لوبوان-كتب غسان رجب
لم تكن خسارة البطولة هذا الموسم مجرد تعثر رياضي عابر بالنسبة إلى الترجي الرياضي التونسي، بل بدت وكأنها لحظة مراجعة حقيقية داخل ناد تعوّد جماهيره على السيطرة المحلية والقارية. فالترجي الذي بنى عبر عقود صورة الفريق القوي والمستقر، وجد نفسه هذا الموسم أمام أسئلة ثقيلة تتعلق بالخيارات الفنية، وهيكلة الإدارة، وتجديد الرصيد البشري، وحتى بطريقة تسيير المرحلة القادمة.
وفي خضم هذا المناخ المتوتر، جاء تعيي قائد الفريق السابق وأحد اساطير النادي شكري الواعر نائب رئيس مكلف بكرة القدم ليحمل أكثر من مجرد تغيير إداري أو تقني، بل كمؤشر على بداية مرحلة جديدة قد تشهد إعادة تشكيل عميقة داخل النادي، سواء على مستوى القرار أو على مستوى العقلية الرياضية نفسها.
نهاية موسم.. وبداية مراجعات
الترجي لم يخسر اللقب فقط، بل خسر أيضا جزءا من صورته المعتادة كفريق يفرض هيبته محليا دون نقاش. فخلال الموسم ظهرت عدة مشاكل بوضوح: تذبذب الأداء، محدودية بعض الانتدابات، غياب الاستقرار الفني، وتراجع شخصية الفريق في بعض المباريات الحاسمة.
كما بدا واضحا أن التركيبة الحالية بلغت نوعا من التشبع، خاصة مع تقدم سن بعض اللاعبين وتراجع النسق البدني والفني مقارنة بالمواسم السابقة. وحتى الجماهير التي ظلت لسنوات تدافع عن الاستقرار، بدأت تطالب بضخ دماء جديدة وإعادة بناء مشروع رياضي أكثر حداثة.
شكري الواعر.. أكثر من اسم رمزي
وجود شكري الواعر داخل المشهد الجديد ليس تفصيلا بسيطا. فالرجل يبقى واحدا من أبرز الأسماء في تاريخ الترجي والكرة التونسية، كما يمتلك شخصية قوية وخبرة واسعة وعلاقات كبيرة داخل الوسط الرياضي.
لكن الأهم أن تعيينه يحمل رسالة واضحة، الترجي يريد استعادة “الروح” قبل الألقاب. فخلال السنوات الأخيرة، شعر جزء من الجماهير بأن الفريق فقد شيئا من شخصيته التاريخية المبنية على الانضباط والهيبة والروح القتالية.
الواعر مطالب اليوم بلعب دور يتجاوز الجانب الإداري التقليدي، ليكون جزءا من مشروع إعادة التوازن داخل النادي، خاصة في علاقة بالإطار الفني، والتخطيط الرياضي، والتواصل مع الجماهير.
هيكلة جديدة.. أم مجرد تغييرات شكلية؟
الحديث المتواصل عن إعادة هيكلة الإدارة لم يعد مجرد تسريبات أو أمنيات جماهيرية، بل أصبح ضرورة يفرضها واقع النادي. فالترجي، بحجمه المحلي والقاري، لم يعد قادرا على العمل بنفس الآليات القديمة في عالم كرة قدم تغيرت فيه كل المعايير: التسويق، الانتدابات، التحليل الرقمي، التكوين، والاستثمار الرياضي.
هناك قناعة متزايدة داخل محيط الفريق بأن المرحلة القادمة تحتاج إلى إدارة أكثر عصرية، تقوم على توزيع واضح للصلاحيات، واستقطاب كفاءات جديدة قادرة على مواكبة التحولات الحديثة في كرة القدم.
كما أن ملف الانتدابات سيكون من أبرز الملفات المنتظرة هذا الصيف، خاصة مع حاجة الفريق إلى لاعبين يملكون الجاهزية الفنية والشخصية القادرة على تحمل ضغط قميص الترجي، لا مجرد أسماء للاستهلاك الإعلامي.
الشبان.. مكسب حقيقي وسط الأزمة
ورغم خيبة البطولة، فإن مباراة الكأس الأخيرة أمام بعث بوحجلة حملت بعض الإشارات الإيجابية، خاصة من خلال ظهور عدد من اللاعبين الشبان الذين قدموا مردودا محترما وأظهروا شخصية واعدة.
هذا المعطى قد يكون من أهم مكاسب المرحلة الحالية. فالترجي تاريخيا لم يكن فقط فريق ألقاب، بل أيضا مدرسة تكوين أنجبت أسماء كبيرة للكرة التونسية والإفريقية.
وما لفت الانتباه في مواجهة الكأس هو أن بعض الشبان لعبوا دون خوف، وأظهروا جرأة وحيوية افتقدهما الفريق أحيانا هذا الموسم. وهو ما قد يدفع الإدارة الجديدة إلى إعادة التفكير بجدية في منح الفرصة لعناصر الأكاديمية بدل الاعتماد المفرط على الانتدابات المكلفة وغير المضمونة.
الكأس.. فرصة لإنقاذ الموسم
رغم خسارة البطولة، ما تزال مسابقة الكأس تمثل هدفا مهما للترجي، ليس فقط لإنقاذ الموسم بل أيضا لإعادة الثقة داخل المجموعة. فالفوز بالكأس قد يمنح الفريق دفعة معنوية كبيرة قبل الدخول في مرحلة إعادة البناء.
كما أن المباريات القادمة ستكون فرصة لاختبار بعض الأسماء الجديدة وتحديد ملامح المشروع الرياضي القادم. فالترجي اليوم لا يحتاج فقط إلى لقب، بل إلى هوية واضحة ومستقبل مستقر.
جماهير غاضبة.. لكنها تنتظر الأفعال
جماهير الترجي تبقى من أكثر الجماهير تعلقا بفريقها، لكنها أيضا من أكثرها تطلبا. لذلك فإن حالة الغضب الحالية لا ترتبط فقط بخسارة بطولة، بل بشعور عام بأن الفريق فقد جزءا من شخصيته المعهودة.
وفي المقابل، تدرك الجماهير أيضا أن مرحلة التغيير تحتاج إلى وقت وإلى قرارات جريئة. لذلك سيكون المطلوب من الإدارة القادمة ليس فقط القيام بتغييرات في الأسماء، بل تقديم مشروع واضح يعيد الثقة ويؤسس لمرحلة جديدة.
الترجي أمام مفترق طرق
ما يعيشه الترجي اليوم قد يتحول إلى أزمة طويلة، وقد يكون أيضا بداية لولادة جديدة. فالأندية الكبرى لا تُقاس فقط بعدد الألقاب، بل بقدرتها على إعادة بناء نفسها في اللحظات الصعبة.
ومع دخول شكري الواعر إلى الواجهة، ومع الحديث عن هيكلة جديدة وضخ دماء شابة، يبدو أن الترجي يقف فعلا أمام منعطف مهم في تاريخه الحديث.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة، بين الرهان على الكأس، وانتظار القرارات الكبرى، وترقب الجماهير لما ستفعله الإدارة الجديدة، يبقى السؤال الأهم، هل ينجح الترجي في تحويل خيبة الموسم إلى نقطة انطلاق نحو مشروع أقوى وأكثر حداثة؟





