أراء

عمان… الدولة التي لا ينبغي ولا يمكن تهديدها

سلطنة عمان ليست مجرد دولة صغيرة على خارطة الخليج. إنها إحدى آخر العواصم القادرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة

لوبوان-كتب سفيان رجب

بينما اعتاد العالم على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المثيرة للجدل، فإن التهديد الذي وجّهه أخيرا إلى سلطنة عمان تجاوز حدود السجال السياسي التقليدي. فحين تهدَّد دولة صغيرة بحجمها الجغرافي، كبيرة بثقلها الدبلوماسي، فإن الأمر لا يتعلق فقط بردة فعل عابرة أو انفعال سياسي، بل يكشف خللا في فهم دور إحدى أهم الدول التي حافظت على استقرار الخليج والشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.

فعمان ليست مجرد دولة مطلة على مضيق هرمز، ولا مجرد عضو في مجلس التعاون الخليجي، بل هي مدرسة سياسية قائمة بذاتها، نجحت في أن تجعل من الحياد الإيجابي أداة نفوذ، ومن الحوار بديلا عن الصراع، ومن الدبلوماسية الهادئة قوة تأثير تتجاوز بكثير إمكاناتها العسكرية أو الديمغرافية.

إرث قابوس… حين تحولت الحكمة إلى سياسة دولة

فمنذ تولي السلطان الراحل قابوس بن سعيد الحكم عام 1970، اختارت عمان مسارا مختلفا عن بقية دول المنطقة. ففي زمن المحاور الحادة والاستقطابات الإقليمية، رفضت مسقط الانخراط في سياسة المعسكرات المتصارعة.

لم يكن السلطان قابوس، المتشبع بالمبادئ الانقلو سكسونية، مؤمنا بسياسة الضجيج الإعلامي أو الاستعراض الدبلوماسي، بل رسخ قناعة مفادها أن الدولة الصغيرة تستطيع أن تصبح كبيرة إذا امتلكت المصداقية. لذلك احتفظت السلطنة بعلاقات متوازنة مع الجميع؛ مع الولايات المتحدة وإيران، مع السعودية واليمن، مع الغرب والشرق، دون أن تتحول إلى أداة في يد أي طرف ولنا في حرب الخليج والازمة العراقية-الكويتية احسن مثال.

وعلى امتداد نصف قرن، لم تعرف عمان بإشعال النزاعات، بل بإطفائها. ولم تعرف بالاصطفاف وراء الحروب، بل بالسعي إلى منعها.

السلطان هيثم… استمرار النهج لا تغييره

عندما تولى السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم عام 2020، توقع البعض أن تشهد السياسة الخارجية العمانية تحولات جوهرية بفعل المتغيرات الإقليمية والدولية.

 

لكن السنوات الماضية أثبتت أن جوهر السياسة العمانية بقي ثابتا. فمسقط واصلت لعب دور الوسيط الموثوق، وحافظت على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، واستمرت في تقديم نفسها باعتبارها منصة للحوار لا ساحة للصراع.

لقد أدركت القيادة العمانية الجديدة أن أكبر رصيد استراتيجي تملكه السلطنة ليس النفط ولا الموانئ، بل الثقة التي راكمتها لدى الجميع.

الوسيط الذي يتحدث إليه الجميع

في منطقة تعاني من نقص الوسطاء الموثوقين، أصبحت عمان استثناء نادرا. فعندما انقطعت قنوات التواصل بين واشنطن وطهران، كانت مسقط هي النافذة التي ظل الطرفان قادرين على النظر من خلالها إلى بعضهما البعض. ومن العاصمة العمانية انطلقت المحادثات السرية التي مهدت للاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

واليوم، ومع عودة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، عادت عمان إلى الواجهة باعتبارها الجهة الأكثر قدرة على تقريب وجهات النظر ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة. وهنا تكمن المفارقة.

فالسلطنة التي تتعرض اليوم للتهديد هي نفسها الدولة التي وفرت لواشنطن على امتداد سنوات طويلة قنوات اتصال لم يكن بالإمكان إيجاد بديل عنها.

جغرافيا السلام لا جغرافيا الحرب

وتدرك عمان بحكم موقعها الاستراتيجي حساسية التوازنات في الخليج. فالسلطنة تشرف على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.

لكن مسقط لم تنظر يوما إلى هذا الموقع باعتباره أداة ابتزاز سياسي أو اقتصادي، بل باعتباره مسؤولية دولية.

ومنذ عقود، عملت السلطنة على حماية أمن الملاحة البحرية واستقرار المنطقة، لأن أي اضطراب في هرمز لا يهدد دول الخليج فقط، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ولذلك فإن تصوير عمان كطرف يسعى إلى السيطرة على المضيق أو استغلاله سياسيا يتناقض مع سجلها التاريخي المعروف.

لماذا تحتاج واشنطن إلى عمان أكثر مما تحتاج عمان إلى واشنطن؟

قد تبدو هذه العبارة صادمة للوهلة الأولى، لكنها تعكس واقعا جيوسياسيا واضحا. فالولايات المتحدة تملك قواعد عسكرية وأساطيل بحرية وقوة اقتصادية هائلة، لكنها لا تملك الكثير من الوسطاء الذين يحظون بثقة الخصوم. أما عمان فتمتلك هذه الميزة النادرة.

 

فطهران تثق بمسقط. ودول الخليج تثق بها. والولايات المتحدة نفسها اعتمدت عليها مرارا. وحتى القوى الدولية الكبرى تنظر إليها باعتبارها طرفا عقلانيا ومتوازنا.

ومن هنا فإن إضعاف الدور العماني أو ممارسة ضغوط مفرطة عليها لا يخدم المصالح الأمريكية بقدر ما يضر بها، لأنه يقلص هامش الوساطة المتاح في واحدة من أكثر مناطق العالم توترا.

عمان… آخر حصون العقلانية في الخليج

ففي عالم تتزايد فيه لغة التهديد والعقوبات والحروب، تبدو التجربة العمانية استثناء يستحق الاحترام لا الاستهداف. فالسلطنة لم ترسل جيوشها إلى حروب عبثية، ولم تدخل سباقات نفوذ مدمرة، ولم تستخدم ثرواتها لشراء الولاءات أو تأجيج الصراعات. لقد بنت مكانتها بهدوء وصبر، عبر الدبلوماسية والحوار والثقة.

ولذلك فإن أي تهديد لعمان لا يقرأ فقط باعتباره استهدافا لدولة خليجية، بل باعتباره استهدافا لفكرة سياسية أثبتت نجاعتها: أن الحوار أقوى من المدافع، وأن الوساطة أكثر فائدة من المواجهة، وأن الحكمة قد تكون في أحيان كثيرة أكثر تأثيرا من القوة.

ما بعد تصريحات ترامب

قد تمر تصريحات ترامب كما مرت تصريحات كثيرة قبله، وقد لا تتجاوز إطار الضغط السياسي أو الرسائل التفاوضية. لكن ما ينبغي أن يبقى هو إدراك حقيقة أساسية: أن سلطنة عمان ليست مجرد دولة صغيرة على خارطة الخليج. إنها إحدى آخر العواصم القادرة على جمع المتخاصمين حول طاولة واحدة.

وفي زمن تتكاثر فيه الحروب وتنهار فيه الجسور، تصبح الدول التي تبني الجسور أكثر قيمة من الدول التي تهدد بهدمها. لهذا السبب بالذات، تبقى عمان دولة لا ينبغي تهديدها، بل دولة ينبغي الحفاظ على دورها، لأن المنطقة والعالم يحتاجان إلى حكمتها أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى