أراء
أخر الأخبار

بورقيبة وتصفية مراكز النفوذ بعد الاستقلال : قضية الوزير الاكبر الطاهر بن عمار نموذجًا

لوبوان تي ان:

مثّلت السنوات الأولى بعد استقلال تونس سنة 1956 مرحلة تأسيسية حاسمة، تداخل فيها بناء مؤسسات الدولة الحديثة مع صراعات عميقة حول السلطة والشرعية ومصادر النفوذ. وفي هذا السياق تبرز محاكمة الطاهر بن عمار سنة 1958 باعتبارها إحدى أبرز القضايا التي كشفت طبيعة التحولات السياسية التي عرفتها البلاد بعد نهاية الحماية الفرنسية.

فالطاهر بن عمار، الذي اضطلع بدور أساسي في قيادة مفاوضات الاستقلال التام ووقّع وثيقة الاستقلال باسم تونس، وجد نفسه بعد فترة قصيرة أمام متابعة قضائية أثارت جدلًا واسعًا حول استقلال القضاء وحدود استخدام المؤسسات القانونية في الصراع السياسي. ولم تعد القضية مجرد ملف يتعلق بمخالفات مالية وجبائية، بل أصبحت تعبيرًا عن صراع أوسع حول طبيعة الدولة الجديدة ومن يملك حق تمثيل الشرعية الوطنية.

أولًا: المحاكمة في سياق إعادة بناء السلطة بعد الاستقلال

جاءت محاكمة الطاهر بن عمار في مرحلة كان فيها الحبيب بورقيبة يعمل على تثبيت أسس النظام الجمهوري وتركيز سلطة الدولة حول مشروعه السياسي. وقد اتسمت هذه المرحلة بإعادة ترتيب موازين القوى وإضعاف مراكز النفوذ التي كانت قائمة قبل الاستقلال، سواء المرتبطة بالملكية الحسينية أو بالأعيان وكبار الملاك والنخب الاجتماعية التقليدية.

فقد رأى بورقيبة أن بناء الدولة الجديدة يتطلب إنهاء ازدواجية النفوذ بين مؤسسات الجمهورية الناشئة وبين القوى التقليدية التي احتفظت بمكانة اجتماعية واقتصادية معتبرة. كما أن بعض هذه الشخصيات، بحكم تاريخها وعلاقاتها وثروتها، كان يمكن أن تتحول إلى قوة سياسية مستقلة أو إلى مركز معارضة محتمل لحكمه على المدى القريب أو المتوسط.

ومن هذا المنطلق، اتجه النظام البورقيبي إلى الحد من نفوذ كل شخصية أو مجموعة يمكن أن تنافس احتكاره للقرار السياسي، وذلك عبر وسائل متعددة شملت الإقصاء السياسي، وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، وإخضاع المجال العام لقيادة الدولة والحزب. وقد اعتبر بعض المؤرخين أن هذه السياسة لم تكن فقط جزءًا من مشروع تحديث الدولة، بل حملت أيضًا جانبًا من الرغبة في تركيز الحكم بيد قيادة واحدة وإبعاد كل القوى القادرة على الحد من سلطتها.

وفي هذا السياق، اكتسبت محاكمة الطاهر بن عمار دلالة تتجاوز الجانب القضائي، إذ كان يمثل أحد رموز النخبة الوطنية المحافظة، وشخصية ذات مكانة تاريخية اكتسبها من دوره في مفاوضات الاستقلال. ولذلك اعتبر عدد من المراقبين أن القضية جاءت ضمن مسار أوسع لإضعاف مراكز النفوذ القديمة وإعادة صياغة المشهد السياسي وفق رؤية السلطة الجديدة.

ثانيًا: الإشكالات القانونية والإجرائية للمحاكمة

أثارت محاكمة الطاهر بن عمار عدة تساؤلات قانونية مرتبطة بالإجراءات المعتمدة. فقد أُحيل إلى المحكمة العليا المختصة بقضايا المكاسب غير المشروعة، رغم أن طبيعة التهم الجبائية كانت تدخل أساسًا ضمن اختصاص الإدارة المالية والهيئات المختصة.

كما تعلقت المتابعة بتصريحات جبائية تعود إلى سنتي 1942 و1943، وهو ما أثار نقاشًا حول احترام آجال التقادم القانونية. إضافة إلى ذلك، برزت مسألة الحصانة البرلمانية التي كان يتمتع بها باعتباره عضوًا في المجلس القومي التأسيسي، خاصة بعد رفض المجلس رفعها.

وقد دفعت هذه الجوانب عددًا من الشخصيات السياسية إلى التشكيك في استقلالية المسار القضائي، واعتبار أن القانون استُخدم في سياق صراع سياسي أوسع.

ثالثًا: الانتقادات داخل السلطة وتداعيات القضية

لم تمر المحاكمة دون اعتراض من داخل الدائرة الوطنية الحاكمة نفسها. وكان من أبرز المنتقدين البشير بن يحمد، كاتب الدولة للإعلام، الذي نشر في صحيفة *لاكسيون* مقالًا اعتبر فيه أن القضية تسيء إلى صورة الدولة وتضعف الثقة في القضاء.

كما دعم محمد المصمودي هذا الموقف، قبل أن يستقيل من الديوان السياسي للحزب. وردت السلطة بإغلاق الصحيفة وإبعاد بن يحمد إلى باريس، حيث أسس لاحقًا مجلة *جون أفريك*. وتكشف هذه الأحداث أن قضية الطاهر بن عمار أثارت خلافات حقيقية داخل النخبة التي قادت مرحلة الاستقلال نفسها.

رابعًا: آثار المحاكمة ومسار إعادة الاعتبار

لم تنته آثار القضية بصدور الحكم في 8 سبتمبر 1958، إذ دخل الطاهر بن عمار مرحلة طويلة من العزلة السياسية والاجتماعية، كما أثقلت الغرامات المالية وضعه. واستمر هذا الوضع إلى منتصف الستينيات، حين بدأت الدولة بمراجعة بعض اختياراتها الاقتصادية والسياسية، خاصة بعد فشل تجربة التعاضد وتصاعد الخلافات داخل النظام.

وفي سنة 1966 صدر القانون عدد 39 الذي منح الطاهر بن عمار وزوجته زكية بن عياد عفوًا تشريعيًا خاصًا، وهو ما اعتبره البعض إشارة إلى مراجعة ضمنية للملف. ثم قام الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1969 بتقليده الوشاح الأكبر لوسام الاستقلال، في خطوة حملت دلالات مرتبطة بمحاولة استعادة التوازن مع بعض النخب التي تعرضت للتهميش.

ورغم ذلك بقي الطاهر بن عمار بعيدًا عن التأثير السياسي حتى وفاته في 10 ماي 1985، دون أن يحظى بتكريم رسمي يتناسب مع دوره في تاريخ الاستقلال. وقد نقل نجله الشاذلي بن عمار أن بورقيبة اعترف لاحقًا بما تعرض له والده من ظلم، معبرًا عن ذلك بعبارته الشهيرة: «السياسة قذرة».

خامسًا: إعادة قراءة مكانة الطاهر بن عمار في الذاكرة الوطنية

بدأت إعادة تقييم دور الطاهر بن عمار بعد عقود، في إطار توجه نحو قراءة أكثر تعددية لتاريخ الحركة الوطنية. وقد ظهر ذلك بوضوح في خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي بمناسبة الذكرى الستين للاستقلال سنة 2016، حيث تم التأكيد على مكانة الطاهر بن عمار باعتباره أحد أبرز مهندسي مفاوضات الاستقلال ورجل التوافق الذي ساهم في تحقيق الاستقلال التام.

وهكذا انتقلت صورته تدريجيًا من شخصية ارتبط اسمها بمحاكمة مثيرة للجدل إلى أحد رموز المسار الوطني للاستقلال.

تكشف محاكمة الطاهر بن عمار سنة 1958 عن تعقيدات مرحلة الانتقال من الحركة الوطنية إلى بناء الدولة المستقلة. فقد كانت القضية، رغم طابعها المالي والقضائي الظاهر، جزءًا من صراع أوسع حول السلطة والشرعية ومصير النخب التي شكلت المشهد التونسي قبل الاستقلال.

كما تبرز أن مشروع بورقيبة في بناء الدولة الحديثة ارتبط في الوقت نفسه بتركيز السلطة وإضعاف مراكز النفوذ المنافسة، وهو ما جعل بعض الشخصيات الوطنية، ومن بينها الطاهر بن عمار، تدفع ثمن هذا التحول. ولذلك تبقى هذه المحاكمة محطة أساسية لفهم طبيعة النظام التونسي في بداياته، حيث تداخلت رهانات التحديث مع صراعات الإقصاء وإعادة تشكيل الذاكرة الوطنية.

 

بقلم الكاتب محمد العماري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى