“أهم ما يمتلكه لبنان الوحدة الوطنية والمواجهة في البر مع الاستفادة من التوازنات الإقليمية”
حامد بن إبراهيم / استشاري في العلاقات الدولية 
اعتبارا لكثرة التحاليل التي تُركّز على تحديات الواقع السياسي اللبناني الداخلي، وتشعب الارتباط الخارجي لمختلف الفاعلين السياسيين فيه، ستحاول هذه القراءة التركيز على خلاف قائم بين فرقاء لبنانيين قد ينتهي – حسب بعض التوقعات – بحرب أهلية، حتما تفوق سابقتها حدة نظرا لترسانة الثنائي الشيعي وانصارهم. جوهر الخلاف المقصود يدور حول علاقة لبنان بإيران، إذ يشكل الموضوع عقدة مفصلية بين فريقين: الأول يضم الثنائي الشيعي ومناصريهما في جبهة وطنية عابرة للطوائف، والفريق الآخر يضم جانبا من المسيحيين أي القوات والكتائب (دون التيار الوطني لميشال عون والمردة بقيادة سليمان فرنجية)، وقسما من السنة ( لا يضم تيار المستقبل)، يزاوج بين الولاء للسعودية والارتباط بدمشق، كعنوان جديد لإرادة تأبيد الخلاف الأُموي الطّالبي.
وكان الخطاب الذي ألقاه الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون، إثر اعلان وقف إطلاق النار المؤقت (4/ 2026)، آخر محطات انكشاف حدة الاستقطاب في الساحة السياسة بلبنان. الرسائل للداخل والخارج، تخللتها صياغات تتعلق بالاستعداد للتفاوض المباشر مع مجرم الحرب نتنياهو، مع نبرة توحي بالرغبة في تغيير وجهة لبنان الجيوسياسية، في تجاهل للتوازنات الإقليمية والدولية المتغيرة. الخطاب، وتصريحات الرئيس، التي تلته، ردا على أمين عام حزب الله الرافض للتفاوض المباشر، أثارت كثيرا من الاستغراب في الأوساط المهتمة بالصراع العربي الإسرائيلي، بسبب المواقف التي قد تُعقِّد الوضع الداخلي اللبناني، الذي يعاني أصلا من انقسام حاد، نظرا للتباين -الى حد التخوين- في تصنيف الحليف والعدو، وفي تصورات الحل للازمات المتعددة القائمة.
وفي قلب ملحمة بطولية تخوضها المقاومة اللبنانية، وما يقدمه الشعب اللبناني من كل طوائفه من تضحيات، افترضت القوى الحية بالداخل واحرار العالم صدور إشارة من رأس السلطة تعكس تقديرا لهذا الصمود وتساهم في التجميع حول راية التصدي للعدو، لكن العكس تحقق من خلال عبارة “من يغامر بحياة اللبنانيين”، وكأنما الرد على الاعتداء أصبح مغامرة. ذروة الاجحاف في حق الشهداء والمضحّين، اعتبارُ عقيدة القتال والمقاومة “غريزة انتحار”، عوض تصويرها “فِطرة التصدي للباطل”؛ وقد تبقى هذه العبارة لسنوات في الساحة السياسية اللبنانية مثارا للحِجاج وسببا للخصومة.
أشار الرئيس جوزيف عون في خطابه الى “الشعارات المضللة والموت العبثي المرتبط بقضايا خارجية، وبنفوذ الدول البعيدة“؛ وحسب عديد المتابعين يعكس هذا التوصيف المبطّن لإيران، حالة نكران تُغيّب فعل الاحتلال وإرادة التوسع ومشروع إسرائيل الكبرى المسنود من الولايات المتحدة الامريكية المموِلة والداعمة بالسلاح والذخيرة والغطاء السياسي للكيان المحتل.
وتُقدَّم العلاقة بين إيران ولبنان في كثير من الخطابات السياسية المعاصرة، خصوصًا داخل بعض الأوساط المسيحية والسنية اللبنانية، بشكل اختزالي يعتبرها “تدخل إيراني” في الشأن اللبناني يستفيد من قوى محلية حليفة. هذا الطرح، رغم احتوائه على ما قد يدعمه ظاهريا، يشوبه التبسيط ويفتقر العمق المطلوب لتفسير التعقيد البنيوي في ارتباط شيعة لبنان بإيران. فالعلاقة تاريخية وتتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية والجيوسياسية، بشكل يصعب فصله أو اختزاله في بعدٍ واحد.
الترابط لا يمكن ردّه ببساطة إلى إرادة دولة (إيران) ساعية إلى التمدد، بقدر ما هو نتاج تراكم طويل من التفاعلات التي سبقت نشوء الدول الحديثة نفسها، ويعود الى بدايات قيام الدولة الصفوية وتعزز هياكلها منذ نصف الفيّة، باعتبارها أول من تبنى المذهب الجعفري الامامي رسميا بإيران. لقد لعبت البيئة العلمية الجعفرية في جبل عامل (الجنوب اللبناني) دورًا بارزًا في التاريخ الشيعي، حيث ساهم علماؤها في بناء وتثبيت المؤسسات الدينية في إيران، وهو ما أرسى نوعًا من التواصل المعرفي والفقهي بين المنطقتين. هذا التواصل لم تكن أسسه في البدايات سياسيّة، بل كان قائمًا على تبادل علمي مذهبي، الأمر الذي يجعل العلاقة بين إيران وشيعة لبنان أقدم من الدولة الوطنية في البلدين، وأعمق من أن تُختزل في سياق سياسي راهن.
مع قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، انتقلت هذه العلاقة إلى مستوى جديد، إذ تحولت تصاعديّا من رابطة ثقافية-دينية إلى تفاعل سياسي واستراتيجي واضح، حيث تبنّت إيران خطابًا يتجاوز حدودها الوطنية، وقدّمت نفسها طرفا داعما لقضايا إقليمية، تدور حول التحرير والصراع مع إسرائيل. وإيران من منظور جيوسياسي، ومن منطلق حتميات ثوابت أمنها القومي محكوم عليها بالصراع مع إسرائيل، كي تضمن وزنها الإقليمي وحضورها الدولي. وعدم التصدي لإسرائيل يُحتّم ارتداد إيران الى وضعها الوظيفي لما قبل الثورة، داخل ما تعتبره الطبقة الإيرانية الحاكمة “منظومة الاستكبار الامبريالية الصهيونية”.
في هذا السياق، يبرز لبنان ليس كساحة نفوذ أحادي الاتجاه، بل كبيئة تفاعل مركّبة، حيث استفادت قوى محلية، وعلى رأسها ما يُعرف بالثنائي الشيعي، من الدعم الإيراني لتعزيز موقعها داخل نظام سياسي طائفي معقد، تعتبرانه كان مجحفا في حقها تاريخيا. وأسهمت هذه القوى بدورها في بلورة جزء من ديناميكيات ما يُسمى بمحور المقاومة كضامن لفاعلية “الدفاع المتقدم” في عقيدة الردع الايرانية. بذلك، لا يكون لبنان متلقٍ أو تابع للنفوذ الايراني، بل هو مساهم في تكييفه وإعادة إنتاجه وتفعيله وفق خصوصياته الداخلية. واستفادة الدولة اللبنانية من قدرات إيران في الدفاع عن سلامته الترابية أمر حاصل ومتكرر، بقطع النظر عن الإطار والآليات.
في المقابل، تتبنى شرائح من النخبة السياسية اللبنانية، خاصة تلك القريبة من الغرب و”الأنظمة البترودولاريّة”، سردية ترى في هذا الدور الإيراني تهديدًا لسيادة الدولة، وعاملًا يدفع لبنان إلى مواجهات إقليمية لا تخدم استقراره، ما يفسر ميل هذه القوى إلى خيارات تفاوضية مع إسرائيل ورفضها العلني للدعم الإيراني؛ ولو بكلفة سيادية عالية، تصل الى الاستعداد لتلزيم جزء من التراب الوطني لإسرائيل، والقبول بسيناريوهات ديمغرافية قد تغير وضع ملايين اللبنانيين.
والتحليل بعقل بارد، قد يوصلنا الى أن كلا الفريقين بحاجة الى تدوير الزوايا؛ فالكتلة الأولى القريبة من إيران قد تُغفل أحيانا تواصليّا مراعاة تعقيدات التوازنات الداخلية اللبنانية ومخاوف بعض الطوائف؛ عندما تفعّل الورقة الإيرانية كرافعة لدورها السياسي الداخلي. والثانية تختزل العلاقة في بعدها الخارجي متجاهلة جذورها التاريخية، والبُنى المحلية التي تأسست عليها. والحال أن فهم هذه العلاقة يقتضي النظر إليها كنتاج تداخل بين تاريخ ديني مشترك، وبنية طائفية داخلية، ومصالح سياسية متغيرة، وصراعات إقليمية مفتوحة. فضلا عن أنّ إيران تصبح نكرة في الموازين الدولية في غياب الملف النووي وقدراتها التصنيعية العسكرية، ونزوعها للتموقع الإقليمي. كما يتحول لبنان، دون مقاومته ودوره في الصراع العربي الإسرائيلي، الى دولة بحجم منتجع؛ وهو توصيف السفير براك، منسق الرئيس ترامب لشؤون الشرق الأوسط.
وفي سياق محاولة تفسير أعمق لهذه العلاقة، تظهر أحيانًا سرديات تُضفي عليها طابعًا شخصيًا، من خلال ربط بعض القيادات الإيرانية بجذور لبنانية، ولا سيما تلك التي تشير إلى احتمال وجود صلة بين عائلة خامنئي والبيئة العامِليّة في لبنان، بل وامتداد هذه الصلة إلى سلالات علمية معروفة كآل الكركي. غير أن هذه الروايات، رغم جاذبيتها الرمزية، تحتاج إلى توثيق تاريخي، يتعذر التوسع فيه في هذه الورقة. ويبقى ما سبق، أقرب إلى الفرضيات الفكرية التاريخية منه إلى الحقائق المثبتة. وهذا لا يمنع تأثير المئات من السّادة (أصحاب العمائم السود) في إيران، والمنتسبين الى آل البيت عموما (بما في ذلك في الحرس الثوري) في نوع العلاقة ومستواها مع العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وكل دول الخليج.
ومن يتعمق في دراسة المنظومة السياسية الإيرانية، يدرك أن مجريات الميدان والعلاقة مع الدول تخضع إلى حد كبير لأبعاد عقائدية ولثنائيّة صِفّين وكربلاء، بشكل يصعب على الكثيرين تصوره واستيعابه. الا أن تحميل هذه الابعاد وزنًا تفسيريًا إطلاقايا في فهم السلوك السياسي الإيراني، كربطها مثلًا بحزم طهران في إدراج ملف لبنان ضمن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، قد ينطوي على قدر من المبالغة. فالقرار السياسي في إيران، وإن أثبتت التجربة قوة منطلقاته وثوابته الأخلاقية، يتشكل أيضا ضمن منظومة مؤسسية معقدة تحكمها اعتبارات استراتيجية صلبة تتعلق بالصراع الإقليمي وتوازنات القوة، أكثر مما تحكمه اعتبارات نسبٍ أو انتماء تاريخي.
وما يسري على علاقة تيار المقاومة في لبنان بإيران، وخاصة الثنائي الشيعي، يمكن اسقاطه على العلاقة مع اليمن وأنصار الله، اذ لا يكفي التركيز على التقاطعات بين المذاهب والمدارس الإسلامية لتفكيك المشهد الإقليمي وتوازناته. فالتحالفات تتجاوز البعد الفقهي الصرف، وتتصل بتوازنات إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة تشكيل البنية الرمزية والسياسية للمنطقة. وتبرز القضية الفلسطينية هنا كعامل جامع ومعقّد في آن واحد، ليس بسبب امتداد جغرافي تاريخي مباشر، بل لما تحمله من رمزية مركزية في الخطاب السياسي والأيديولوجي، سواء في إيران أو لدى القوى المتحالفة معها في لبنان، والتي تتجاوز الفضاء الشيعي لتضم مسيحيين ودروز وسنة.
ورجوعا الى خطاب الرئيس اللبناني، والتصريحات التي أعقبته، يمكن في ألطف الأحوال الحديث عن افتتاح مرتبك لمسار مفاوضات مع طرف يرى في التفاوض آلية للمطالبة وللإخضاع، خدمة لمشروع توسعي هدفه المعلن تأسيس إسرائيل الكبرى. وحسب الكثير من المحللين، في لبنان وفي الإقليم وفي أوساط غربية عديدة، تعتبر مواقف السلطة تعبيرا لإسرائيل عن الاستعداد للالتقاء الجبهوي معها في محاربة إيران، من خلال التضييق على حزب الله والشيعة وانصارهم في الجبهة الوطنية في لبنان. وما لا يفهمه عاقل سعي السلطة ببيروت للاستسلام والمواجهة متواصلة، ولا شيء يشير الى انتصار العدو أو لعجز المقاومة على ايلامه وتحسين شروط التفاوض.
والأجدر، والمنصوح به، استلهاما من تجارب شعوب كثيرة مرت بتحديات الاستعمار والتحرير، هو الرجوع لأبجديات علم التفاوض وتجميع أوراق الضغط التي تبدأ بالوحدة الوطنية والاستناد على قدرة المواجهة العسكرية في البر. وبالتوازي لا بد من الاستفادة من التوازنات الإقليمية، وخاصة وضع إيران بعد الحرب كقوة إقليمية وازنة، والجبهة السنية الرباعية الباكستانية التركية المصرية السعودية؛ الناشئة تحت ضغط الاستهداف الإسرائيلي وخطورة مشاريع التوسع المعلنة للكيان الصهيوني.
وختاما، يبدو تصوير العلاقة بين إيران ولبنان، كمسألة “تدخل” أحادي الاتجاه لا يعكس واقعها المركب، تمامًا كما أن تقديمها كتحالف عقائدي صرف يتجاهل بدوره مصالح الدول وحساباتها البراغماتية. إن ما يحكم هذه العلاقة هو تداخل مستمر بين الرمزي والواقعي، بين التاريخي والآني، وبين المحلي والإقليمي، وهو ما يجعل أي محاولة لحصرها في تفسير واحد، سواء كان سياسيًا أو دينيًا أو حتى شخصيًا، محاولة قاصرة عن الإحاطة بطبيعتها الفعلية. وبالتالي، فإن مقاربة أكثر توازنًا تقتضي الاعتراف بهذا التعقيد، والنظر إلى العلاقة بوصفها شبكة ديناميكية من التأثيرات المتبادلة، لا مجرد امتداد لإرادة طرف واحد أو انعكاسًا لسردية سياسية بعينها.





