ثقافة

ثقافات العالم : في تشانغشا… على خطى ماو الشاعر بين النهر والذاكرة والحكمة الصينية

لوبوان-كتبت منى جلال

تحكي بكين قصة القوة الإمبراطورية، وتعرض شنغهاي ملامح الحداثة المنتصرة، أما تشانغشا، عاصمة إقليم هونان، فهي تروي شيئا آخر: الذاكرة الداخلية للصين. ذاكرة من الأنهار والجبال والشعر والفلسفة. هنا، لا يُكتشف التاريخ فقط في الكتب أو المعالم الرسمية، بل يُقرأ في الأشجار العتيقة، وفي الحجارة المنقوشة بالحروف الخطية، وفي صمت الأكاديميات العريقة الممتدة عبر القرون.

في هذه المدينة التي وُلد فيها ماو تسي تونغ، يظهر الزعيم الصيني السابق بوجه مختلف. بعيدا عن الصور السياسية الكبرى، تكشف تشانغشا أساسا عن ماو الشاب الطالب، والقارئ الشغوف، والشاعر الذي صاغته طبيعة هونان وتقاليد الصين الفكرية القديمة.

وسط نهر شيانغ تمتد جزيرة أورانج آيل، أو “جزيرة البرتقال”، وهي شريط طويل من اليابسة أصبح اليوم أحد أكثر الأماكن رمزية في المدينة. منذ اللحظات الأولى يشعر الزائر بأجواء خاصة؛ فالنهر ينساب ببطء تحت الأشجار المعمرة، والحدائق تبدو معلقة خارج الزمن، فيما يغمر ضوء المساء المكان بنعومة تكاد تكون غير واقعية.

وعلى الجزيرة، يعبر قطار سياحي صغير ببطء بين الممرات المحاطة بالأشجار والنباتات الكثيفة. ومع تقدم الرحلة، ترافق الزوار رائحة رطبة تنبعث من الأرض القديمة والأوراق الخضراء. الأشجار الضخمة — التي يقول السكان المحليون إن بعضها يعود إلى آلاف السنين — تبدو وكأنها تروي بصمت تاريخ حضارة ربطت دائما بين الطبيعة والشعر والتأمل. هنا، لا تُستخدم المناظر الطبيعية كخلفية فقط، بل تتحول إلى ذاكرة حية.

ومن بعيد، تظهر المنحوتة العملاقة لماو الشاب، متجهة نحو نهر شيانغ. ولم يكن هذا الاختيار اعتباطيا؛ فمدينة تشانغشا لم تختر تمثيل رجل الدولة المتقدم في السن، بل ذلك الشاب الحالم الذي كان يأتي إلى هنا ليمشي ويتأمل ويكتب ويراقب حركة العالم. فقبل الثورة بسنوات طويلة، كان ماو طالبا مولعا بالأدب الكلاسيكي والفلسفة وفن الخط الصيني.

وفي الحضارات الآسيوية القديمة، احتل الشاعر مكانة خاصة؛ إذ لم يكن منفصلا عن المفكر أو رجل الفعل. فكتابة الشعر كانت جزءا من التكوين الفكري للنخب المثقفة. وكان ماو ينتمي إلى هذا التقليد الذي اعتبر الشعر وسيلة لفهم تحولات الزمن وحركة الطبيعة.

وفي عام 1925، كتب هنا قصيدته الشهيرة “تشانغشا”، المستوحاة من مناظر نهر شيانغ وجبال هونان. وخلف صور النسور المحلقة في السماء، والأسماك العابرة للمياه الصافية، والجبال الحمراء في الخريف، كانت تتشكل بالفعل رؤية أعمق حول مصير حضارة تمر بتحولات كبرى.

لكن لفهم هذه الذاكرة الفكرية بشكل كامل، لا بد من مواصلة الرحلة نحو جبل يويلو المطل على المدينة منذ قرون. هناك تقع أكاديمية يويلو، إحدى أقدم الأكاديميات التعليمية في العالم الآسيوي التي ما تزال قائمة إلى اليوم.

تأسست الأكاديمية سنة 976 خلال عهد أسرة سونغ، وتبدو وكأنها محمية بالصمت والزمن. فمنذ المدخل الأول، تمنح الأجنحة الخشبية الداكنة، والساحات الداخلية المحاطة بالخيزران، والأسقف القديمة، إحساسا بالدخول إلى قرن آخر. أما الحجارة المنقوشة بالحروف الصينية، والشواهد المغطاة بالحكم الفلسفية، والنقوش الخطية، فتحول الجدران إلى أرشيف حي.

وكان ماو الشاب يتردد كثيرا على هذا الفضاء الفكري. فمع رفاقه، كان يجوب طرقات جبل يويلو لمناقشة الأدب والسياسة ومستقبل الصين. وفي هذه الأكاديمية، كان الطلاب يتعلمون التأمل في النصوص القديمة بقدر ما كانوا يراقبون تحولات العالم الحديث.

ولا يزال إرث Confucius حاضرا بقوة في المكان. فتعاليمه وحكمه تعبر القرون عبر النصوص المدروسة، والنقوش المحفورة في الحجر، وحتى من خلال أجواء الأكاديمية ذاتها. وتذكر الحكم الكونفوشيوسية بأهمية الحكمة والاحترام والانضباط الداخلي والانسجام الاجتماعي. وأكثر من مجرد فيلسوف من الماضي، يظهر كونفوشيوس هنا كحضور فكري متواصل لا يزال يسكن المكان.

ومن بين أشهر العبارات في أكاديمية يويلو تلك المقولة التي أثرت بعمق في ماو: “البحث عن الحقيقة انطلاقا من الوقائع”. فقبل أن تتحول إلى مبدأ سياسي، كانت هذه الفكرة جزءا من تقاليد كبار المفكرين الصينيين الذين رأوا أن المعرفة يجب أن تولد من الملاحظة والتجربة.

وما يثير الإعجاب في تشانغشا هو قدرة الصين على الحفاظ على إرثها الثقافي في قلب الحداثة نفسها. فعلى بعد كيلومترات قليلة من ناطحات السحاب وخطوط القطارات فائقة السرعة، لا تزال توجد فضاءات يحتفظ فيها الصمت والشعر وفن الخط بمكانة أساسية.

وبالنسبة لصحفية قادمة من العالم المتوسطي، فإن هذه العلاقة بالذاكرة تحمل صدى خاصا. فمثل المدن العربية العتيقة أو أطلال Carthage، تذكر أكاديمية يويلو بأن بعض الحضارات تواصل نقل تاريخها عبر فضاءات المعرفة والمناظر الطبيعية والنصوص المؤسسة.

في تشانغشا، يبدو الشعر وكأنه ما يزال يتحاور مع نهر شيانغ. فالجبال المغطاة بالضباب، والأشجار المعمرة، والأجنحة القديمة، ترسم مشهدا لا تنفصل فيه الأدبيات عن الطبيعة. هنا، لم يختفِ ماو الشاعر تماما خلف ماو رجل الدولة.

فطيفه ما يزال حاضرا في مياه نهر شيانغ، وفي جبال هونان، وفي الحروف المنقوشة على حجارة أكاديمية يويلو. وكأن الذاكرة الأدبية تواصل، بصمت، مرافقة حركة العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى