أراء

رسالة الى رئيس الدولة: “التعاطف لا يعني التنازل عن الوطن”

سيدي الرئيس 

أكتب إليك اليوم لا كمواطنة غاضبة فقط، بل كامرأة تونسية خائفة على ذاكرة بلادها، على شوارعها، على لهجتها، على ملامحها، وعلى ذلك الشعور العميق الذي يجعل الإنسان يقول بثقة: هذا وطني… وهذه أرضي… وهنا جذوري.

أنا لا أكتب ضد الإنسان، ولا ضد الفقير، ولا ضد من دفعته الحاجة إلى الرحيل. لكنني أكتب ضد الفوضى، ضد الصمت، ضد انعدام سياسة واضحة في ملف الهجرة غير النظامية، وضد أن يتحوّل هذا الملفّ إلى واقع مفروض على الشعب دون استشارته، ودون تنظيمه، ودون احترام توازناته الاجتماعية والثقافية والأمنية.

سيدي الرئيس،

تونس ليست ضد إفريقيا، ولا ضد الغرباء، ولا ضد من يبحث عن حياة أفضل. لكن تونس أيضًا ليست ممرًا مفتوحًا بلا سيادة، ولا أرضًا بلا حدود، ولا شعبًا بلا حق في أن يخاف على هويته.

من حقنا أن نسأل: من دخل البلاد؟ كيف دخل؟ أين يقيم؟ من يشغّله؟ من يموّله؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذا الواقع أمام الشعب؟

من حق التونسي أن يرى دولة تتحرّك، لا دولة تراقب. من حقه أن يرى قرارات، لا تصريحات. من حقه أن يرى قانونًا، لا ارتباكًا. ومن حقه أن يقول بصوت واضح: التعاطف لا يعني التنازل عن الوطن.

نحن نطالب بسياسة هجرة وطنية صارمة، واضحة، معلنة، ومقنّنة. نطالب بإحصاء شامل لكل الموجودين خارج الأطر القانونية. نطالب بمراكز إيواء مؤقتة تحفظ الكرامة الإنسانية وتمنع الفوضى في الشوارع. نطالب بترحيل قانوني ومنظّم لكل من لا يحترم شروط الإقامة. نطالب بضبط الحدود ومحاسبة شبكات التهريب والتشغيل غير القانوني.نطالب بأن تكون الهجرة نحو تونس اختيارية ومنتقاة ومبنية على حاجة البلاد، لا مفروضة عليها بواقع الفوضى. فالدول لا تترك مصيرها الديمغرافي للصدفة.

هناك دول ترحّل، ودول تنظّم، ودول لا تقبل إلا الكفاءات، ودول تستفتي شعوبها في قضايا تمسّ هويتها ومستقبلها.

فلماذا يُطلب من التونسي وحده أن يصمت؟ ولماذا يصبح الخوف على الوطن تهمة؟ ولماذا تتحوّل الجرأة في قول الحقيقة إلى عبء أخلاقي؟

سيدي الرئيس،

أنا لا أريد خطابًا يحرّض على أحد، أريد دولة تحمي الجميع بالقانون. لكن القانون يبدأ بحماية صاحب الأرض، وصاحب الذاكرة، وصاحب الهوية. فلا كرامة لمهاجر في دولة عاجزة، ولا أمان لمواطن في وطن مرتبك، ولا إنسانية حقيقية دون سيادة واضحة.

نحن لا نطلب العنف، نطلب النظام. لا نطلب الإهانة، نطلب القانون.لا نطلب الكراهية، نطلب أن لا نُجبر على الصمت داخل وطننا.لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في تونس ليس وجود مهاجرين فقط، بل أن يشعر التونسي أنّه لم يعد قادرًا على الكلام عن بلاده دون خوف من الاتهام.

سيدي الرئيس،

تحرّكوا قبل أن يتحوّل القلق إلى شرخ.، تحرّكوا قبل أن يصبح الصمت غضبًا ضد هؤلاء. تحرّكوا قبل أن تصبح الأحياء التي كانت تحمل ذاكرة تونس عنوانًا للاغتراب داخل الوطن. نحن لا نريد تونس قاسية. نريدها عادلة، لا نريدها مغلقة.نريدها منظّمة، لا نريدها كارهة.نريدها سيدة نفسها.

فالرحمة بلا قانون فوضى، والإنسانية بلا سيادة ضعف، والتسامح حين يُفرض على الشعوب دون تنظيم يتحوّل إلى احتقان.

سيدي الرئيس،

هذه ليست رسالة خوف أعمى، بل نداء وطني: احموا تونس قبل أن يصبح الحديث عن حمايتها متأخرا …

ريم بالخذيري

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى