ليست كل الإخفاقات في السياسة الدولية ناتجة عن ضعف في الأدوات، بل كثيرًا ما تكون نتيجة فائضٍ في الثقة بسرديات القوة. هذا ما يكشفه مسارا فلاديمير بوتين في حربه على أوكرانيا، ودونالد ترامب في استراتيجيته التصعيدية تجاه إيران. في الحالتين، لم يكن الرهان على القوة خاطئًا في ذاته، بل في كيفية تقدير حدودها داخل نظام دولي بات أكثر تعقيدًا وتشابكًا.
تحرك بوتين ضمن تصور كلاسيكي للجيوبوليتيك، حيث تُترجم الجغرافيا إلى نفوذ مباشر، وتُحسم الصراعات عبر تفوق عسكري سريع. غير أن هذا التصور اصطدم بتحول بنيوي في طبيعة الحروب: لم تعد المواجهة تُحسم بالسيطرة الميدانية فقط، بل بقدرة الخصم على الصمود ضمن شبكة دعم دولية واسعة. ما واجهته روسيا لم يكن مجرد جيش أوكراني، بل منظومة غربية متكاملة—مالية، عسكرية، استخباراتية—حوّلت الحرب إلى معادلة استنزاف مفتوح. هنا، أخطأ التقدير الروسي في فهم أن أوكرانيا لم تعد ساحة نفوذ تقليدية، بل عقدة في صراع أوسع على شكل النظام الدولي.
في المقابل، تحرك ترامب ضمن منطق مختلف ظاهريًا، لكنه مشابه في الجوهر: استخدام القوة الاقتصادية كبديل عن الحرب المباشرة. عبر سياسة “الضغط الأقصى”، سعى إلى إعادة تشكيل سلوك إيران دون تكلفة عسكرية. غير أن هذا التصور افترض ضمنيًا أن الاقتصاد يمكن أن يحسم ما تعجز عنه الجيوش. ما لم يُحسب هو أن إيران لا تتصرف كدولة معزولة، بل كفاعل إقليمي مرن، يمتلك أدوات غير تقليدية: شبكات نفوذ، حروب بالوكالة، وقدرة على امتصاص الصدمات عبر إعادة توزيع الكلفة داخليًا وخارجيًا. بذلك، تحولت العقوبات من أداة إخضاع إلى عامل إعادة تشكيل للتوازنات، دون أن تحقق هدفها الأساسي.
الخطأ الجيوسياسي الأعمق في الحالتين يكمن في “إسقاط النوايا على الواقع”: افتراض أن الخصم سيتصرف وفق منطقك أنت، لا وفق منطقه هو. بوتين افترض أن كييف ستنهار سياسيًا قبل أن تُهزم عسكريًا، وترامب افترض أن طهران ستخضع اقتصاديًا قبل أن تتكيف استراتيجيًا. لكن في عالم متعدد الأقطاب، حيث تتداخل الهويات الوطنية مع شبكات الدعم والتحالف، لم يعد هذا النوع من الافتراضات صالحًا.
إضافة إلى ذلك، كشفت التجربتان حدود مفهوم “الحسم”. فالحرب في أوكرانيا لم تُنتج نصرًا سريعًا، بل حالة سيولة استراتيجية، حيث لا غالب ولا مغلوب بشكل نهائي. وسياسة الضغط على إيران لم تُفضِ إلى اتفاق جديد، بل إلى إدارة توتر دائم. هذا التحول يعكس انتقال النظام الدولي من منطق النتائج الحاسمة إلى منطق “إدارة الأزمات طويلة الأمد”، حيث يصبح الهدف هو التحكم في التصعيد، لا إنهاؤه.
داخليًا، انعكست هذه الإخفاقات على بنية الشرعية. فـفلاديمير بوتين يواجه معضلة الاستمرار في حرب مكلفة دون أفق واضح للنصر، بينما وجد دونالد ترامب نفسه محكومًا بتوازنات داخلية، حيث أصبحت سياساته تجاه إيران جزءًا من صراع مع المؤسسات، خاصة الكونغرس الأمريكي، ومع الرأي العام الذي يقيس النجاح بوضوح النتائج لا بحجم التصعيد.
لكن الأهم من ذلك أن كلا التجربتين تكشفان تحولًا أعمق: تراجع فعالية القوة الصلبة حين تُستخدم خارج سياق فهم دقيق للتشابكات الدولية. لم تعد الجيوش وحدها قادرة على فرض الوقائع، ولا العقوبات وحدها قادرة على تغيير الأنظمة. القوة اليوم تُقاس بقدرة الدولة على إدارة التعقيد، لا تبسيطه.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر بفشل شخصي لقائدين، بل بخلل في تصور أوسع لطبيعة القوة في القرن الحادي والعشرين. عالم اليوم لا يُدار بمنطق الهيمنة المباشرة، بل بمنطق التوازنات الهشة، حيث كل خطوة غير محسوبة قد تتحول إلى قيد استراتيجي طويل الأمد. وهنا تحديدًا، يصبح سوء التقدير ليس مجرد خطأ… بل نقطة تحوّل.
ما تكشفه تجربتا فلاديمير بوتين ودونالد ترامب يتجاوز حدود الحدث إلى بنية التفكير السياسي ذاته: لم تعد المشكلة في امتلاك القوة، بل في سوء قراءة حدودها. فالعالم الذي دخل طور التعقيد لا يعاقب الضعف بقدر ما يعاقب التبسيط. وحين تُبنى الاستراتيجيات على يقين مفرط بدل الشك المنهجي، تتحول القرارات الكبرى إلى أزمات مفتوحة، لا لأن الخصوم أقوى، بل لأن الواقع أكثر تعقيدًا مما افترضه صانع القرار.






