حامد بن إبراهيم استشاري في العلاقات الدولية 
التفكير فيما يجري حول مضيق هرمز، يُحيل على كلمة “درُوجْبَا” Druzhba التي تعني «الصداقة» بالروسية؛ والتي تحولت خلال الحرب الباردة إلى عنوانٍ لأحد أكبر مشاريع الطاقة في القرن العشرين.
ففي بداية ستينات القرن الماضي، أنشأ الاتحاد السوفياتي خط أنابيب Druzhba Pipeline، لربط حقول النفط السوفياتية بدول أوروبا الشرقية ثم بألمانيا الشرقية. الثقة في قابليّة اللغة العربية للتطويع ولاشتقاق الأفعال الجديدة، تسمح-مع المراهنة على حلم القواميس والمختصّين- بابتكار فعل “درَجْبَنَ”، ليكون مدخلاً لتحليل ما يدور حول مضيق هرمز.
وقد تَختزل لفظة “الدرَجْبَنَة”، أطروحةً بكاملها في مجال التحليل الجيوسياسي والاستراتيجي، كما سيظهر لاحقاً. هذا الابتكار يرجح أن لا يواجه معارضة كبيرة، لأننا تعوّدنا على استحداث الكلمات والافعال، وللأسف في سياقات أكثر قتامة، كاللّبنَنة والصّوملة والسّودنة، والقائمة تتسع للمزيد، باستحضار ليبيا وسوريا واليمن.
مقاربة التحولات عبر مفهوم «درَجْبَنَة غرب آسيا»، هي استعارة من المشروع السوفياتي، الذي حوّل الطاقة خلال الحرب الباردة إلى أداة تأمين للارتباط الاستراتيجي مع أوروبا الشرقية؛ وحول الأنابيب من معطى لوجستي إلى أداة لتثبيت المجال الجيوسياسي السوفياتي، وجزءًا من بنية الحرب الباردة نفسها. وتأكيداً لتواصل الأهمية الجيوسياسية للمشروع في العلاقة مع أوروبا، قرّرت موسكو ابتداء من مطلع أيار/ماي الجاري، منع عبور النفط من كازاخستان عبر خط “دروجبا” إلى مصفاة شفييت قرب برلين.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الورقة لا تدّعي تقديم “مفهوم تفسيري” أو “نطاق تحليل نظريّ” ناضج؛ كما لا تحاول إثبات حتمية سيروريّة مضمونة المآل، بل تسعى لإطلاق فرضية استراتيجية لتحفيز التفكير المبكر. الغاية هنا، ليست شرح أفكار بصدد التداول تحت ضغط حدثٍ آنيّ، بل محاولة التقاط تحوّل بنيويّ قَيد التشكُّل.
واليوم، تكتسب تجربة “دروجبا” أهميتها في التحليل، لأن المؤشرات تتزايد على اتجاه “غرب آسيا” نحو صيغة مشابهة، وإن ضمن سياقات مختلفة.
***
تنطلق الورقة من فرضية مفادها أن غرب آسيا يشهد تدريجيًا انتقالًا من جغرافيا الطاقة البحرية المرتبطة بالمضائق، إلى جغرافيا بريّة قائمة على شبكات الأنابيب العابرة للدول. فالممرات البرية الجديدة المقترحة، لا تتعلق فقط بتصدير الطاقة، بل بإعادة تشكيل خرائط النفوذ والتحالفات، وتعريف جديد لشبكة الاعتماد المتبادل بين القوى الإقليمية والدولية. التوجّه، من شأنه أن يجعل النطاق الزمني لتفعيل ورقة مضيق هرمز من قبل إيران، ملفاّ يحتاج للتفكير والاستشراف المتجرّد من نشوة اللحظة الراهنة.
ولا شكّ، أن الحرب الجارية وتصاعد التوترات الإقليمية، وإظهار إيران استعداداً وقدرة على استخدام ورقة التحكم في انسياب الملاحة أو تعطيلها خلال الأزمات، أعادا إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى هشاشة النظام الطاقوي العالمي، القائم على المضائق البحرية. وتحويل إيران لمضيق هرمز من بوابة عبور مائي مسلمٌ بانسيابيّته، إلى أكبر معضلة جيو استراتيجية تواجه الولايات المتحدة، أَفهمَ حتما واشنطن أنّ الغلبة أو القدرة على اسقاط القوة (Power Projection) عبر القارات، ليست من الحقائق الصلبة في التاريخ. وطبعاً، المشهد يُقرأ دائماً مع أخذ تجربة باب المندب مع “أنصار الله” في الحسبان، والكل يدرك مدى خطورة التفعيل المتوازي لقرار غلق المضيقين.
***
يتزامن ما يجري مع التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا بعد الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية على روسيا، حيث تعرضت البنية التقليدية لأمن الطاقة الأوروبي لهزة عميقة بعد تراجع الاعتماد على الغاز الروسي المنقول عبر شبكات “السّيل الشمالي”. ومع أن الغاز الطبيعي المُسال القادم من قطر والولايات المتحدة وفّر بدائل لأوروبا، فإن الكلفة المرتفعة ومحدودية حمولة الناقلات، واشكالية العامل الزمني في النقل البحري مقارنة بالأنابيب، أعادت الاعتبار لفكرة الممرات البرية العابرة للقارات.
أدت الحرب في أوكرانيا إلى إعادة تعريف أمن الطاقة الأوروبي بصورة غير مسبوقة. فقد كانت ألمانيا، القوة الصناعية الأكبر في أوروبا، تعتمد بصورة كبيرة على الغاز والنفط الروسي قبل تراجع الإمدادات عبر شبكات “السيل الشمالي” و”دروجبا”. وقد يكون الغاز الطبيعي المُسال القادم من قطر والولايات المتحدة، ساعد على تجنب أزمة هيكليّة، إلا أن هذا النموذج ظل مكلفًا ومعقدًا مقارنة بالأنابيب، نظرًا لحاجته إلى التسييل قبل النقل البحري ولإعادة التَّغوِيزْ عند الوصول، إضافة إلى محدودية القدرة مقارنة بالتدفقات البرية المستقرة. ومعلوم أنّ اقتصادًا صناعيًا بحجم الاقتصاد الألماني مثلاً، يحتاج إلى تدفقات ضخمة وطويلة الأمد (90 مليار متر مكعب سنوياً)، ما يجعل الأنابيب خيارًا بنيويًا أكثر استقرارًا من الناقلات البحرية. ومن هنا عادت أهمية التفكير في ممرات برية تربط الخليج بأوروبا عبر تركيا؛ لكنّ هذا التحول يفتح معضلة جديدة، فاستبدال اعتمادٍ جيوسياسي بآخر، قد ينقل مركز الهشاشة من الشمال الشرقي الأوروبي إلى غرب آسيا؛ وهذا فضاء أقل ما يميزه الاختلال الأمني وتعدد الملفات التاريخية العالقة، القابلة للتحول لاشتباك.
***
ضمن هذا السياق، عادت إلى التداول نقاشات حول أهمية ربط الخليج بأوروبا عبر شبكات أنابيب تمر من السعودية والأردن وسوريا وتركيا. وبالتوازي، تسجّلُ جهود إقليمية تهدف إلى تجاوز اختناق هرمز، عبر خطوط بديلة موجودة سواء على البحر الأحمر (يُنبع)، أو الموانئ الواقعة خارج خليج فارس مثل الفجيرة، إلى جانب خُطط بنيامين نتنياهو الطموحة للربط بالبحر الأبيض المتوسط (حيفا). أما العراق، فقد عاد بجدية، تحت ضغط ازمة مضيق هرمز، إلى تعزيز خطوط التصدير بالأنابيب نحو تركيا، وعبر سوريا باتجاه البحر المتوسط بالشاحنات. وتحتل سوريا موقعًا مركزيًا في أي تصور لممرات الطاقة البرية بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا؛ فهي تقع في قلب المسارات المحتملة. وقد أعاد ذلك إحياء نقاشات قديمة حول مشاريع نقل الغاز نحو أوروبا عبر الأراضي السورية. وأهمية البعد الطاقوي في فهم آفاق التموضع السوري، تبقى قائمة ضمن سياق التنافس الأوسع على أسواق الطاقة الأوروبية بين اللاعبين الخليجيين وروسيا.
في هذا الإطار، يمكن فهم سوريا بوصفها نقطة تقاطع بين الجغرافيا السياسية والجغرافيا الطاقوية، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع مشاريع العبور الإقليمي. ويذهب البعض إلى أن جانباً من الأزمة السورية، وجهود اسقاط نظام بشار الأسد، كان مرتبطاً بمثل هذه المشاريع الاستراتيجية. وتحتاج هذه الفرضية إلى تعمق، لا يتسع هنا المجال له، ونكتفي بالقول إن الازمة السورية قامت على خلل بنيوي مأتاه عجز النظام عن التعامل مع تعقيدات الوضع داخلياً وخارجياً؛ واحتماليّة استفادة بعض الجهات من تغيير المنظومة لفرض مشاريعها الإقليمية ليس مستبعداً. والمتابع لتصريحات نتنياهو وطوم باراك، السفير الأميركي في أنقرة، إثر لجوء إيران لتفعيل ورقة هرمز، يفهم أن ورقة البر السورية ليست غائبة عن تفكير دوائر التخطيط الاستراتيجي الصّهيو-غربية، كأحد البدائل لتجاوز استعصاء الوضع في المواجهة مع طهران.
***
تقتضي الموضوعيّة هنا الاعتراف، بأنّ مساعي البحث عن بدائل لوجستيّة لنقل الطاقة، لها ما يُبرّرها واقعياً في ظل المخاوف من تحول الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة وفضاء تصعيدٍ إقليمي واسع. ولا تتنزل المساعي والخطط في كلّيتها، في خانة مشاريع التوسع أو مخططات إعادة رسم الخرائط وقلب التوازنات. هنا، لا تفوتنا الإشارة إلى أنّ إيران نفسها بصدد العمل على إيجاد بديل احتياطي عن العبور بمضيق هرمز، على الأقل لتفعيلها في حالات محددة مثلما تبين مع الحصار الأميركي الحالي على الموانئ الايرانيّة. وطهران – حسب بعض المعطيات الجدّية – توصّلت إلى ما يمكن تسميته “آلية لمقايضة الكمّيات”، تمكّنها من تزويد حلفاء روسيا في جوارها، مقابل تولّي موسكو ضخ كميات إضافية في الأنابيب التي تربط سيبيريا بالصين؛ والموضوع يتم عبر “مقاّصة الكمّيات” استلهاماً من المقاصّة البنكية، المعروفة لتصفية التّحويلات المتقاطعة. واجمالاً، يُظهر ما سبق طرحه أن التطورات الجارية يمكن أن تؤدي، على المديين المتوسط والبعيد، لإعادة تشكيل جغرافيا الطاقة والبنية التحتية، بل قد تمتد إلى تغيير أنماط السلوك السياسي لقيادات بعض دول الخليج. فتصاعد التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز دفع بعض الدول، وبخاصة السعودية وقطر، إلى تبنّي مقاربات تقوم على تخفيف التصعيد مع إيران، وتقليل مسببات المواجهة المباشرة. وفي المقابل، يُظهر التعامل الاماراتي تباينَ الرؤى الإقليمية بشأن إدارة التهديدات وهندسة التحالفات؛ بما يعكس اختلاف الخيارات بين دول الخليج، حول طبيعة العلاقة مع إيران ومع القوى الإقليمية والدولية. هذه التباينات قد تؤثر على تماسك المنظومة الخليجية، في حال تعمق الاختلاف حول استراتيجيات الأمن والطاقة. ويبقى الموقف من السّلام أو التطبيع، الملف المفصلي في مدى انسجام المواقف الخليجية، لاختلاف مستوى القبول بفسح المجال “لإسرائيل” للعب دورٍ أمنيٍّ تَمدُّديّ، مهيمنٍ في الخليج وفي غرب آسيا بشكل عام.
***
في المحصلة، بين مضيق هرمز من جهة، والممرات البرية الممكنة للربط بين الخليج وأوروبا من جهة أخرى، يتبلور صراع أوسع حول من يملك القدرة على التحكم في خرائط العبور، لا فقط مصادر الطاقة. والموضوع يمس الصين التي تراقب كل ما يمكن أن ينافس مشاريعها وممراتها، التي عملت لعقود على تثبيتها، وروسيا التي لا تقبل أي تهديد لخط الربط شمال – جنوب عبر إيران، والهند الطامحة للاستفادة من ممر التوابل، العابر للخليج وحيفا وصولاً إلى قبرص واليونان (أين لبنان من هذا الخط ومن باقي الخطوط؟). وإذا كان القرن العشرون قد شهد نموذج «دروجبا» كأداة لربط أوروبا الشرقية بمركز الطاقة السوفياتي، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد «درَجْبَنَةً» بنُسخٍ متعددة ومتنافسة في غرب آسيا؛ فالمسألة لم تعد مجرد نقل موارد، بل إعادة تشكيل خرائط النفوذ عبر مسارات الطّاقة. وختاما، يبقى من الضروري التعامل بحذر مع فرضية «تجاوز هرمز»، لأن قيمة المضيق في الحسابات الإيرانية لا تُختزل في إمكان إغلاقه الكامل أو تعطيل تدفقات النفط فحسب، بل تتصل أيضًا بوظيفته ضمن منظومة ردع أوسع، قوامها رفع كلفة الحرب وإنتاج حالة دائمة من عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي. كما أنّ الحديث عن دخول غرب آسيا في مرحلة “مركزيّة الأنابيب البرية العابرة للحدود” يحتاج إلى تنسيب، إذ لا ينبغي أن تُحجب حقيقة أن أوروبا تتجه، في المدى المنظور، نحو تنويع مُركّب لمصادر الطاقة ومساراتها، يشمل الغاز الطبيعي المسال، والطاقة المتجددة، وإمدادات النرويج وشمال إفريقيا (غاز، نفط، الطاقة الشمسية)، فضلًا عن الرهان المستقبلي على الهيدروجين؛ بما يعني أن الممرات البرية المحتملة قد تتحول إلى جزء من منظومة بدائل متعددة، لا إلى بديل أحادي يعيد إنتاج نموذج الاعتماد السابق والتحول من الارتهان للمضائق إلى الارتهان للأنابيب.
*مقال نشر بالتولزي مع منصة, 180 POST اللبنانية (https://180post.com/archives/64635)





