ثقافة

يوميات سفر داخل الصين: بين الذاكرة الإمبراطورية والروحانية وحوار الثقافات، بكين… فن الصمت الممتد عبر قرون

لوبوان- من أشجار القصر الصيفي العتيقة إلى الممرات العلمية في جامعة بكين للدراسات الأجنبية، حكاية امبراطورية صينية ما تزال تهمس عبر حدائقها ومعابدها وطلبتها.

تمضي بكين كقصيدة قديمة تُكتشف ببطء، بيتا بعد بيت، وصمتا بعد صمت. خلف اتساع شوارعها وهيبة قصورها، تخفي العاصمة الصينية روحا أكثر هدوءا وتأملا. هنا يبدو الزمن وكأنه يبطئ تحت ظلال الأشجار المعمرة، وينساب فوق مياه الحدائق الإمبراطورية الهادئة، ليستقر برفق فوق حجارة المعابد العتيقة.

في هذه المدينة التي ما تزال السلالات الإمبراطورية تتنفس عبر أشجار السرو والأجنحة الخشبية وفنون الخط، لا تنفصل الطبيعة أبدا عن التاريخ. فالأشجار تتحول إلى شهود صامتين على إمبراطوريات اندثرت، والشاي يرتقي إلى مرتبة الطقس الفلسفي، بينما تروي الحدائق قصة حضارة تعلمت كيف تجعل من الانسجام شكلا من أشكال القوة.

ومع مرور الأيام، بدت لي بكين وكأنها حضارة قائمة على النفس والذاكرة. مدينة لا يختفي فيها الماضي تماما، بل يواصل الحياة داخل تفاصيل الحياة اليومية؛ في الحركات البطيئة لممارسي التاي تشي داخل معبد السماء، وفي انعكاسات القصر الصيفي، وكذلك في الممرات الواسعة المظللة بالأشجار داخل جامعة بكين للدراسات الأجنبية، حيث تتقاطع أكثر من مئة لغة كما لو أنها جسور بين الشعوب.

تحولت هذه الرحلة تدريجيا إلى تأمل أعمق في معنى الثقافة ونقل المعرفة والحوار بين الحضارات. فاكتشاف الصين لا يعني فقط التأمل في معالمها التاريخية، بل يعني أيضا تعلم طريقة مختلفة في الإصغاء إلى العالم، والنظر إلى الزمن، وفهم أن بعض الحضارات تواصل البقاء بفضل ما تهمس به برقة، لا بما تفرضه بالضجيج.

أشجار بكين… الحراس الصامتون للسلالات الإمبراطورية

لا تُروى بكين فقط عبر قصورها وأسوارها وأباطرتها، بل تُروى أيضا عبر أشجارها. تلك الأشجار المعمرة التي تبدو وكأنها عبرت السلالات الحاكمة كحكماء صامتين. تحت أغصانها العملاقة، يأخذ الزمن الصيني شكلا آخر؛ يبطئ، يتنفس، ويتأمل.

في بعض حدائق بكين، وقبل أن تستيقظ المدينة بالكامل، تتحول أشجار السرو العتيقة وصفصاف البكاء إلى حراس حقيقيين للذاكرة. يمر النسيم بين أوراقها كما لو أنه قصيدة قديمة تُتلى همسا. عندها فقط نفهم لماذا منحت الحضارة الصينية للطبيعة روحا خاصة. فهنا، لا تكون الشجرة مجرد شجرة، بل فيلسوفا وشاهدا، وربما كائنا خالدا.

كنت أسير بين جذوع يعود عمر بعضها إلى قرون طويلة، وكأنني أدخل كتابا قديما. كان الخيزران يرسم ظلالا رقيقة فوق الممرات الحجرية، فيما بدت الأوراق وكأنها تخط رموزا صينية خفية على الأرض. كل شيء كان يتحدث بلغة الصمت، لكن صمتا نبيلا ومقدسا. ففي هذه الصين، لم يكن الضجيج يوما مرادفا للقوة، لأن العظمة الحقيقية تكمن في الاتزان.

حتى الشاي نفسه يشارك في هذه الفلسفة. فكل فنجان يحكي معنى الصبر، وكل حركة حوله تبدو وكأنها طقس داخلي. الصين لا تشرب الشاي فقط، بل تتأمله وتصغي إليه، وكأن كل نقيع يحمل في داخله ذاكرة الجبال والأمطار والأيادي التي قطفت أوراقه.

ثم يظهر القصر الصيفي، لوحة حية معلقة بين الماء والتلال. مكان يبدو وكأنه يطفو بين الواقع والأسطورة. تنعكس الأجنحة الملونة فوق بحيرة كونمينغ كأجزاء من حلم إمبراطوري قديم. كل شيء هنا يروي ذروة الرقي في البلاط الصيني، حتى الحجارة تبدو وكأنها وُضعت وفقا لقصيدة سرية.

ومن المستحيل الحديث عن هذا القصر دون استحضار الإمبراطورة الأرملة تسيشي، التي يطلق عليها بعض الزوار الغربيين خطأ اسم “سيسي”. كانت شخصية آسرة ومثيرة للجدل في أسرة تشينغ، وقد حولت القصر الصيفي إلى ملاذ شخصي بعيدا عن توترات المدينة المحرمة. ويُقال إنها كانت تحب مراقبة البحيرة من الأروقة المزخرفة بينما ينتظر رجال البلاط أدنى إشارة منها. كان نفوذها هائلا ومسرحيا في الآن نفسه؛ رآها البعض امرأة ذات رؤية، فيما اعتبرها آخرون آخر حكام إمبراطورية كانت تتجه نحو الأفول.

لكن بعيدا عن الروايات السياسية، يظل القصر الصيفي نشيدا صينيا للانسجام بين الإنسان والطبيعة. لا شيء فيه عنيف أو متسلط. الجسور تنحني مع انسياب الماء، والمعابد تتحاور مع التلال، والحدائق لا تهيمن على الطبيعة بل ترافقها. وهي رؤية تختلف كثيرا عن بعض القصور الغربية التي بُنيت لاستعراض القوة. هنا، تبحث القوة عن التوازن.

وأنا أتقدم بين الممرات، كنت أفكر في المحظيات القديمات، والشعراء، والخدم، والأطفال الإمبراطوريين الذين مروا من هنا. الحجارة احتفظت بأسرارهم، وكذلك الأشجار. وربما تعيش الحضارات بفضل ما تهمس به، لا بما تصرخ به.

بعد أيام قليلة، منحني معبد السماء وجها آخر للصين الأبدية. هناك أيضا، كل شيء قائم على الرمزية والحوار بين السماء والأرض. كان الأباطرة يأتون إلى هذا المكان للدعاء من أجل محاصيل وفيرة، معتقدين أن توازن العالم مرتبط بعلاقتهم بالقوى السماوية.

بمجرد دخول هذا المكان المهيب، يشعر الزائر بسكينة غريبة. تبدو المباني الدائرية ذات الأسقف الزرقاء وكأنها معلقة خارج الزمن. يرمز اللون الأزرق العميق إلى السماء الإمبراطورية التي لم يكن يحق مخاطبتها رسميا سوى للحكام. كل تفصيل معماري هنا يحمل معنى دقيقا؛ الأرقام، والدرجات، والألوان، والاتجاهات. لا شيء تُرك للصدفة.

حول المعبد، يمارس سكان بكين اليوم رياضة التاي تشي، ويغنون، ويلعبون الورق، ويكتبون بخط الماء فوق الأرض. وربما تختصر هذه الصورة الصين كلها: بلد يواصل فيه الماضي التنفس داخل الحاضر.

راقبت رجلا مسنا يؤدي حركات التاي تشي ببطء تحت شجرة عملاقة. بدت حركاته وكأنها تتحاور مع الأغصان. خلفه كان الأطفال يضحكون، بينما كانت امرأة تحضر الشاي داخل ترمس قديم. في تلك اللحظة، بدت ناطحات السحاب والشاشات العملاقة وشوارع بكين الحديثة بعيدة جدا.

لأن الصين الحقيقية قد تكون مختبئة هنا: في بطء حديقة، أو عطر الياسمين الخفيف، أو ظل سروة معمرة، أو صمت معبد يعبر القرون دون أن يفقد روحه.

بدت لي بكين عندها حضارة نباتية بقدر ما هي حضارة تاريخية. حضارة تعلمت كيف تصغي إلى الفصول، وتحترم الفراغ، وتمنح الهدوء قيمة خاصة. هنا حتى الحجارة تبدو وكأنها تتأمل.

ومع غروب الشمس خلف أسقف معبد السماء العتيقة، أدركت أن السفر إلى الصين لا يعني فقط اكتشاف بلد جديد، بل تعلم طريقة أخرى للنظر إلى الزمن.

عندما تتحول اللغات إلى جسور بين تونس وبكين

كان الدخول إلى جامعة بكين للدراسات الأجنبية أشبه بالدخول إلى مدينة سرية يتنفس فيها العلم عبر كل شجرة وكل مبنى وكل لحظة صمت. بدت الممرات الواسعة المظللة بالأشجار بلا نهاية، فيما أحاطت الخضرة الوارفة بالحرم الجامعي في أجواء تأملية هادئة. وبين أشجار القيقب والصنوبر والحدائق المرتبة بعناية، كان الطلبة يسيرون بكتبهم في أجواء ذكّرتني بالأكاديميات الإمبراطورية الصينية القديمة.

هذه الجامعة المرموقة، المعروفة بانفتاحها على العالم، تدرّس أكثر من مئة لغة، لتبدو وكأنها ملتقى حضاري تتقاطع فيه الثقافات والأفكار والحكايات القادمة من مختلف أنحاء العالم. وبمجرد التجول داخل أروقتها، يشعر الزائر فورا بهذه الرسالة العالمية التي تجعل من الحوار بين الثقافات هدفا أساسيا بدل التصادم بينها.

أما مكتبة الجامعة فبدت كأنها معبد للمعرفة. رفوفها الضخمة تروي قرونا من اللغات والحضارات والتبادلات الفكرية. وبين القاعات الصامتة، فكرت في الطريقة التي تعبر بها الكتب الحدود بشكل أفضل من الجيوش والسياسات، لتتحول إلى جسور غير مرئية بين شعوب قد تكون بعيدة جغرافيا لكنها متقاربة في بحثها عن المعرفة والجمال.

وقد استقبلتنا عميدة قسم اللغة العربية بكثير من الرقي، وكان إلمامها العميق بالثقافة العربية يعكس عمق العلاقات الفكرية بين الصين والعالم العربي. وجسد خطابها هذا الارتباط الصادق باللغة العربية التي يدرسها هنا عدد كبير من الطلبة الصينيين بشغف لافت.

كما أعد الطلبة برنامجا ثريا بالمشاعر، تضمن مشاهد مسرحية وقراءات شعرية وعروضا لفنون الخط الصيني والعربي. وكان من المدهش رؤية طالب صيني يرسم الحروف العربية بدقة، بينما يشرح أبعادها الجمالية والروحية. لحظة بدت وكأن حضارتين عريقتين تلتقيان عبر الحبر والورق وجمال الحركة.

وتحول اللقاء أيضا إلى لحظة تقاسم ثقافي حقيقية عندما قمنا بتوزيع كعك الورقة التونسي المحشو باللوز وماء الزهر. تذوق الطلبة هذه الحلويات بفضول وحماس، مكتشفين من خلال نكهاتها وجها آخر من الثقافة التونسية. كانت الابتسامات والنقاشات العفوية وردود الفعل الطريفة حول هذه الحلويات تمنح اللقاء دفئا إنسانيا خاصا.

بعض الطلبة كانوا يتحدثون العربية بطلاقة مدهشة، في دليل واضح على جودة التعليم اللغوي داخل هذه الجامعة المنفتحة على حوار الحضارات. وفي تلك اللحظة، بدا وكأن المسافات بين تونس وبكين قد اختفت. فالثقافة تحقق أحيانا ما تعجز عنه الجغرافيا: تقريب الشعوب والأحاسيس.

وخلال هذا اللقاء، شاركت الصحفية منى بن قمرة، إلى جانب عدد من أعضاء الوفد التونسي، في مداخلة حول التقارب بين الثقافتين التونسية والصينية. وتحدثت عن التاريخ الفكري لتونس، مستحضرة إرث جامعة الزيتونة، ودور فاطمة الفهرية باعتبارها إحدى الشخصيات النسائية البارزة في تاريخ المعرفة العربية الإسلامية.

كما تحدثت عن تونس بوصفها أرض الياسمين، تلك الأرض المتوسطية التي تتعايش فيها التأثيرات العربية والإفريقية والأوروبية. وحيّت الطلبة التونسيين المتفوقين، والفنانات، والمبدعين، والصحفيين، والمثقفين الذين يواصلون إشعاع الثقافة التونسية رغم التحديات المعاصرة.

كانت مشاعر التأثر واضحة على وجوه الطلبة. بعضهم كان يدون الملاحظات باهتمام، فيما واصل آخرون النقاش بعد اللقاء حول فرص التعاون الثقافي والجامعي بين البلدين. لقد تجاوزت هذه الزيارة الطابع البروتوكولي لتبادل أكاديمي عادي، لتتحول إلى حوار إنساني بين حضارتين عريقتين تتعرف كل منهما على الأخرى باحترام وتقدير.

وعند مغادرة الحرم الجامعي مع غروب الشمس، بدت الممرات الخضراء وكأنها ما تزال تحتفظ بأصوات الطلبة، وضحكاتهم، وأبيات الشعر، وصوت فُرش الخط وهي تلامس الورق برقة. حينها ذكّرتني بكين مرة أخرى بأن الثقافة قد تكون اللغة العالمية الأقوى على الإطلاق.

منى بن قمرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى