الحرب التي بدأت في أوكرانيا لم تعد محصورة في الجغرافيا الأوكرانية. فقد انتقلت تدريجيًا إلى الطاقة والمصارف والتكنولوجيا والعقوبات والتجارة، وهي تتحرك اليوم نحو منطقة أكثر حساسية: ملكية رأس المال والسيطرة على الأصول.
ومن هنا ينبغي قراءة القرار الروسي بوضع الأصول المحلية التابعة لشركات عالمية، من بينها Nestlé وAuchan، تحت إدارة مؤقتة روسية.
قانونيًا، لا يتعلق الأمر حتى الآن بتأميم نهائي لهذه الشركات. لكن جيوسياسيًا، الرسالة أشد وضوحًا: روسيا تقول للدول التي تضغط عليها اقتصاديًا إن استثمارات شركاتها الموجودة على الأراضي الروسية ليست معزولة تمامًا عن الصراع السياسي. فالكرملين ربط الإجراء بما يعتبره أعمالًا أوروبية «عدائية»، كما أشار إلى انتماء الشركات إلى دول تصنفها موسكو «غير صديقة». وهنا تكمن خطورة الحدث.
عندما تصبح الشركة جزءًا من جنسية دولتها تكفي Nestlé لفهم حجم الإشارة.
نحن نتحدث عن واحدة من أكبر المجموعات الغذائية في العالم، لها ستة مصانع ونحو 7 آلاف موظف في روسيا. أما Auchan فتدير 229 متجرًا وتشغّل أكثر من 24 ألف شخص هناك. المشكلة إذن ليست في حجم الأصول الروسية وحدها، بل في المبدأ الذي بدأ يتبلور:
هل يمكن أن تتحول جنسية الشركة نفسها إلى عامل مخاطرة؟
في النموذج التقليدي للعولمة، كانت الشركة الأجنبية تُقيَّم أساسًا باعتبارها مستثمرًا: ما حجم استثماراتها؟ كم تشغّل من العمال؟ هل تحترم القانون؟ وما الضرائب التي تدفعها؟
أما عندما تدخل الجغرافيا السياسية إلى هذه العلاقة، فقد يصبح السؤال مختلفًا: إلى أي دولة تنتمي هذه الشركة؟ وما علاقة تلك الدولة بنا؟
وهذا تحول بالغ الخطورة بالنسبة إلى مفهوم الاستثمار الدولي. الغرب بدأ بالعقوبات… وروسيا تنقل الرد إلى الشركات لكن تحليل القرار الروسي بمعزل عن السياق الغربي سيكون ناقصًا. منذ غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، جمّد الاتحاد الأوروبي أصولًا للبنك المركزي الروسي تقدر حاليًا بنحو 210 مليارات يورو، يوجد معظمها داخل الاتحاد، ويدور نقاش أوروبي مستمر حول كيفية استخدام هذه الأموال أو العائدات المرتبطة بها لدعم أوكرانيا. وفي المقابل تحذر بلجيكا، التي تستضيف Euroclear، من المخاطر القانونية والمالية لمصادرة هذه الأموال أو استخدامها.
روسيا من جانبها تتحرك بمنطق الرد.
ومن هنا تصبح المواجهة أكثر خطورة من مجرد العقوبات التقليدية.
الغرب يقول عمليًا: الأصول السيادية الروسية يمكن تجميدها بسبب الحرب. وموسكو ترد، وفق منطقها السياسي: أصول الشركات القادمة من الدول التي تعاقب روسيا يمكن أن تدخل هي الأخرى في دائرة الإجراءات المضادة. لا يعني ذلك أن الحالتين متطابقتان قانونيًا؛ فالأصول السيادية المجمدة تختلف عن ملكية الشركات الخاصة، كما تختلف قواعد التجميد عن الإدارة المؤقتة أو المصادرة. لكن جيوسياسيًا، النتيجة واحدة في جانب أساسي: الملكية أصبحت جزءًا من أدوات القوة.
