تحاليل وأراء

اتفاق مكة الثلاثي وامتحان الطوفان الحوثي

لوبوان-تونس-كتب حامد بن إبراهيم

تستعر الحرب في اليمن، وتشتدّ المواجهة بين السعودية وقوات أنصار الله اليمنية، بشكل يضع الرياض القوية أمام اختبار أمني يكشف حدود الترتيبات التي بنتها لحماية نفسها داخل محيطها الاقليمي. ويواجه اتفاق الدفاع المشترك الذي أبرمته السعودية مع تركيا وباكستان امتحانا عملياّ قد يضرب مصداقية التزامات أنقرة وإسلام أباد. والسؤال الذي تفرضه المواجهة الدائرة مع اليمن ليس فقط ما إذا كان الاتفاق قادرًا على توفير حماية فعلية للسعودية، وإنما أيضًا: ما الذي كانت الرياض تبحث عنه عندما اختارت أنقرة وإسلام آباد تحديدًا؟

وتستند أهمية الاتفاق، من الناحية النظرية، إلى اعتبار الاعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا. وهذه صيغة تحمل ملامح تحالف دفاعي جماعي، لكنها لا تكفي وحدها لإنتاج تحالف عسكري على غرار الأحلاف التي تمتلك آليات قيادة وتخطيط وتدخل واضحة، مثل آلية الفصل الخامس في منظومة الناتو الأطلسية.

وقد ذهبت أغلب التحاليل في اتجاه سعي الرياض لإرسال إشارة بأنها لا تريد حصر خياراتها الدفاعية في علاقة واحدة، والبحث على شراكة دفاعية مع قوتين إقليميتين مهمتين، إلا ن المرجح أن الاتفاق ترتيبٌ امريكي لطمأنه السعودية قبل دفعها لمغامرة محاربة الحوثيين لإضعاف إيران في مفاوضاتها مع واشنطن.  ويمكن وضع «امتحان اليمن» في سياق تقييم الاتفاق بين اعتباره نواة لترتيب أمني قابل للتفعيل، أم مجرد اتفاق أريد منه ردع القوى التي قد تهب لنصرة الحوثيين عند تنفيذ مخطط ضربهم ومحاولة اخراجهم من العاصمة صنعاء؟

ولهذا، قد يكون من الأدق النظر إلى الاتفاق، بأثر رجعي، ليس من زاوية إمكانية تلبية وظيفة أمنية وإنّما كإطار أُريد منه لعب وظيفة سياسية واتصالية في سياق مخرجات قمة المنامة التي تمت بمشاركة وزير الخارجية الأمريكي وقبرت بعدها مذكرة التفاهم الامريكية الإيرانية. وتفيد عدة مؤشرات بأن السعودية التزمت خلالها بالسعي لقلب موازين القوى في اليمن. الغاية سحب ورقة باب المندب من إيران وضمان تدفق النفط من ميناء ينبع عبر البحر الأحمر.

وتكشف الحرب اليمنية الفجوة بين المدى الاتصالي السياسي للنص والقدرة على التنفيذ. فالسعودية تخوض مواجهة أمنية في محيطها المباشر، ولا يعني توقيع الاتفاق بالضرورة أن تركيا أو باكستان ستدخلان تلقائيًا في هذه المواجهة. كما أن مواقف الدولتين من الحرب اليمنية ومن الصراعات الإقليمية لا تسمح بافتراض التزام عسكري آلي بأي تحرك سعودي.

وقد لا يُقدّم الاتفاق، في ظروف المواجهة الحالية، إجابة عسكرية للصراع مع أنصار الله، لكن محدودية مفعوله العملياتي لا تعني بالضرورة غياب دلالات سياسية. فإذا كان الاتفاق لا يوفر مظلة عسكرية جاهزة لكل صراع تخوضه السعودية، فقد تكون قيمته في توسيع شبكة الضمانات والشراكات، وفي إعادة تعريف المجال الذي تريد الرياض أن تتحرك داخله. ومن هنا يصبح امتحان اليمن مدخلًا للتأمل في الاتفاق، لا مجرد اختبار لقدراته العسكرية.

السعودية وتحدّي إعادة تعريف الدور

قد يكون اتفاق مكة جزءًا من محاولة أوسع (بدفع أمريكي) لإعادة تعريف موقع السعودية داخل العالم الإسلامي، ولإحداث توازن مع ثقل إيران، التي تمكنت منذ طوفان الأقصى من كسب الأصوات العربية والإسلامية – بقطع النظر عن انتمائها المذهبي- الرافضة لسياسات واشنطن وحلفائها في المنطقة.

العالم الإسلامي ليس كتلة واحدة، بل فضاء شديد التعدد يضم السلفية بتفريعاتها وسنة المذاهب الأربعة المعتدلة والتصوف والخط الشيعي (إمامي، زيدي واسماعيلي). ولذلك قد يكون من الصعب على أي مشروع سعودي للقيادة الإسلامية أن يتجاهل هذا التنوع الرمزي والتاريخي. ومن ثم فإن تقديم السعودية بوصفها مركزًا إسلاميًا جامعًا قد يتطلب خطابًا أكثر قدرة على استيعاب هذا التنوع.

وقد يكون التحول الأعمق في التمشي السعودي، هو الانتقال من توظيف الخصوصية المذهبية في تعريف الدولة إلى توظيف المكانة الجامعة للحرمين في توسيع مجالها السياسي والرمزي. وهنا تظهر مسألة أهل البيت باعتبارها جزءًا من المفارقة التاريخية والسياسية. فمركزية أهل البيت في الذاكرة الإسلامية تتجاوز الحدود المذهبية، وإن اختلفت دلالاتها بين السنة والشيعة، وقبول النظام السعودي بمركزيةٍ لآل البيت في الخطاب الديني قد يوسع من دائرة تأثير إيران وحلفائها في المنطقة.

وفي هذه القراءة، يصبح اختيار تركيا وباكستان ذا دلالة تتجاوز قدراتهما العسكرية: الثنائي يتيح للرياض الانفتاح على فضاءات إسلامية واسعة، بما قد يساعدها على إعادة تقديم نفسها كدولة بوظيفة تتجاوز حدودها الوطنية والإقليمية. والمؤكد هو اتجاه السعودية إلى تنويع شراكاتها الأمنية والسياسية؛ أما الحديث عن محاولة إعادة تعريفٍ لدورها بوصفها «دولة الحرمين»، فذلك يحتاج إلى مؤشرات إضافية في خطابها الديني وسياستها الخارجية. هذا فضلا عن ضرورة الابتعاد عن مسارات التبيع المرفوضة شعبيا على امتداد كامل الدول الإسلامية.

من نجد إلى فضاء إسلامي أوسع؟

هنا تنتقل المسألة من الأمن إلى الهوية السياسية للدولة. فقد قامت الدولة السعودية الحديثة على خصوصية نجدية ارتبطت تاريخيًا بالتحالف بين السلطة السياسية والدعوة الوهابية. غير أن ثقل هذه الخصوصية داخل الدولة تبدو قد تغيرت بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، ولا سيما منذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان ووضع سياساته وافكاره التي غيرت الكثير. ولا يعني ذلك أن السعودية «تخلت عن الوهابية». فالتقليد الوهابي، بوصفه تيارًا دينيًا واجتماعيًا لا يمكن اختزاله في موقعه داخل بنية السلطة، كما أن المجتمع السعودي والمؤسسات الدينية أكثر تعقيدًا من أن تفسرها تحولات السياسة الرسمية وحدها.

الأدق ربما، هو الحديث عن تراجع الوظيفة السياسية التي كانت تمنح المؤسسة الدينية وزنًا خاصًا في تحديد المجال العام وتعريف الدولة لنفسها. فقد أصبحت السلطة أكثر قدرة على ضبط المجال الديني وتحديد حدوده، بينما تراجعت قدرة المؤسسة الدينية على العمل بوصفها شريكًا مستقلًا في رسم الاتجاه العام للدولة.

ومن هذه الزاوية، قد نرى تحولا من مركزية الخصوصية النجدية إلى إبراز الحرمين كمصدرٍ لشرعية دينية أكثر اتساعًا. فمكة والمدينة لا تنتميان رمزيًا إلى مدرسة فقهية واحدة، وتمثلان مركزًا جامعًا للمسلمين على اختلاف مذاهبهم وتقاليدهم. وهذا لا يعني اتجاه السعودية إلى تبني هوية مذهبية بديلة، وإنما قد يشير إلى أن ضرورات السياسة والأمن والنفوذ تدفعها إلى التعامل مع المجال الإسلامي بوصفه أوسع من الإطار الديني (الوهابية) الذي ارتبط تاريخيًا بنشأة الدولة. ومعلوم ما ينسب للسعودية (ولو مع التكتّم) من مسؤولية في تشنج العلاقات مع أغلبية الدول ذات الخلفية الإسلامية -على مختلف مذاهبها- بسبب الفكر السلفي وتفريعاته التكفيرية؛ التي شوهت صورة المسلمين والاسلام عموما.

ويكتسب هذا التحول أكثر أهمية عند النظر إلى العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية. فحين تتراجع قدرة المؤسسة الدينية على التأثير المستقل في الخيارات السياسية، يتغير دور الدين نفسه داخل الدولة من شريك في تعريف المجال العام إلى مجال تُنظمه السلطة بما يتلاءم مع أولوياتها.

ومن هنا يمكن فهم صعود خطاب ديني أكثر ارتباطًا بالطاعة السياسية، مقابل تهميش أصوات دينية عرفت بغلوّها وكانت تملك حضورًا دعويًا أو فكريًا مستقلًا. لكن اختزال هذا المسار في انتقالٍ من «الوهابية» إلى «المدخَليّة» وحده قد يكون تبسيطًا. فالمجال الديني السعودي شهد إعادة ترتيب شملت المؤسسات والخطاب والرقابة وموقع “العلماء” داخل الدولة. والأهم أن هذا التحول قد يسمح للدولة بهامش أكبر في مخاطبة جمهور إسلامي متنوع، خاصة لقابلية الحرمين للاضطلاع بوظيفة رمزية أوسع؛ مقابل الخصوصية المذهبية التي تبقى أداة تحكم سياسية داخلية تؤمّن ديمومة المملكة.

 

من المظلة إلى شبكة الضمانات

التفات السعودية الى واشنطن في صد التقدم اليمني، يفند مصداقية اعتبار الاتفاق محاولة سعودية لاستبدال الولايات المتحدة بتركيا وباكستان. فالأرجح أن السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة اتجهت إلى تنويع الشراكات بدل القطع مع الشراكات القائمة.

وبهذا المعنى، قد يكون الانتقال الجاري أقرب إلى التحول من مفهوم «المظلة» إلى مفهوم «شبكة الضمانات»: واشنطن شريك، وأنقرة شريك، وإسلام آباد شريك، وربما تدخل عواصم أخرى  في ترتيبات مختلفة. والهدف المفترض ليس إلغاء الضمانة الأمريكية، بقدر ما هو تقليل الاعتماد على طرف واحد وتوزيع المخاطر بين مجموعة من العلاقات.

وتكتسب مكة أهمية خاصة في هذا السياق. فاختيارها مكانًا للتوقيع يمكن تفسيره باعتبارات رمزية وبروتوكولية طبيعية، لكنه قد يحمل أيضًا رسالة سياسية. فالسعودية حاولت ألاّ تظهر فقط كدولة خليجية تبحث عن ترتيب أمني، وإنما كدولة تستضيف الحرمين وتستطيع، بحكم موقعها الديني، أن تقدم نفسها كمكوّن من فضاء إسلامي أوسع.

ولا ينبغي المبالغة في تفسير اختيار تركيا وباكستان من زاوية مذهبية. فلا توجد في الاتفاق أدلة كافية على أن الرياض اختارتهما لأنهما تنتميان تاريخيًا إلى المجال الحنفي. لكن الخلفية التاريخية تساعد في فهم دلالة الاختيار.

فتركيا قوة إقليمية كبرى ذات إرث عثماني طويل في الحجاز والعالم العربي، وتتمتع بقدرات عسكرية وسياسية تجعلها شريكًا ذا وزن في أي ترتيبات أمنية إقليمية. أما باكستان فتملك وزنًا سكانيًا وعسكريًا كبيرًا، وتنتمي إلى جنوب آسيا حيث يحتل الإسلام الحنفي والتصوف موقعًا تاريخيًا واسعًا. ومن ثم قد لا يكون اختيار أنقرة وإسلام آباد مجرد استدعاء لقدرات عسكرية يمكن اللجوء إليها عند الحاجة. بل قد يكون أيضًا محاولة لتوسيع شبكة السعودية داخل العالم الإسلامي، وفتح قنوات مع فضاءات تاريخية وسكانية وسياسية تتجاوز محيطها الخليجي والعربي.

مفارقة إيران وأثرها على التمدد الأمني الاسرائيلي

تبقى إيران في قلب الحسابات الأمنية التي تحيط بالاتفاق. فالتوتر مع طهران، أو احتمال عودته، يوفر سببًا واضحًا للرياض كي تبحث عن ترتيبات أمنية إضافية. لكن، هنا تظهر مفارقة تستحق التوقف، فقد تسهم عملية بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر اعتمادًا على القوى المحلية في تقليل الحاجة المستقبلية إلى الحضور العسكري الأمريكي، حتى لو كان أحد دوافعها مواجهة إيران.

ولا يعني ذلك أن الاتفاق يخدم المصالح الإيرانية، أو أن طهران يمكن أن تنظر إليه باعتباره تطورًا إيجابيًا. فمن الطبيعي أن ترى في تقارب السعودية مع تركيا وباكستان تعزيزًا لخيارات خصومها. لكن الفرق مهم بين دافع الاتفاق وأثره البنيوي المحتمل. فقد يكون احتواء التهديد الإيراني أحد دوافع إعادة بناء المنظومة الأمنية، بينما تؤدي هذه العملية نفسها، إذا نجحت، إلى إنتاج نظام إقليمي أقل اعتمادًا على قوة خارجية واحدة. وهذا أثر ارتدادي غير مخطط له في الاتفاق، ويصب في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية للترتيبات الأمنية الإقليمية.

في السياق ذاته، يمكن أن يحمل الاتفاق رسالة غير مباشرة بشأن المسار السعودي الإسرائيلي، لكن من الصعب اعتباره قطيعة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة. فالأرجح أن الرياض لا تتعامل مع خياراتها الخارجية بمنطق الاستبدال الكامل، وإنما بمنطق مراكمة الخيارات. ولذلك قد يكون الاتفاق وسيلة لزيادة هامش المناورة والتفاوض أكثر منه إعلانًا عن محور بديل. وإذا أصابت هذه القراءة، فإن قيمة الاتفاق تكمن – جزئيًا – في قدرته على تغيير موقع السعودية داخل شبكة العلاقات الإقليمية، وليس فقط في المردود العمليّاتي عند خوض الحروب، ومقدار الأصول الحربية التي يمكن أن يضعها الحلفاء تحت تصرفها.

وبهذا المعنى، لا يكون السؤال: هل اختارت السعودية تركيا وباكستان بدل الولايات المتحدة وإسرائيل؟ وإنما: هل تحاول بناء شبكة من الشراكات تسمح لها بألا تكون رهينة لمسار أمني واحد؟

في المحصلة، وفي ضوء ما اظهره أول امتحان واجهه اتفاق مكة (الصراع مع اليمن)، قد يكون أكثر من ترتيب دفاعي بين ثلاث دول، لكنه أقل من أن يكون «ناتو إسلاميًا» مكتمل الأركان. وتبدو قيمته المحتملة موزعة بين ايصال رسالة أمنية إلى الخصوم، وتنويع الشراكات، ومحاولة لإعادة تعريف المجال الذي تتحرك داخله المملكة عقائديّا لترفيع المقبولية لدى المسلمين.

وامتحان المواجهة الجارية مع أنصار الله في اليمن، يمنح هذه القراءة أداة للتقييم العملي. فإذا ظل الاتفاق إطارًا سياسيًا واتصاليًا من دون آليات دفاع مشتركة قابلة للتفعيل، فإن قيمته الأساسية ستبقى في توسيع شبكة العلاقات وتبليغ الرسائل. وإذا أفرز آليات تعاون عملياتي فعلية، فقد يتجاوز أثره الاتصالي إلى إرساء قاعدة لمنظومة أمن إقليمية جديدة.

وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوز اتفاق مكة نفسه: هل تستطيع السعودية أن تجعل من الحرمين أساسًا لدور إسلامي أوسع، وأن تخاطب عالمًا متعدد المذاهب والتقاليد من دون إعادة إنتاج الاستقطاب الذي حدّ تاريخيًا من قدرتها على تمثيل هذا التنوع؟

الإجابة النهائية، لن تحسمها بنود الاتفاق وحدها، وإنما ما ستفعله الرياض بهذه الشبكة الجديدة من العلاقات، وكيف ستوازن بين متطلبات أمنها، وهويتها السياسية، وموقعها الاستثنائي في العالم الإسلامي. والاولويات القصوى في هذه المرحلة تتمثل في فك الحصار وانهاء النزاع مع اليمن (ما قد ترفضه واشنطن)، كخطوة بناءة نحو إرساء وفاق داخلي يمني، وعلاقات جوار مستقرة تنسجم مع وضع دولة تحتضن الحرمين الشريفين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى