونسي، وتلزم كل عملية نقل للخبرة الوطنية بشروط حازمة تضمن فتح الأسواق، والاستثمار المشترك، وتحقيق العوائد المباشرة التي تحفظ للبلاد موقعها الريادي ومصالحها الاقتصادية العليا.
ماجد البرهومي -كاتب سياسي –