هنا تبدأ «حرب الاستثمار»
هذه هي النقطة التي ينبغي أن تقلق المستثمرين. الحرب الاقتصادية التقليدية تستهدف اقتصاد الدولة الخصم عبر الرسوم والعقوبات والحظر التجاري.
أما المرحلة الجديدة فقد تجعل رأس المال الخاص نفسه ساحة للرد المتبادل.
ومنذ 2023 استخدمت موسكو آلية الإدارة المؤقتة مع أصول شركات غربية أخرى، من بينها Danone وCarlsberg وFortum، وانتهت بعض الحالات لاحقًا ببيع الأصول إلى جهات روسية. كما تشير تقديرات غير حكومية نقلتها رويترز إلى أن قيمة الممتلكات الخاصة التي استولت عليها روسيا منذ بداية الحرب تجاوزت 50 مليار دولار. وهذا يسمح بالحديث عن مفهوم جديد: حرب الاستثمار.
ليست حربًا لإيقاف حركة رأس المال، وإنما لإدخاله في ميزان الردع بين الدول.والفرق جوهري.
لأن المستثمر الذي لم يكن طرفًا في قرار الحرب قد يجد مصنعه أو أمواله أو قدرته على الخروج من السوق متأثرة بقرارات حكومته. الخطر الأكبر ليس خسارة Nestlé
قد يكون التأثير المالي المباشر على مجموعة بحجم Nestlé محدودًا نسبيًا مقارنة بأعمالها العالمية. لكن التركيز على خسارة شركة بعينها يفوّت القضية الحقيقية.
الخطر هو السابقة.
مجالس إدارة الشركات العالمية لا تقرأ الأحداث فقط لمعرفة ما خسرته Nestlé اليوم، بل لمعرفة ما قد يحدث لها هي غدًا.
ومن هنا ستدخل عناصر جديدة بقوة في حساب الاستثمار: احتمال العقوبات، طبيعة التحالفات الدولية، حماية الملكية، إمكانية تحويل الأرباح، مخاطر نزع السيطرة، التأمين السياسي، وآليات الخروج عند الأزمة. وهكذا يتحول السؤال من: كم سأربح في هذه الدولة؟إلى:هل سأظل قادرًا على التحكم في استثماري إذا دخلت دولتي في صراع معها؟
الأرقام العالمية تكشف بداية التحول ، لا توجد حتى الآن أدلة على انهيار الاستثمار الدولي. على العكس، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا بنسبة 6% في 2025 إلى 1.6 تريليون دولار. لكن الرقم يخفي تحولًا مهمًا.
أكثر من 80% من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي اتجه إلى أكبر عشرين دولة مضيفة، بينما ارتفعت تدفقاته إلى الاقتصادات المتقدمة 11% مقابل 2% فقط في الاقتصادات النامية. وتقول الأونكتاد صراحة إن التوترات الجيوسياسية والصراعات وعدم اليقين والتجزؤ الاقتصادي تؤثر في آفاق الاستثمار. (Politique d’Investissement)
إذن المشكلة ليست أن رأس المال سيتوقف عن الحركة.المشكلة هي إلى أين سيتحرك.
الرابح الجديد: الدولة القابلة للتنبؤ
وهنا قد تظهر إحدى أهم النتائج الجيوسياسية لهذه الحرب. خلال العقود الماضية، تنافست الدول على الاستثمار بالأرض الرخيصة والضرائب المنخفضة والطاقة واليد العاملة وحجم السوق.
أما المرحلة المقبلة فقد تمنح ميزة استثنائية للدولة التي تستطيع تقديم شيء مختلف: إمكانية التنبؤ.
ليس المقصود دولة بلا أزمات؛ فهذا غير موجود.
بل دولة يعرف المستثمر فيها أن النزاع السياسي لن يغير فجأة قواعد الملكية، وأن العقود قابلة للإنفاذ، وأن القضاء يعمل، وأن الخروج من السوق ممكن، وأن رأس المال الخاص لن يتحول بسهولة إلى ورقة تفاوض بين الحكومات.
وهنا يصبح الاستقرار أصلًا اقتصاديًا. روسيا تربح ورقة ضغط… لكنها تدفع ثمنًا من منظور القوة، يمنح الإجراء موسكو أداة ضغط واضحة. لكن من منظور الاستثمار، للسلاح ثمن. فكلما استخدمت الدولة الأصول الأجنبية في مواجهة سياسية، ارتفعت المخاطر التي يضعها المستثمر المقبل في حساباته.
وقد تكون الخسارة الأخطر غير ظاهرة اليوم.
ليست المصنع الذي صودر أو بيع، وإنما المصنع الذي لن يُبنى بعد خمس سنوات. وليست الأموال التي خرجت، وإنما رأس المال الذي قرر منذ البداية ألا يدخل. وهذا النقد لا يخص روسيا وحدها. فالاقتصادات الغربية تواجه بدورها سؤالًا مماثلًا كلما توسع النقاش من تجميد الأصول الروسية إلى إمكانية توظيفها أو مصادرتها: ما أثر ذلك في ثقة الدول الأخرى بحياد البنية المالية الغربية وحماية الاحتياطيات السيادية؟
لهذا فإن تحويل الملكية إلى سلاح قد يمنح الدول قوة تكتيكية، لكنه يحمل خطرًا استراتيجيًا على النظام الذي يسمح أصلًا لرأس المال بالتحرك عبر الحدود.
من عولمة السوق إلى عولمة المعسكرات؟
هذا هو السؤال الأكبر ، إذا أصبحت الشركات تُقرأ وفق جنسية مالكيها، والأصول وفق تحالفات دولها، وسلاسل التوريد وفق الاعتبارات الأمنية، فقد لا نكون أمام نهاية العولمة، وإنما أمام تسييسها. وقد يتجه العالم تدريجيًا من اقتصاد يقوم على: أين أستطيع الإنتاج بأقل تكلفة؟» إلى اقتصاد يسأل: مع من أستطيع الاستثمار بأقل مخاطرة سياسية؟» وهذا يعني أن الحدود الاقتصادية قد تبدأ في الاقتراب من الحدود الجيوسياسية.
عندها لن تكون المنافسة بين الدول على الضرائب والطاقة والأجور فقط. بل ستكون على الثقة.
وما قامت به روسيا سيحظى لذلك باهتمام عالمي لا لأن Nestlé أو Auchan وحدهما مهمتان، بل لأن المستثمرين سيراقبون ما إذا كان هذا الإجراء سيبقى استثناءً مرتبطًا بالحرب أم يتحول إلى نموذج أوسع في الصراع بين الدول.
فالتحول الحقيقي الذي تكشفه حرب أوكرانيا ربما يكون أعمق من العقوبات نفسها:
الدولة لم تعد وحدها هدفًا للحرب الاقتصادية؛ رأس مال مواطنيها وشركاتها قد يصبح امتدادًا لها.
وإذا ترسخت هذه القاعدة، فإن الورقة الأغلى في الاقتصاد العالمي المقبل لن تكون فقط السوق الأكبر أو الضريبة الأقل أو الموارد الأكثر وفرة.
ستكون الدولة التي تستطيع إقناع العالم بأن أمواله لن تصبح رهينة عندما تختلف الحكومات.
وهنا يبدأ الانتقال من جغرافيا الأرباح إلى جغرافيا الأمان والثقة.
ريم بالخذيري الشناوى
مختصة في مقاومة الجريمة الاقتصادية و المنظمة
رئيسة المنتدي التونسي للاستشعار و الوقاية من الجريمة الاقتصادية





