تحاليل وأراء

العلاقات التونسية – الروسية من إرث الصداقة إلى شراكة المصالح  (2/5)

روسيا وتونس... من المبادلات التجارية إلى المصالح الاستراتيجية؟

الملفات الاستراتيجية لـ«لوبوان» – كتب سفيان رجب

إذا كانت العلاقات التونسية الروسية قد بدأت من بوابة السياسة والدبلوماسية، فإن الاقتصاد أصبح اليوم أحد أهم مفاتيح إعادة تعريفها. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المبادلات بين البلدين تطورا لافتا، حيث أعلن السفير الروسي بتونس ألكسندر زولوتوف، في ماي 2026، أن حجم التجارة الثنائية تجاوز 1.8 مليار دولار، مشيرا إلى أن المبادلات تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، وأن تونس أصبحت من أبرز الشركاء التجاريين لروسيا في إفريقيا. كما أكد تنامي حضور المنتجات التونسية، وفي مقدمتها زيت الزيتون، في السوق الروسية. لكن وراء هذا الرقم تختبئ صورة أكثر تعقيدا.

فالعلاقة التجارية لا تزال تقوم بدرجة كبيرة على تبادل الحاجات الأساسية: الحبوب والمنتجات النفطية من روسيا، مقابل عدد من المنتجات الفلاحية والغذائية التونسية، وعلى رأسها زيت الزيتون.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تستطيع تونس أن تنتقل من علاقة تقوم أساسا على المبادلات إلى شراكة تقوم على الاستثمار والإنتاج المشترك؟

الحبوب… عندما يصبح الأمن الغذائي جزءا من العلاقات الخارجية

تحتل الحبوب موقعا خاصا في العلاقات الاقتصادية التونسية الروسية. فروسيا تعد من الموردين الرئيسيين للحبوب إلى تونس، وهو أمر يكتسب أهمية إضافية في ظل حاجة البلاد إلى تأمين إمداداتها الغذائية وتنويع مصادر التوريد. ولا يتعلق الأمر بالتجارة فقط، بل بالأمن الغذائي باعتباره عنصرا من عناصر الاستقرار الاقتصادي.

في المقابل، تمتلك تونس منتجات فلاحية وغذائية يمكن أن تجد في السوق الروسية مجالا أوسع للنمو، وهو ما يفتح الباب أمام علاقة أكثر توازنا إذا تمكنت الشركات التونسية من الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تثمينها وتصنيعها وتسويقها بعلامات تونسية.

زيت الزيتون… فرصة تتجاوز السوق التقليدية

يبرز زيت الزيتون باعتباره إحدى أهم نقاط القوة في الصادرات التونسية نحو روسيا.

وقد أكد السفير الروسي أن زيت الزيتون يحتل المرتبة الأولى ضمن الصادرات التونسية إلى روسيا، وأن المستهلك الروسي أصبح أكثر اهتماما بجودته.

لكن الفرصة لا تكمن فقط في زيادة الكميات.

فالسوق الروسية يمكن أن تكون مجالا لتطوير حضور العلامة التونسية، وتوسيع المنتجات المعلبة ذات القيمة المضافة، وربط زيت الزيتون بقطاعات أخرى مثل الصناعات الغذائية ومستحضرات التجميل والمنتجات الصحية.

وهنا يمكن أن تنتقل تونس من سؤال: كم طنا يمكن أن نصدر؟ إلى سؤال أكثر أهمية:

كم قيمة مضافة يمكن أن نخلق قبل التصدير؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بالنظر إلى النمو العام لصادرات زيت الزيتون التونسي. فقد بلغت عائدات الصادرات 4.394 مليار دينار بين نوفمبر 2025 ونهاية جوان 2026، بزيادة بلغت 45 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من الموسم السابق.

من روسيا إلى الفضاء الأوراسي

المسألة لا تتوقف عند السوق الروسية. ففي أفريل 2026، عقد مركز النهوض بالصادرات CEPEX اجتماعا مع مجلس الأعمال الروسي التونسي خصص لدراسة فرص تطوير المبادلات والشراكة بين تونس وروسيا ودول الفضاء الأوراسي.

وتم خلال الاجتماع بحث فرص تصدير المنتجات التونسية إلى روسيا وإلى جمهوريات روسية، من بينها تتارستان وداغستان والشيشان، إلى جانب مقترح إنشاء فضاء دائم لعرض المنتجات التونسية، خصوصا زيت الزيتون والتمور.

وهذه النقطة يمكن أن تكون ذات أهمية استراتيجية.

فتونس لا تنظر هنا إلى روسيا باعتبارها سوقا منفردة فقط، وإنما باعتبارها مدخلا إلى فضاء اقتصادي أوسع. وكلما تطورت المعرفة بالأسواق المحلية داخل روسيا، وأقيمت شبكات توزيع وتسويق مستقرة، أصبح من الممكن للشركات التونسية توسيع حضورها تدريجيا.

السياحة… سوق روسية لم تستنفد إمكاناتها

تأتي السياحة في المرتبة الثانية ضمن المجالات التي يمكن أن تعيد تشكيل العلاقة.

ففي 2019، بلغ عدد السياح الروس الذين زاروا تونس نحو 650 ألفا، وهو رقم يكشف حجم الإمكانات الكامنة في السوق الروسية. لكن غياب الرحلات الجوية المباشرة ما يزال يمثل إحدى العقبات أمام العودة إلى مستويات أعلى.

وتشير التصريحات الروسية في 2026 إلى عودة الاهتمام بالسوق التونسية رغم هذا العائق.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط بعدد السياح، وإنما بنوعية العرض. فتونس تستطيع أن تستهدف السوق الروسية من خلال:

  • السياحة الشاطئية؛
  • السياحة الثقافية؛
  • السياحة العلاجية والاستشفائية؛
  • السياحة الصحراوية؛
  • السياحة الرياضية؛
  • والإقامات الطويلة خلال فصل الشتاء.

وبذلك يمكن أن تصبح السياحة أحد أهم الجسور الاقتصادية بين البلدين، خاصة إذا ترافق ذلك مع تطوير النقل الجوي والتسويق الرقمي المباشر.

الطاقة… مجال يحتاج إلى رؤية طويلة المدى

تحتل الطاقة موقعا حساسا في أي علاقة اقتصادية مع روسيا. وتونس ليست منتجا كبيرا للطاقة، لكنها تمتلك إمكانات مهمة في الطاقة الشمسية والرياح، كما تبحث عن تنويع مصادر الطاقة وتقليص كلفة الواردات.

لذلك فإن التعاون الروسي–التونسي في هذا المجال لا ينبغي اختزاله في النفط والغاز. فالمجال الأوسع يمكن أن يكون في: التكنولوجيا، المعدات، البحث العلمي، تخزين الطاقة، كفاءة الطاقة، والتكوين.

وهذا يفتح الباب أمام شراكات بين المؤسسات والجامعات ومراكز البحث، وليس فقط أمام عمليات التوريد.

التكنولوجيا والتعليم… الاستثمار الأقل كلفة والأكثر استدامة

تملك العلاقات التونسية الروسية رصيدا مهما في مجال التعليم العالي. ويمكن إعادة إحياء هذا الرصيد في مجالات جديدة، خصوصا الهندسة والرياضيات والعلوم التطبيقية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية.

فالتعاون العلمي لا يحتاج دائما إلى استثمارات ضخمة، لكنه يحتاج إلى برامج واضحة وشبكات جامعية ومخابر مشتركة ومنح دراسية ومشاريع بحثية قابلة للتطبيق الاقتصادي. وهنا يمكن أن تتحول العلاقات التاريخية في مجال التعليم إلى منصة للانتقال نحو اقتصاد المعرفة.

نحو علاقة اقتصادية أكثر توازنا

تملك تونس وروسيا إذن عناصر عديدة يمكن أن تجعل العلاقة الاقتصادية أكثر تنوعا. لكن تحقيق ذلك يتطلب تجاوز النموذج التقليدي: روسيا تصدر المواد الأساسية… وتونس تصدر بعض المنتجات الفلاحية.

والانتقال إلى نموذج جديد يعني استثمار + تصنيع مشترك + نقل تكنولوجيا + صادرات + دخول إلى أسواق ثالثة.

وهنا تحديدا تبدأ أهمية الفصل المقبل. فإذا كانت التجارة هي قاعدة العلاقة الاقتصادية، فإن القطاعات الإنتاجية هي التي ستحدد مستقبلها.

(يتبع…)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى