ليست المشكلة في ما يكتبه بعض كتّاب الرأي العرب عن الحروب والأزمات، أو زاوية النظر التي يختارونها، بل أحياناً في ما يختارون عدم الكتابة عنه. فالصمت أيضاً موقف، والتجاهل قد يكون أكثر بلاغة من المقالات المطوّلة. ومن يراجع صفحات الرأي العربية خلال جولات الحرب المتعددة على لبنان، ثم خلال المأساة المستمرة في غزة، سيلاحظ تفاوتا لا يمكن تفسيره دائماً، بالاجتهاد المهني أو اختلاف الأولويات التحريرية.
في عدد من الصحف والمواقع العربية، بدا وكأن الحرب على لبنان لا تستحق أكثر من إشارات عابرة، رغم حجم الدمار والخسائر البشرية. وقد يكون من المفهوم أن تختلف هذه الصحف مع حزب الله سياسياً أو أيديولوجياً، أو أن يكون لها احتراز على علاقة أطراف لبنانية مع إيران، لكن من غير المفهوم أن يمتد هذا الخلاف إلى تجاهل المأساة الإنسانية نفسها. فالأطفال الذين يُقتلون لا يحملون بطاقات حزبية، والنازحون الذين يفترشون الطرقات لا يُسألون عن مواقفهم السياسية قبل أن يصبحوا ضحايا حرب. الا إذا، كان تجاهل المآسي انعكاسا للرؤية الإسرائيلية، التي تعتبر المدنيين امتدادا اجتماعيّا للحزب وتُدخلهم في دائرة الاستهداف المشروع، كورقة ضغط. وهذا طبعا، مُدان وممنوع حسب كل الشرائع، ومخالف للقانون الدولي الإنساني (قانون الحرب).
المشهد نفسه، يتكرر باختلاف محدود مع غزة. فبعض المنابر تتناول القضية بحذر شديد أو باحتشام واضح، وكأنها تؤدي واجباً مهنياً، وتحرص على اسقاط اللوم لا أكثر. وفي أحيان كثيرة، لا تجد هذه القضية طريقها إلى صفحات الرأي، إلا عندما يكتب عنها مفكرون أو مثقفون من أصحاب المكانة الرفيعة، الذين يشكّل تجاهل مقالاتهم احراجا.
والمفارقة أن التجربة المصرية تقدم نموذجاً مختلفاً يستحق التأمل. فمصر ترتبط باتفاقية سلام مع إسرائيل منذ عقود، كما أن حركة حماس تمثل موضوعاً شديد الحساسية داخل المجال السياسي المصري، بسبب ارتباطاتها الفكرية والتنظيمية المعروفة. ومع ذلك، استطاع كثير من الكتّاب والمثقفين المصريين أن يميزوا بين الموقف من حماس، وبين الموقف من الحق في المقاومة، وعدم التردد في ادانة إسرائيل كطرف معتدي على المدنيين الفلسطينيين. والموقف من الحركة، لم يتحول إلى قبول لمعاناة السكان، والخلاف السياسي لم يصبح سبباً لإسكات الحديث عن الضحايا أو تجاهل المأساة الإنسانية. نفس الشيء ينطبق على إيران، فالصحافة المصريّة عادة، لا تسقط في الاصطفاف المذهبي كمعيار لتوجيه الموقف، وانّما تلتزم بسياقات تحليل منطقية، أساسها الامن القومي العربي والإسلامي.
هذه القدرة على الفصل بين السياسي والإنساني، هي في جوهرها معيار من معايير النضج الفكري. فليس مطلوباً من الكاتب أن يتبنى خطاب أي حركة أو تنظيم أو دولة، لكنه مطالب أخلاقياً بأن يبقى منحازاً للقضايا العادلة، وإلى الإنسان باعتباره الضحية.
والأكثر إثارة للمفارقة، أن بعض الصحف الإسرائيلية، ذات التوجهات اليسارية، أظهرت قدراً من الجرأة في نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية، يفوق ما أبدته بعض الصحف العربية في نقد الصمت، أو في الدفاع عن الضحايا. فصحيفة مثل هآرتس، رغم انتمائها إلى البيئة السياسية والإعلامية الإسرائيلية، نشرت على مدى سنوات مقالات وتحليلات أثارت جدلاً واسعاً، بسبب انتقادها لسياسات الحكومات اليمينية المتعاقبة؛ ولا سيما في عهد بنيامين نتنياهو. وليس المقصود هنا، الإشادة بتجربة إعلامية بعينها، بل الإشارة إلى مفارقة تستحق التوقف: كيف يصبح نقد السلطة ومساءلتها أكثر حضوراً في بعض المنابر داخل إسرائيل، من الحضور في منابر عربية، كان يفترض أنها أقرب وجدانياً وثقافياً إلى ضحايا المنطقة؟
وفي المحصلة، إن المشكلة ليست في الاختلاف حول حزب الله أو حماس أو إيران، ولا في المواقف من التسويات السياسية أو اتفاقيات السّلام. المشكلة تبدأ، عندما تتحول الحسابات السياسية إلى معيار يُحدد التعاطف الإنساني، ويكيف الموقف تجاه قضايا مُسلّمٌ بديهيّا برفضها، كالاستعمار والتمييز العنصري والعدوان الحربي غير المبرر على الدول. عندها، يصبح الضحايا مرئيين في مكان وغير مرئيين في مكان آخر، وتصبح قيمة الإنسان مرتبطة بالهوية السياسية او العقائدية للقضية التي ينتمي إليها. ولهذا فإن قراءة “اللاّقراءات” لا تعني فقط متابعة ما يكتبه الكتّاب، بل أيضاً تفحص خرائط الصّمت في الصحافة العربية. فهناك لحظات يصبح فيها السؤال الأهم ليس: ماذا قيل؟ بل: لماذا لم يُقَل شيء على الإطلاق؟






