- من سوتشي إلى سان بطرسبورغ ثم موسكو… قمة أكتوبر تبحث الانتقال من الخطاب السياسي إلى الشراكة الاقتصادية
- تأجيل ثم “تناسي” القمة الروسية ـ العربية يكشف محدودية الحضور الروسي في العالم العربي
تتجه الأنظار في أواخر أكتوبر المقبل إلى موسكو، حيث تستضيف روسيا يومي 28 و29 أكتوبر 2026 القمة الروسية ـ الإفريقية الثالثة والمنتدى الاقتصادي والإنساني الروسي ـ الإفريقي المصاحب لها ، في محطة تبدو مختلفة عن القمتين السابقتين، ليس فقط بسبب التحولات العميقة التي شهدها النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة، وإنما أيضا لأن موسكو تسعى هذه المرة إلى إعطاء العلاقات مع القارة الإفريقية مضمونا اقتصاديا ومؤسسيا أكثر وضوحا.
وتأتي القمة في ظل تواصل حرب أوكرانيا وتداعياتها على العلاقات الدولية، وتراجع الحضور الفرنسي والأمريكي في أجزاء من إفريقيا، وصعود أدوار جديدة لقوى مثل الصين وتركيا والهند وروسيا ودول الخليج. ولذلك فإن اجتماع موسكو لا يتعلق فقط بالعلاقات الروسية ـ الإفريقية بالمعنى التقليدي، بل يرتبط أيضاً بسؤال أوسع: هل تتحول إفريقيا إلى أحد ميادين إعادة تشكيل النظام الدولي متعدد الأقطاب؟
من سوتشي إلى موسكو: مسار لم يبدأ اليوم
لم تولد العلاقات الروسية ـ الإفريقية مع القمة الأولى في 2019 بل أن جذورها تعود إلى الحقبة السوفياتية، عندما دعمت موسكو حركات التحرر الوطني في عدد من البلدان الإفريقية، واستقبلت الجامعات السوفياتية آلاف الطلبة الأفارقة، وأقامت علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية مع دول عديدة في القارة. لكن انهيار الاتحاد السوفياتي أدى إلى انكفاء روسي طويل نسبيا عن إفريقيا.
ومع عودة روسيا إلى الساحة الدولية في عهد فلاديمير بوتين، بدأت موسكو تدريجيا في إعادة بناء علاقاتها الإفريقية، مستفيدة من الإرث السوفياتي ومن التحولات التي عرفتها القارة، خصوصاً في مناطق الساحل وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي حيث تشير دراسات حديثة إلى أن روسيا أعادت خلال العقد الأخير بناء حضورها الإفريقي عبر مزيج من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية، مستفيدة من تراجع النفوذ الفرنسي والغربي.
وكانت قمة سوتشي في أكتوبر 2019 بمثابة الإعلان الرسمي عن عودة العلاقة الروسية ـ الإفريقية إلى مستوى استراتيجي جديد. وقد جمعت القمة رؤساء ومسؤولي دول إفريقية إلى جانب روسيا، وأقيم بالتوازي معها المنتدى الاقتصادي الروسي ـ الإفريقي.
كان الهدف المعلن هو الانتقال من علاقات ثنائية متفرقة إلى إطار أكثر انتظاما للحوار السياسي والاقتصادي.
قمة سان بطرسبورغ 2023 وحضور الحرب الأوكرانية في الخلفية
بعد أربع سنوات، انعقدت القمة الثانية في سان بطرسبورغ يومي 27 و28 جويلية 2023.وجاءت في ظروف مختلفة تماما عن قمة سوتشي. فروسيا كانت قد دخلت في حرب واسعة النطاق في أوكرانيا، والعقوبات الغربية كانت قد أصبحت جزءا دائما من البيئة الاقتصادية والسياسية التي تتحرك فيها موسكو.
ورغم ذلك، حاولت روسيا تقديم القمة باعتبارها دليلا على استمرار علاقاتها مع دول الجنوب العالمي وعدم نجاح سياسة العزلة الغربية في قطع صلاتها بإفريقيا.
لكن الحضور الإفريقي في قمة 2023 كان أقل من قمة 2019، وهو ما عكس في الوقت نفسه رغبة العديد من الحكومات الإفريقية في الحفاظ على علاقات مع موسكو من دون الاصطفاف الكامل معها في الصراع الدولي. وفي المقابل، خرجت قمة سان بطرسبورغ بإعلان طويل تضمن ملفات سياسية واقتصادية وأمنية وغذائية وتعليمية وتكنولوجي وغيرها…
واللافت أن الإعلان أكد على مبادئ مثل السيادة، وعدم التدخل، ورفض الإجراءات الأحادية، وتعزيز دور إفريقيا في المؤسسات الدولية، إضافة إلى الأمن الغذائي والطاقة والتعاون الاقتصادي. كما تم الاتفاق على أن تعقد القمة الروسية ـ الإفريقية كل ثلاث سنوات، وهو ما يفسر انعقاد القمة الثالثة في 2026.
“لاقتصاد أولاً” شعار قمة موسكو 2026
وإذا كانت قمّتا سوتشي وسان بطرسبورغ ركزتا بدرجة كبيرة على إعادة بناء الإطار السياسي والاستراتيجي، فإن موسكو تريد أن تجعل الاقتصاد أكثر حضورا في القمة الثالثة.
وقد أعلن الجانب الروسي أن جدول الأعمال سيعطي أهمية خاصة لـ:
- التجارة والاستثمار،
- الطاقة،
- البنية التحتية واللوجستية،
- الأمن الغذائي،
- التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي،
- الرقمنة،
- الصناعة والدواء،
- التعليم وتكوين الكفاءات،
- التعاون العلمي،
- والمدفوعات والأنظمة المالية.
وتؤكد الوثائق الرسمية للتحضير للقمة أن المنتدى الاقتصادي والإنساني سيركز على التجارة والاستثمار والاستخدام السلمي للطاقة النووية وتطوير أنظمة الدفع والرقمنة والأمن الغذائي.
كما يتوقع أن تتم المصادقة على خطة العمل الروسية ـ الإفريقية للفترة 2027 ـ 2029، وهو ما يمنح القمة أهمية تتجاوز بعدها الرمزي.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القمة، هل تستطيع روسيا تحويل رصيدها السياسي والأمني في إفريقيا إلى تبادل تجاري واستثمارات ومشاريع إنتاجية طويلة الأمد؟
الأمن الورقة الروسية الأكثر حساسية
لا يمكن فهم العلاقات الروسية ـ الإفريقية الحالية من دون التوقف عند الملف الأمني. فروسيا عززت خلال السنوات الماضية تعاونها العسكري والأمني مع عدد من الدول الإفريقية، خاصة في منطقة الساحل وإفريقيا الوسطى. وقد ارتبط جزء كبير من هذا الحضور سابقا بمجموعة فاغنر، قبل أن تعاد هيكلة الوجود الروسي بعد تمرد فاغنر ومقتل يفغيني بريغوجين في 2023.
وفي السنوات الأخيرة برز “الفيلق الإفريقي” Africa Corps كإطار مرتبط بوزارة الدفاع الروسية، مع استمرار الحضور الروسي في دول مثل مالي وإفريقيا الوسطى وغيرها.
وتختلف النظرة الإفريقية إلى هذا الدور من دولة إلى أخرى. فبعض الحكومات ترى في موسكو شريكا أمنيا لا يفرض الشروط السياسية التي تربطها بعض الدول الغربية بالمساعدات والتعاون، بينما تنظر دول غربية ومنظمات حقوقية إلى الوجود الروسي المسلح في بعض البلدان باعتباره مصدر مخاوف سياسية وأمنية.
وبالتالي، فإن التحدي أمام موسكو هو تحويل التعاون الأمني إلى شراكة دولة مع دولة، وليس ترك العلاقات رهينة للأمن والسلاح وحدهما.
إفريقيا تريد أكثر من السلاح
وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في قمة 2026. فالقارة الإفريقية لا تبحث فقط عن شركاء أمنيين انما تحتاج إلى مصانع، طرق، موانئ، سكك حديدية، كهرباء، تكنولوجيا، تمويل، جامعات، دواء، غذاء، نقل، رقمنة وسلاسل إنتاج.
وتشير البيانات التي يستند إليها تحليل العلاقات الروسية ـ الإفريقية إلى أن روسيا، رغم تصاعد حضورها السياسي والأمني، لا تزال أقل أهمية بكثير من الاتحاد الأوروبي كشريك تجاري للقارة. فقد أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن أقل من 1% من صادرات إفريقيا تتجه إلى روسيا، مقابل نحو 33% إلى الاتحاد الأوروبي، وفق بيانات صندوق النقد الدولي الواردة في تقريرها.
وهذا يكشف المفارقة الأساسية “الحضور الروسي السياسي في إفريقيا أكبر من الوزن الاقتصادي الروسي في القارة”. ومن هنا تأتي أهمية شعار “الاقتصاد أولا” الذي بدأ يبرز في التحضير لقمة موسكو.
الغذاء والطاقة… مجالان استراتيجيان
كذلك يمثل الغذاء أحد أهم الملفات التي يمكن أن تبني عليها روسيا علاقاتها الإفريقية. فروسيا من كبار منتجي الحبوب والأسمدة، بينما تواجه دول إفريقية عديدة تحديات مرتبطة بالأمن الغذائي وأسعار الأسمدة وتغير المناخ. وقد جعل إعلان قمة 2023 من الأمن الغذائي والطاقة مجالين رئيسيين للتعاون.
كما يمكن للطاقة أن تصبح مجالا واسعا للتعاون، من النفط والغاز إلى الطاقة النووية والطاقة الكهربائية والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، أعلنت موسكو أن التعاون في الاستخدام السلمي للطاقة النووية سيكون أحد محاور المنتدى الاقتصادي والإنساني المصاحب للقمة الثالثة.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع فعلية يتطلب تمويلا وآليات دفع وتأمينا للاستثمارات ونقلا للتكنولوجيا، وهي ملفات أصبحت أكثر تعقيدا بالنسبة لروسيا بسبب العقوبات الغربية المفروضة.
لماذا إفريقيا مهمة لموسكو؟
هناك عدة مستويات لهذا الاهتمام.
أولا: المستوى الجيوسياسي، حيث أن إفريقيا تضم 54 دولة، ولها وزن كبير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما أن الاتحاد الإفريقي أصبح عضوا دائما في مجموعة العشرين.
ثانيا: المستوى الاقتصادي، فالقارة تمتلك موارد طبيعية ضخمة، وأسواقا سريعة النمو، واحتياجات هائلة للبنية الأساسية والطاقة والتكنولوجيا.
ثالثا: المستوى الأمني، حيث توجد في إفريقيا مناطق تعاني من الإرهاب والنزاعات وضعف مؤسسات الدولة، وهو ما يفتح المجال أمام التعاون الأمني والعسكري.
رابعا: المستوى الدولي من ذلك أن روسيا تسعى روسيا إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات مع دول الجنوب العالمي في مواجهة النظام الدولي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها.
لكن الدول الإفريقية نفسها لا تبدو راغبة بالضرورة في استبدال شريك غربي بشريك روسي. كثير منها يتبع سياسة تنويع العلاقات بين روسيا والصين وتركيا والهند والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج. وهذا يجعل إفريقيا بالنسبة إلى القوى الدولية ساحة تنافس، ولكن أيضا ساحة تفاوض إفريقية.
من إفريقيا إلى العالم العربي، لماذا تأجلت القمة الروسية ـ العربية؟
هنا تظهر مفارقة لافتة، ففي ماي 2025، أعلن الكرملين أن الرئيس فلاديمير بوتين دعا قادة الدول العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية إلى أول قمة روسية ـ عربية في موسكو يوم 15 أكتوبر 2025.
وكانت القمة ستضم، نظريا، الدول العربية الـ22، وكان يفترض أن تبحث التعاون السياسي والاقتصادي وقضايا الأمن الإقليمي. لكن قبل خمسة أيام فقط من الموعد، أعلنت موسكو تأجيل القمة.
التفسير الرسمي كان مرتبطا بالتطورات في غزة، وببدء تنفيذ خطة وقف إطلاق النار الأمريكية، وما يمكن أن يترتب على ذلك من صعوبة حضور عدد من القادة العرب شخصيا إلى موسكو. وقد اتفق بوتين ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، الذي كانت بلاده ترأس مجلس جامعة الدول العربية آنذاك، على التأجيل.
لكن تقارير أخرى نقلت عن مصادر أن السبب العملي كان أيضا ضعف مستوى التأكيدات على المشاركة، مشيرة إلى أن عددا من الدول العربية الكبرى لم تكن قد أكدت حضورها. وهذه تبقى رواية منسوبة إلى مصادر، وليست تفسيرا رسميا روسياً.
لكن، ومنذ ذلك الوقت، لم يعلن عن موعد جديد للقمة الأولى الروسية ـ العربية. وهنا يصبح السؤال مشروعا لماذا تمكنت موسكو من تثبيت المسار الروسي ـ الإفريقي، بينما بقي المسار الروسي ـ العربي معلقاً؟
مكانة موسكو بين إفريقيا والعالم العربي
ربما لا توجد إجابة واحدة، لكن هناك عدة عوامل يمكن ملاحظتها.في إفريقيا، استطاعت روسيا خلال السنوات الأخيرة بناء علاقات ثنائية مباشرة مع عدد من الحكومات، خصوصا في الساحل، كما أن القارة تضم دولا ذات مواقف مختلفة تجاه الحرب الأوكرانية والغرب.
أما العالم العربي، فهو أكثر تعقيدا من الناحية الجيوسياسية. فالدول العربية الكبرى ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية وثيقة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي الوقت نفسه لديها مصالح مهمة مع روسيا والصين. كما أن الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والحرب في غزة، وسوريا، وإيران، وأمن الخليج، وأسواق الطاقة، تجعل أي قمة روسية ـ عربية مرتبطة مباشرة بتوازنات دولية وإقليمية شديدة الحساسية.
لذلك فإن تأجيل القمة لا يعني بالضرورة انهيار العلاقات الروسية ـ العربية، لكنه يكشف صعوبة تحويل العلاقات الثنائية المتعددة إلى إطار جماعي عربي ـ روسي.
دبلوماسية مختلفة
المفارقة أن روسيا تحاول في الوقت نفسه توسيع حضورها في المجالين. ففي إفريقيا، تعمل على بناء إطار مؤسسي منتظم عبر منتدى الشراكة الروسي ـ الإفريقي والقمة كل ثلاث سنوات، إلى جانب المؤتمرات الوزارية والمنتديات الاقتصادية.
أما مع العالم العربي، فقد حاولت موسكو الانتقال إلى مستوى القمة الجماعية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من عقد الاجتماع الأول. وهذا يجعل قمة موسكو الإفريقية الثالثة اختبارا مهما لقدرة روسيا على تحويل الزخم السياسي إلى مؤسسات ومشاريع. فالقمة المقبلة لن تقاس فقط بعدد الرؤساء الذين سيحضرون أو بحجم التصريحات السياسية، بل بما سيخرج عنها من اتفاقيات ومشاريع واستثمارات وآليات تمويل وتعاون تكنولوجي.
خلاصة القول أن القمة الروسية ـ الإفريقية الثالثة ليست مجرد نسخة ثالثة من قمتي سوتشي وسان بطرسبورغ. فالعالم الذي انعقدت فيه قمة 2019 لم يعد هو العالم نفسه في 2026. فروسيا اليوم في مواجهة عقوبات وحرب طويلة، أوروبا تعيد صياغة سياستها الأمنية، الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها، الصين توسع حضورها الاقتصادي، فرنسا فقدت جزءاً مهماً من نفوذها التقليدي في الساحل، ودول إفريقية عديدة تبحث عن هامش أكبر من الاستقلالية في اختيار شركائها.
فمن سوتشي إلى سان بطرسبورغ، ثم إلى موسكو، قطعت روسيا شوطا مهما في بناء الإطار الروسي ـ الإفريقي. أما السؤال الذي سيحسم أهمية قمة أكتوبر 2026 فهو: هل تستطيع موسكو أن تجعل من هذا الإطار شراكة إنتاجية واقتصادية طويلة الأمد، لا مجرد شراكة سياسية وأمنية؟






