تحاليل وأراء

العلاقات التونسية – الروسية من إرث الصداقة إلى شراكة المصالح  (4/5)

تونس وروسيا وإفريقيا... هل تستطيع تونس أن تصبح منصة روسية نحو القارة؟

الملفات الاستراتيجية لـ«لوبوان» – كتب سفيان رجب

لم تعد العلاقات الروسية الإفريقية تتحرك فقط في إطار سياسي أو دبلوماسي. فخلال السنوات الأخيرة، أصبحت التجارة والاستثمار والزراعة والطاقة والنقل والتكنولوجيا حاضرة بقوة في أجندة العلاقات بين موسكو وعدد من الدول الإفريقية.

وفي قمم روسيا–إفريقيا في سوتشي سنة 2019 وسان بطرسبورغ سنة 2023 وموسكو 2026، برزت التجارة والاستثمار والنقل واللوجستيك والطاقة والتكنولوجيا باعتبارها مجالات رئيسية للتعاون. كما ركزت المؤسسات الإفريقية، ومنها Afreximbank، على إمكانية تطوير التجارة والاستثمار بين الطرفين وربطها بمسار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. فأين يمكن أن توجد تونس داخل هذه المعادلة؟

روسيا تبحث عن إفريقيا… وإفريقيا تبحث عن الشركاء

تملك روسيا علاقات اقتصادية وسياسية متنامية مع عدد من الدول الإفريقية. وخلال قمة سان بطرسبورغ سنة 2023، تحدث الجانب الروسي عن تطوير التجارة والاستثمار مع الدول والهياكل الاقتصادية الإفريقية، وعن إنشاء سلاسل نقل ولوجستيك جديدة وتوسيع استخدام العملات الوطنية في التسويات التجارية.

وفي الجانب الإفريقي، أكد Afreximbank أن التجارة بين روسيا وإفريقيا بلغت نحو 20 مليار دولار في السنوات الأربع السابقة لسنة 2021، مع وجود فرص لزيادة التجارة وتنويعها، خصوصا في الغذاء والاستثمار والصناعة والبنية التحتية. لكن هذه العلاقة لا تعني أن إفريقيا سوق واحدة. فالقارة متعددة الأسواق والأنظمة والاحتياجات. وهنا تحديدا يمكن أن تظهر أهمية تونس.

تونس… الموقع قبل الحجم

تونس ليست من أكبر الاقتصادات الإفريقية. لكن قوتها المحتملة تكمن في الموقع والخبرة والموارد البشرية. فهي تقع على المتوسط، وقريبة من أوروبا، وتنتمي في الوقت نفسه إلى إفريقيا والعالم العربي، وتمتلك قاعدة صناعية وخدماتية، وشركات لها خبرة في عدد من الأسواق الإفريقية. كما أن انخراط القارة في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية يفتح مجالا أوسع أمام الشركات التي تستطيع الإنتاج والتوزيع داخل القارة. وقد جعل Afreximbank من دفع التجارة والاستثمار وتنفيذ منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أحد المحاور الرئيسية في التعاون الاقتصادي مع روسيا.

من التصدير الروسي إلى التصنيع المشترك

يمكن تخيل نموذج مختلف. بدلا من أن تصل المنتجات الروسية إلى الأسواق الإفريقية عبر مسارات تجارية طويلة، يمكن لبعض الشركات الروسية أن تستثمر أو تدخل في شراكات صناعية في تونس.

تصل التكنولوجيا أو المعدات أو التمويل من روسيا. وتوفر تونس: الموقع مع الكفاءات مع البنية الصناعية زيادة عن المعرفة بالسوق الإفريقية. ثم يتم توجيه جزء من الإنتاج إلى الأسواق الإفريقية.

هذا النموذج يمكن أن يشمل، حسب القطاع والجدوى الاقتصادية: الصناعات الغذائية؛ التجهيزات الزراعية؛ الأدوية؛ المعدات الكهربائية؛ الخدمات الهندسية؛ التكنولوجيا الرقمية وبعض الصناعات التحويلية.وهنا تصبح تونس منصة إنتاج وليس مجرد محطة تجارية.

اللوجستيك… الحلقة التي لا يمكن تجاوزها

لكن لا يمكن بناء منصة إفريقية دون بنية لوجستية. فالتجارة الروسية الإفريقية نفسها تواجه تحديات النقل والمسارات البحرية والتمويل والتأمين. وقد شددت المناقشات الروسية-الإفريقية على أهمية تطوير سلاسل النقل واللوجستيك لتسهيل التجارة. وتملك تونس فرصة للنظر إلى هذه المسألة من زاوية أوسع خاصة من حيث الموانئ، المناطق اللوجستية، التخزين، الخدمات الجمركية، النقل البحري، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية. فكل تحسن في هذه المنظومة يجعل تونس أكثر قدرة على لعب دور الوسيط التجاري والإنتاجي.

الجمهوريات الروسية… سوق داخل السوق

ومن اللافت أن النقاش التونسي الروسي في 2026 بدأ يتجه بالفعل نحو أسواق داخل روسيا نفسها. فـCEPEX أشار إلى فرص في جمهوريات مثل تتارستان وداغستان والشيشان، مع بحث إمكانية إقامة فضاء دائم للمنتجات التونسية، خاصة زيت الزيتون والتمور. وهذه التجربة يمكن أن تكون مدخلا لفهم السوق الروسية بصورة أكثر تفصيلا. فروسيا ليست موسكو وسان بطرسبورغ فقط. إنها فضاء جغرافي واقتصادي واسع، يحتوي على جمهوريات وأقاليم وأسواق متخصصة يمكن للشركات التونسية اكتشافها تدريجيا.

تونس بين المتوسط وإفريقيا وأوراسيا

إذا نجحت تونس في الجمع بين هذه الدوائر الثلاث، يمكن أن يتشكل نموذج اقتصادي جديد يجمع روسيا بتونس وإفريقيا, وفي الوقت نفسه روسيا  بتونس والمتوسط. ثم روسيا وتونس والفضاء الأوراسي, وهنا تتحول الجغرافيا من مجرد موقع إلى أداة اقتصادية.

لكن تحقيق ذلك لا يحدث تلقائيا بل يحتاج إلى سياسة تصدير واضحة، وتمويل، ونقل، وشراكات صناعية، ودعم للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وحضور أقوى للمؤسسات التونسية في المعارض والأسواق الروسية والإفريقية. وهذا يقودنا إلى السؤال الأخير في الملف: ماذا يجب أن تفعل تونس حتى تتحول العلاقات التونسية الروسية إلى شراكة اقتصادية فعلية؟

يتبع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى