لوبوان تي ان :
مجموعة من الانتقادات رافقت مبادرة الإطار المشترك التي اعلنت عنها المنظمات الثلاث الاتحاد العام التونسي للشغل ،الهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية لحقوق الانسان لاخراج تونس من الازمة حيث اعتبر الاستاذ والخبير الإداري محمد الضيفي ان صعوبة الوضع الحالي لا يجب أن تحجب عن التونسيين مجموعة من الحقائق أن الاصلاح لا ينجح بمقدمات خاطئة.
ان التساؤل مشروع عمّا إذا كان الاتحاد العام التونسي للشغل لا يتحمل بدوره جانبًا من المسؤولية عما آلت إليه المؤسسات العمومية والخدمات الإدارية.
فخلال سنوات ما بعد الثورة، وفي ظل ما عُرف بفترة «الديمقراطية»، استفاد الاتحاد، في نظر منتقديه، من حالة ضعف الدولة ووهنها لفرض مطالب اعتُبرت في كثير من الأحيان مجحفة وغير متناسبة مع الإمكانيات الحقيقية للمؤسسات العمومية وللدولة نفسها.
وقد اختارت الحكومات المتعاقبة آنذاك، في كثير من المناسبات، سياسة «شراء السلم الاجتماعي»، دون مراعاة كلفة تلك الخيارات وانعكاساتها على المالية العمومية وعلى مستقبل المؤسسات.
كما شهدت تلك المرحلة سنّ عدد من القوانين والإجراءات ذات الطابع الشعبوي، التي اصطدمت لاحقًا بصعوبة التنفيذ وبمحدودية الإمكانيات. وكانت النتيجة مزيدًا من التدهور في عدد من القطاعات الحيوية.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل ما عاناه المواطنون في قطاع التعليم العمومي الذي فقد الكثير من بريقه ومكانته، ولا ما شهده القطاع الصحي العمومي من تراجع وتدهور، الأمر الذي فسح المجال أمام توسع القطاع الخاص، حتى أصبح العلاج الجيد، في نظر كثيرين، امتيازًا لا يستطيع تحمّل كلفته سوى القادرين.
وبصورة عامة، فإن جزءًا كبيرًا من خدمات القطاع العام تحول، كما وصفها المرحوم حسين الديماسي، إلى ما يشبه «الإقطاعيات».
ولم يكن الاتحاد وحده مسؤولًا عن هذا الوضع، بل شاركته في ذلك الأحزاب والقوى السياسية التي تولت الحكم خلال تلك المرحلة.
أما الرابطة «الموروثة»، فهي، في نهاية المطاف، تعبير عن توجهات وأطراف سياسية، لا أكثر ولا أقل. وكذلك الأمر بالنسبة إلى عمادة المحامين، التي بدا في بعض المراحل أن القائمين عليها أرادوا وضعها في صف المعارضة، فيما كانوا ينظرون إلى هيئات سابقة باعتبارها أقرب إلى الموالاة. غير أن التأرجح بين الموالاة والمعارضة بحسب المواقع والظروف لا يمكن اعتباره، في كل الحالات، تعبيرًا عن استقلالية حقيقية أو عن عمل محايد يضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.
هذه المنظمات الثلاث كانت من بين الأطراف التي نالت جائزة نوبل للسلام، لكن يبقى السؤال الأهم: هل عرفت تونس، خلال السنوات التي أعقبت تلك الجائزة، الازدهار والحرية والنمو التي تتحدث عنها هذه الأطراف اليوم؟
إن مبادرة الرباعي سنة 2015، ومعه الطرف الرابع الذي يبدو مغيبًا اليوم عن المشهد، لم تنجح في تجنيب تونس المآلات الكارثية التي وصلت إليها خلال السنوات اللاحقة. وهي المفارقة التي تطرح اليوم أكثر من سؤال، خاصة وأن بعض الخطابات تدعو، ضمنيًا، إلى العودة إلى تلك المرحلة باعتبارها مرجعًا أو نموذجًا.
فما الذي حققته تونس فعليًا بعد سنة 2015؟ وهل جنّبتها تلك المرحلة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت لاحقًا؟ الجواب، للأسف، نعيشه اليوم بكل ما يحمله من مرارة وإحباط ويأس.
لذلك، لا يمكن اختزال المسؤولية في رئيس الدولة وحده، حتى وإن كان يتحمل المسؤولية الأساسية عن السياسات والاختيارات الكبرى. فمختلف مكونات المشهد السياسي والمدني تتحمل بدورها نصيبًا من المسؤولية، بما في ذلك المنظمات الموقعة على هذا القرار.
وكان من الأجدر بهذه الأطراف أن تبدأ أولًا بمراجعة تجربتها ونقد أدائها وإصلاح نفسها، قبل أن تتولى تقديم الدروس للآخرين. فالمصداقية الحقيقية تبدأ دائمًا بالقدرة على الاعتراف بالأخطاء وتحمل المسؤولية عنها، لا بالاكتفاء بتوجيه الاتهامات إلى الآخرين.
هاجر وأسماء





