تحاليل وأراء

دمج «سنيب لابراس» و«دار الصباح».. فرصة لإنقاذ مؤسستين وحماية مدرستين

الرهان الحقيقي ليس فقط كيف ندمج مؤسستين؟ بل السؤال الأهم هو كيف نبني مؤسسة أقوى ماليا وإداريا واعلاميا

لوبوان-تونس – كتب سفيان رجب

أخيرا وبعد طول مدة، دخل مشروع دمج الشركة الجديدة للطباعة والصحافة والنشر «سنيب لابراس» و«دار الصباح» مرحلة التنفيذ الفعلي، بعد سنوات من النقاش والتعثر ومحاولات الإنقاذ وإعادة الهيكلة.

فقد انطلقت رسميا يوم 6 أكتوبر 2026 عملية الدمج، عقب انعقاد جلسة عامة جمعت مجلسي إدارة المؤسستين، وإسناد إدارة «دار الصباح» إلى «سنيب لابراس»، التي أصبحت المساهم الوحيد فيها بعد إتمام عملية التفويت في الأسهم. وتكليف سعيد بنكريم رئيس مدير عام سنيب لابريس بالإشراف على المؤسستين وهو الاعلامي تكوينا وممارسة والحائز على خبرات طويلة في الممارسة الصحفية وتسيير المؤسسات الاعلامية.

ومن المنتظر أن تتواصل العملية في اتجاه الاستيعاب الكامل للمؤسستين.

ومن حيث المبدأ، لا يمكن إلا الترحيب بهذه الخطوة، التي من شأنها إنقاذ مؤسستين تمثلان جزءا من الذاكرة الصحفية والوطنية التونسية، وضمان استمرارية إصداراتهما والمحافظة على مواطن الشغل وتطوير قدراتهما في مواجهة التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الإعلام.

لكن الترحيب بالدمج لا يعني إسقاط الأسئلة المهنية والتحريرية التي يفترض أن ترافقه.

فالرهان الحقيقي ليس فقط كيف ندمج مؤسستين؟ بل السؤال الأهم هو كيف نبني مؤسسة أقوى ماليا وإداريا واعلاميا، من دون أن نخسر «لابراس» ولا «الصباح»؟

مؤسستان.. تاريخان ومدرستان

من الصعب التعامل مع «سنيب لابراس» و«دار الصباح» باعتبارهما مجرد شركتين يمكن جمع مواردهما وإعادة ترتيب هياكلهما. نحن أمام تاريخين كبيرين في الصحافة التونسية.

«لابراس» تأسست سنة 1936، أي قبل استقلال تونس بعقدين، قبل أن تدخل في مرحلة جديدة مع تأميمها في نهاية الستينات وإحداث الشركة الجديدة للطباعة والنشر في بداية السبعينات.

أما «دار الصباح»، فقد تأسست سنة 1951 على يد الحبيب شيخ روحه، وصدر العدد الأول من «الصباح» في الأول من فيفري من السنة نفسها.

وبذلك فإن المؤسستين تختزنان أكثر من تسعة عقود من الذاكرة الصحفية التونسية، بما فيها من أسماء صحفيين وكتاب ومحررين ومصورين وفنيين، ومن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية واكبت تاريخ البلاد. وهو ما كان اشار اليه رئيس الدولة قيس سعيد في زيارتيه التاريخيتين للمؤسستين, وبذلك فإن المؤسستين تختزنان أكثر من تسعة عقود من الذاكرة الصحفية التونسية، بما فيها من أسماء صحفيين وكتاب ومحررين ومصورين وفنيين، ومن تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية واكبت تاريخ البلاد. وهو ما كان أشار إليه رئيس الدولة قيس سعيّد في أكثر من مناسبة، وخاصة خلال زيارته إلى مقر «سنيب لابراس» في 11 مارس 2023 ثم «دار الصباح» في 16 جوان 2023 ، حيث توقف عند أهمية المؤسستين ودورهما في المشهد الإعلامي الوطني. مؤكدا على ضرورة إنقاذ «لابراس» و«الصباح» والمحافظة عليهما باعتبارهما جزءا من تاريخ الصحافة التونسية، مؤكدا أن هذا التاريخ ليس للبيع أو التفريط.

وهذا تحديدا ما يجعل الدمج عملية مختلفة عن مجرد عملية محاسبية أو إدارية.

نعم للدمج.. ولكن لا لإلغاء العناوين

من أهم النقاط التي ينبغي أن تكون واضحة منذ البداية، المؤسسة الموحدة لا تعني بالضرورة صحيفة واحدة او خط تحريري واحد او مقالات متشابهة. بل إن نجاح التجربة يمكن أن يكون تحديدا في المحافظة على العناوين والإصدارات القائمة (الصباح ولوطون ولابريس والصحافة اليوم) وربما مزيد حوكمتها فيما يتعلق بمواعيد اصدارها، مع وضعها تحت مظلة إدارية ومالية وتقنية أكثر كفاءة.

وهذا أمر لا يعد سابقة بل ان عديد المؤسسات الاعلامية في العالم شهدت مثل هذا الخيار والتوجه. ففي بريطانيا، سمحت عملية توحيد بعض الموارد بين «The Times» و«The Sunday Times» للصحفيين بالعمل ضمن بنية أكثر تكاملا، لكن مع استمرار الصحيفتين بعناوينهما وهيئتيهما التحريريتين. وقد كانت الاستقلالية التحريرية من أبرز القضايا التي رافقت النقاش حول العملية.

