لم تعد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف الأراضي السعودية مجرد استفزاز أو حادث عسكري عابر حيث أعلنت السعودية أمس اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، فيما تحدثت السلطات عن محاولات استهداف مناطق أخرى بينها ينبع والطائف وبقيق وجزر فرسان. وأكدت مصادر إعلامية دولية أن الهجوم على الرياض تزامن مع ظهور دخان قرب مطار الملك خالد الدولي، بينما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن عمليات قالوا إنها استهدفت مواقع “حساسة” ومنشآت تابعة لأرامكو.
وقبل ذلك بأيام، كانت هجمات أخرى قد أصابت مناطق سعودية، وأعلنت الرياض في 15 سبتمبر أن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أدت إلى إصابة 13 مدنياً وإلحاق أضرار بعدد من المنازل والمركبات.
هذه الوقائع لا تحتاج إلى تضخيم لكي تكون خطيرة، فاستهداف المدن والمنشآت المدنية والطاقة لا يهدد دولة واحدة فقط، بل يهدد أمن الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الاقتصادي في المنطقة كلها. والاغرب لماذا استهداف المملكة التي طالما وقفت الى جانب الدول العربية بما في ذلك اليمن.
السعودية… ليست مجرد دولة أخرى في المعادلة
قد يكون من السهل، في خضم الاستقطاب السياسي، اختزال السعودية في مواقف حكومات أو خلافات سياسية عابرة. لكن ذلك يحجب حقيقة أكثر اتساعا تتعلق بالدور الذي لعبته المملكة لعقود في النظام العربي.
فالمملكة كانت، ولا تزال، من أكبر الدول العربية قدرة على تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية والاستثمارات والمساهمات المالية للدول العربية والإسلامية.
وتكشف منصة المساعدات السعودية الرسمية أن إجمالي المساعدات المسجلة بلغ نحو 145.77 مليار دولار، وأن مصر واليمن وسوريا والعراق وفلسطين من بين أبرز الدول المستفيدة. كما تظهر البيانات آلاف المشاريع في عشرات الدول. من ذلك انه وفي شهر أوت 2026، أعلن مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية أن مشاريعه بلغت 4,457 مشروعا في 113 دولة بقيمة تقارب 8.57 مليار دولار، وشملت الغذاء والصحة والمأوى والمياه والتعليم والحماية والتعافي المبكر.
واللافت أن اليمن نفسه، الذي تنطلق منه الهجمات الغادرة الحالية، ظل لسنوات واحدا من أكبر ميادين المساعدات السعودية.
وفي ماي 2026، أعلنت السعودية عن دعم عاجل بقيمة 150 مليون دولار للمشتقات النفطية في اليمن بهدف دعم محطات الكهرباء واستمرار الخدمات الأساسية.
وهذه المفارقة تستحق التوقف عندها باعتبار أن الدولة التي تستهدف أراضيها اليوم من الأراضي اليمنية هي نفسها التي أنفقت مليارات الدولارات على دعم الشعب اليمني ومساعدته.
وهنا ينبغي الفصل بين اليمن واليمنيين من جهة، وبين الجماعات المسلحة التي تتخذ من الأراضي اليمنية قاعدة لعملياتها من جهة أخرى.
المشكلة ليست في اليمنيين… بل في تحويل اليمن إلى منصة للصراع
فمن الخطأ اختزال المأساة اليمنية في مواجهة سعودية ـ يمنية باعتبار أن اليمن نفسه دفع ثمنا هائلا للصراع، والشعب اليمني لا ينبغي أن يتحول إلى وقود لحرب إقليمية مفتوحة.
لكن التطورات الأخيرة تظهر أن الصراع لم يعد محصورا في الجغرافيا اليمنية. فالأمم المتحدة حذرت في جويلية 2026 من خطر اتساع التصعيد، ودعت إلى العودة إلى مسار سياسي يمني شامل، مؤكدة أن الحل المستدام لا يمكن أن يكون عسكريا فقط.
كما أشارت تقارير حديثة إلى أن الحوثيين، الذين تصفهم مصادر دولية بأنهم مدعومون من إيران، وسّعوا عملياتهم ضد السعودية بالتزامن مع الحرب الأوسع في المنطقة.
وهنا تتغير طبيعة السؤال الذي لم يعد ا فقط من يطلق الصاروخ؟ بل من المستفيد من استمرار تحويل الأراضي العربية إلى جبهات مفتوحة؟
المفارقة الكبرى: حرب عربية على أرض عربية
المشهد الإقليمي أصبح شديد التعقيد. فإيران تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل في جبهة واسعة. والحوثيون يفتحون جبهة أخرى. والسعودية تجد نفسها أمام تهديد مباشر لأمنها. والبحر الأحمر وممرات الطاقة والتجارة الدولية أصبحت جزءا من الصراع.
وفي الوقت نفسه، تتكتفي الاتصالات الدولية بالدعوات لتجنب توسع الحرب. لكن المواطن العربي العادي يرى الصورة بطريقة مختلفة، صاروخ ينطلق من أرض عربية ويصل إلى مدينة عربية ومنشأة عربية ومطار عربي وسكان عرب يعيشون تحت الإنذار ثم تبدأ جولة جديدة من الضربات.
وهكذا يصبح السؤال مشروعا هل أصبحت المنطقة العربية تدفع ثمن صراعات لا يملك العرب وحدهم قرارها؟
السعودية تدفع ثمن موقعها وثقلها
ليس الدفاع عن السعودية في هذه اللحظة دفاعا اعتباطيا. فالسعودية دولة عربية ذات ثقل اقتصادي وسياسي وجغرافي كبير. فأمن الرياض وجدة وينبع ومكة والمدينة والمنشآت النفطية ليس شأنا سعوديا صرفا. إنه مرتبط بأمن الخليج، وأمن البحر الأحمر، واستقرار أسواق الطاقة، وحركة التجارة، وأمن الملاحة، وبالتالي بجزء مهم من الاقتصاد العالمي. ولهذا فإن أي تصعيد عسكري واسع ضد السعودية ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المملكة.
هنا تظهر إحدى أكثر مفارقات الأزمة إيلاما، فالولايات المتحدة وإسرائيل تمتلكان منظومات دفاعية متقدمة، وشبكات إنذار مبكر، وقدرات استخباراتية وعسكرية هائلة، إضافة إلى تحالفات عسكرية واسعة.
أما الدول العربية، فعلى الرغم من امتلاك بعضها إمكانات دفاعية متطورة، فإنها غالبا ما تجد نفسها في موقع الاستجابة لصراعات تتجاوز حدودها. والنتيجة أن المنطقة العربية تصبح في كثير من الأحيان وبفعل فاعل المسرح الجغرافي للصراع، بينما تتحول القوى الكبرى إلى لاعبين يملكون قدرة أكبر على تحديد مستوى المخاطر التي يتعرضون لها.
وهذه ليست دعوة إلى مواجهة الولايات المتحدة أو إسرائيل، ولا إلى الانحياز لمحور دولي ضد آخر.
بل هي دعوة إلى طرح سؤال عربي مستقل: أين منظومة الأمن العربي التي تحمي الدول العربية عندما تتساقط الصواريخ فوق عواصمها؟
السعودية ليست وحدها… ولا ينبغي أن تكون وحدها
فمن المؤشرات المهمة أن الرياض طلبت دعما دفاعيا من دول عدة، بينها فرنسا وبريطانيا وباكستان ومصر، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين إقليميين.وهذا يعني أن الخطر بات يتجاوز الحسابات الثنائية.
لكن المسألة الأهم هي أن الأمن العربي لا يمكن أن يقوم دائما على انتظار التدخل الخارجي، فدولة عربية بحجم السعودية، وبثقلها الاقتصادي وموقعها الجغرافي، لا تواجه نقصا في صواريخ الاعتراض ولا تحتاج إلى دعم عسكري لصد العدوان عليها بل فقط تمارس سياسة ضبط النفس وتنتظر بناء وتفعيل منظومة عربية أمنية أكثر تكاملا. منظومة تقوم على تبادل المعلومات والإنذار المبكر، التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، حماية الملاحة والممرات البحرية، أمن الطاقة والمنشآت الحيوية، التعاون في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى. والأهم آلية سياسية عربية لمنع تحويل المنطقة إلى سلسلة متواصلة من الحروب.
السعودية… بين المسؤولية العربية وحق الدفاع عن النفس
قد تختلف المواقف العربية فيما بينها، وقد تختلف العواصم في تقييم سياساتها الإقليمية. لكن المبدأً الذي ينبغي ألا يكون موضع خلاف هو “لا يمكن أن يصبح استهداف المدن العربية أمرا طبيعيا”.
ولا يمكن أن يصبح قتل العرب للعرب هو الشكل المعتاد للصراع في المنطقة. ولا يمكن أن تتحول القضية الفلسطينية، أو الصراع مع إسرائيل، أو التنافس الإيراني ـ الأميركي، أو أي قضية إقليمية أخرى، إلى مبرر لإشعال حروب مفتوحة بين الشعوب العربية.
القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من تفكيك العالم العربي. والعرب الذين يريدون حماية حقوق الفلسطينيين يحتاجون إلى دول عربية مستقرة وقوية، لا إلى عواصم مهددة بالصواريخ، واقتصادات مدمرة، ومجتمعات تعيش تحت الخوف.
الدرس السعودي للعرب
ربما يكون الدرس الأهم من الأزمة الحالية أن المال والاستثمار والمساعدات لا تكفي وحدها لبناء الأمن. فالسعودية أنفقت طوال عقود على التنمية والمساعدات والدعم العربي، واحتضنت مبادرات سياسية وإنسانية واقتصادية متعددة.
لكن التطورات الأخيرة تقول إن القوة الاقتصادية تحتاج أيضا إلى مظلة أمنية إقليمية قادرة على حماية الاستقرار. وفي المقابل، فإن الدول العربية الأخرى مطالبة بإعادة النظر في مفهوم التضامن.
التضامن ليس فقط بيانات الاستنكار، وليس فقط اجتماعات القمم، وليس فقط صور المصافحة.فالتضامن الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن العربي أن أمن القاهرة والرياض وتونس والرباط وبغداد وعمان ومسقط والدوحة وأبوظبي والمنامة والجزائر وطرابلس وبيروت ونواكشوط…. هو في النهاية جزء من أمن عربي مشترك.
من يوقف خطة “العرب يقتلون العرب”؟
هذه ربما هي القضية الأكثر إلحاحا، فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب عربية جديدة ولا تحتاج إلى تحويل الحوثيين إلى عنوان لصراع عربي ـ عربي. ولا تحتاج إلى دفع السعودية واليمن إلى دورة جديدة من الصراع والفعل ورد الفعل.. ولا تحتاج إلى أن تتحول كل عاصمة عربية إلى جبهة محتملة.
ما تحتاجه المنطقة هو مسار سياسي يعالج جذور النزاعات، ويوقف تحويل الدول العربية إلى ساحات لتصفية الصراعات الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن حماية السعودية من الهجمات لا ينبغي أن تفهم باعتبارها اصطفافا سياسيا معها ضد طرف عربي آخر. بل هو واجب نصرة ودعم دولة عربية تتعرض للاعتداء. فعندما تصبح عاصمة عربية هدفا للصواريخ، وعندما تهدد منشآتها النفطية ومطاراتها وموانئها، وعندما تتحول الحرب إلى لعبة صواريخ ومسيّرات تمتد عبر الحدود، فإن القضية تتجاوز الوقوف موقف المتفرج من قبل بقية الدول العربية. فالسعودية، دولة عربية ذات ثقل اقتصادي وسياسي كبير، وقدمت على مدى عقود مساعدات واستثمارات ومساهمات لدول وشعوب عربية وإسلامية. والبيانات الرسمية السعودية توثق حجما واسعا من هذه المساعدات والمشاريع في المنطقة والعالم.
لذلك فإن السؤال العربي اليوم لا ينبغي أن يكون هل نقف مع السعودية أم ضدها؟ بل: هل نقبل أن تستمر الدول العربية في دفع ثمن صراعات الآخرين، وأن يتحول العربي إلى هدف للعربي، بينما تبقى القوى الأكثر قدرة على إدارة الصراع أقل تعرضاً لكلفته المباشرة؟
هذه هي المعادلة التي تستحق أن يناقشها العرب، فالأمن العربي لا يمكن أن يبنى على أنقاض دولة عربية أخرى. والتضامن العربي لا يمكن أن يكون موسميّا. وإذا كانت السعودية قد وقفت في محطات كثيرة إلى جانب دول عربية بالمال والاستثمار والمساعدات، فإن اللحظة الحالية تفرض على العالم العربي أن يفكر في معنى الوقوف إلى جانب دولة عربية عندما تتعرض أراضيها ومدنها ومنشآتها لهجمات صاروخية. فما يجمع العرب، في النهاية، أكبر من أن تختصره صواريخ الحوثي أو حسابات القوى الإقليمية والدولية.






