لوبوان تي ان :
.اليوم مقدمة ابن خلدون وغدا ماذا؟؟
حالة رهيبة من الحقد رافقت «مقدمة ابن خلدون» وهي في طريقها نحو التسجيل في ذاكرة العالم لدى اليونسكو باسم تونس، ليتحول الموضوع في ساعات إلى ملف تشارك فيه تونس والجزائر ومصر وتركيا!
وما كان يفترض أن يكون نقاشاً حول قيمة «المقدمة» ومكانتها في ذاكرة العالم، تحول سريعاً إلى بحث محموم عن هوية ابن خلدون، وكأن المطلوب، قبل الاعتراف بالصلة التونسية بهذا الإرث، نزع الرجل من تونس والعودة به إلى أصول عائلته التي تعود إلى قرون بعيدة.
عبد الرحمن ابن خلدون ولد في تونس سنة 1332، وولد والده فيها، ونشأ هو في تونس، وتلقى علومه في جامع الزيتونة، وفي هذه البيئة تشكلت بدايات شخصيته العلمية والفكرية. ثم اتسعت تجربته إلى المغرب والأندلس والمشرق، فازدادت رؤيته عمقاً واتساعاً، من دون أن تلغي تلك الرحلة نقطة انطلاقه.
ما يثير الجدل ان منطق استحضار الإنساب البعيدة لا يُطبّق دائماً عندما يتعلق الأمر بشخصيات أخرى.
فشارل أزنافور ولد في فرنسا بعد وصول أسرته الأرمنية إليها، وحمل اسماً أرمنياً في البداية، وظلت أصوله جزءاً معروفاً من سيرته، بل ارتبط لاحقاً بأرمينيا في مهام رسمية. ومع ذلك لم تتحول أصوله إلى وسيلة لنفي فرنسيته فقد كان يقدم نفسه فرنسياً، وصنع تجربته الفنية والثقافية في فرنسا.كارل ماركس كذلك وُلد في بروسيا، وعاش في فرنسا وبلجيكا، ثم استقر في بريطانيا وكتب فيها جزءًا مهمًا من أعماله. هل يعني ذلك أن «رأس المال» أصبح تراثًا ألمانيًا فرنسيًا بلجيكيًا بريطانيًا؟ان السؤال الذي يفرض نفسه لماذا يصبح الأصل العائلي أو الحضاري حاسماً عندما يتعلق الأمر بتونس، بينما لا يُستخدم بالمنطق نفسه لنزع فرنسية أزنافور
ما نقف عليه مع كل خيبة ان تونس تعيش على وقع مفارقة غريبة منذ 2011
ومحاولات ممنهجة لتقزيمها وضرب عراقة تاريخها لاسيما وان حنبعل الذي وُلد بقرطاج، في فضاء الدولة القرطاجية، وعاش في سياقها السياسي والعسكري، وأصبح أحد أبرز رموز تاريخها. حاول البعض اختزال شخصيته في أصلها الفينيقي، بل يتم تقديمه أحياناً بوصفه «لبنانياً»، وكأن إثبات الجذر الحضاري يقتضي إلغاء المكان الذي ولد فيه وصنع فيه تجربته.
ان الاشكال ليس في اعتزاز بعض الدول كالجزائر …أو مصر …. بابن خلدون لكن استدعاء مفهوم
«التراث المشترك» لطمس الهوية التونسية فهو أمر غير مقبول لأنه يؤول بالضرورة لتقزيم الخصوصية التاريخية.
ومع تزايد التطاول والسطو الممهنج على التراث و الذاكرة التونسية هناك اجماع ان ما يحدث يقيم الدليل على وجود تقصير في السياسة الثقافية التونسية وهو ما يضاعف المخاوف فاليوم «مقدمة ابن خلدون»، وغدًا قد يكون غيرها لنجد رموز تونس في متاحف الغير الذي يستعين بفرق الكترونية ماجورة ليسطو على رموز تونس املا في صنع تاريخ لدولته ثم يسارع باساليب ملتوية لترسيمها باليونسكو.
الثابت ان التفريط في موروثنا هو جريمة خيانة للذاكرة مهما كان الطرف الذي قام بها اشخاص او مؤسسات…