وفي فرنسا، تطورت مجموعات صحفية كبرى من خلال تجميع عدد من العناوين تحت مظلة إدارية واستثمارية واحدة، مع المحافظة على هوية الصحف المحلية والجهوية. ويقدم نموذج مجموعة Rossel مثالا واضحا، فقد جمعت المجموعة تحت مظلتها عناوين متعددة مثل «La Voix du Nord» و«Le Courrier Picard» و«L’Union» و«Paris-Normandie»، مع الإبقاء على هذه العلامات الصحفية وإصداراتها وشخصياتها المحلية. كما اعتمدت المجموعة تنظيمات تسمح بتبادل الأدوات والاستثمارات وتحقيق ارباح من دون إلغاء هوية كل عنوان.

والأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجربة مجموعة Mediahuis الأوروبية، التي تدير عددا من العلامات الصحفية في بلدان مختلفة، مع تأكيدها على استمرار العلامات الإخبارية المتعددة وعلى أهمية استقلال الصحافة المهنية وجودتها.

هذه بعض التجارب التي اثبتت أنه يمكن توحيد المطابع والمنصات الرقمية والموارد البشرية والتجهيزات والتوزيع والإدارة، من دون توحيد الصحف نفسها. وهذا هو النموذج الذي يستحق التفكير فيه ولا نظن أنه سيغيب عن الادارة الجديدة الاتي تعي جيدا الهدف من التوحيد والدمج.

« لابراس» يجب أن تبقى «لابراس».. و«الصباح» يجب أن تبقى «الصباح »

قد يبدو هذا الأمر بديهيا، لكنه في الحقيقة يمثل أحد أهم شروط نجاح عملية الدمج. فالقيمة الحقيقية لـ «دار الصباح» بصحفها وخاصة “الصباح” و”لوطون” ليست في موروثها المادي، وإنما في الاسم والتاريخ والارث والارشيف والجمهور والثقة المتراكمة عبر عقود.  والأمر نفسه ينطبق على «دار لابراس» بصحيفتيها “لابريس” و”الصحافة” وموروثهما وتاريخهما وارثهما الكبير.

لذلك فإن المفروض ليس أن تصبح للمؤسسة الجديدة مجموعة صحف متشابهة وإنما أن تصبح لها صحف قوية داخل مؤسسة إعلامية أقوى.

وهنا يمكن، بل ينبغي، توحيد ما يمكن توحيده خاصة فيما يتعلق بـ: الإدارة والحوكمة، بعض الخدمات اللوجستية، الطباعة والتجهيزات، التوزيع، الاشتراكات، البنية الرقمية، الخدمات التجارية والتسويقية، الأرشيف والتوثيق، الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

لكن في المقابل يجب الحفاظ على: هيئة تحرير كل عنوان، شخصية كل صحيفة، شبكتها من الصحفيين والمراسلين، جمهورها، تقاليدها الصحفية، خطها التحريري، ومساحتها الخاصة في المشهد الإعلامي التونسي.

وهذا اكيد ما ستسعى اليه الادارة الجديدة ومن ورائها الدولة خاصة أن القرار الحكومي المتعلق بالدمج لم يقتصر على توحيد الملكية، بل تحدث عن برنامج هيكلة شامل، وتطوير الحوكمة الداخلية، وتحديث وسائل الإنتاج، والتحول الرقمي، ورقمنة الأرشيف، وإعداد مخطط أعمال مستقبلي.

وهذه عناصر أساسية لابد منها، لكن هناك عنصرا آخر لا يقل أهمية وهو إعادة بناء المؤسسة الصحفية من الداخل.

فالصحافة لا تنقذها الموازنة المالية وحدها، ولا تنقذها المطابع الجديدة وحده،  ولا يكفي أن تصبح المؤسسة رقمية، بل أن المنتج الأساسي يبقى هو المحتوى الصحفي والمادة المقدمة.فإذا لم يستعد الفريق الصحفي قدرته على الإنتاج والتحقيق والتحليل والمتابعة الميدانية، فإن المؤسسة قد تنجح في تقليص الخسائر، لكنها لن تنجح بالضرورة في استعادة مكانتها التي لن تكون الا عبر استرجاع ثقة القراء.

مراجعة هادئة لمسار السابق

وهنا تفرض المهنية أيضا الإشارة، ولو بشكل هادئ ومسؤول، إلى أن مسار «دار الصباح» خلال السنوات الأخيرة لم يكن سهلا. فإلى جانب الضغوط المالية العامة التي تعيشها الصحافة الورقية في تونس والعالم، عرفت المؤسسة مراحل من الاضطراب الإداري والحوكمي والتسييري ورفع شعار الولاءات قبل الكفاءات…. وغير ذلك وهو ما انعكس، بدرجات مختلفة، على قدرة المؤسسة على تطوير منتجها الصحفي وعلى الحفاظ على المستوى التحريري الذي عرفت به تاريخيا. والمطلوب استخلاص الدرس.

فالدمج يمثل فرصة لإغلاق صفحة من التعثرات وفتح صفحة جديدة عبر مؤسسة جديدة ودمج بين مؤسستين عريقتين عنوانها الحوكمة الرشيدة، وضوح المسؤوليات، الكفاءة المهنية، والاستثمار في التحرير قبل أي شيء آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى