أراء
أخر الأخبار

بورقيبة والحجاب: جدل الهوية أم سياسة المراحل؟

لوبوان تي ان:

أثار مقال «في ذكرى هند شلبي: بورقيبة والحجاب والعقاب» للأستاذ سليم الحكيمي، صاحب القلم الحر والمنحاز باستمرار لقيم الحرية والعدالة، فضولي للعودة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في التاريخ التونسي المعاصر: قضية الحجاب وعلاقتها بمشاريع التحديث والهوية. فالنقاش حول الحجاب ليس وليد العقود الأخيرة، بل يمتد إلى ما يقارب قرنًا من الزمن، وظل حاضرًا بحدة في فرنسا كما في أوساط بعض النخب التونسية، متجاوزًا البعد الديني ليغدو ساحة صراع رمزي حول الهوية والثقافة والسلطة.

وفي خضم هذا الجدل، يُستدعى باستمرار موقف الحبيب بورقيبة سنة 1929 باعتباره دليلًا على دفاعه عن الحجاب واعتباره جزءًا من الشخصية التونسية. غير أن العودة إلى ذلك الموقف في سياقه التاريخي والسياسي، وربطه بمسار بورقيبة اللاحق وخياراته بعد الاستقلال، تفتح الباب أمام قراءة مختلفة تتجاوز ظاهر النصوص إلى تحليل دلالاتها وسياقاتها الفعلية.

ويأتي هذا الموقف في سياق الجدل الذي أثارته حادثة الفتاة التونسية حبيبة منشاري، التي نزعت حجابها واعتمدت اللباس الأوروبي خلال اجتماع داعم لها نظّمه جواكيم دورال، أحد أبرز وجوه الاشتراكية الاستعمارية في تونس آنذاك، والمعروف بموقفه المعادي لتجربة محمد علي الحامي و«جامعة عموم العملة التونسية» سنة 1924. وتكتسب هذه الخلفية أهميتها من كونها تكشف أن النقاش حول الحجاب لم يكن معزولًا عن الصراع السياسي والاستعماري القائم آنذاك، بل كان جزءًا من معركة أوسع حول الهوية والتمثيل الاجتماعي ومستقبل المجتمع التونسي.

كان من بين الحاضرين آنذاك شاب في السادسة والعشرين من عمره هو الحبيب بورقيبة، الذي كتب تقريرًا عن الاجتماع في صحيفة الحزب الدستوري، جاء فيه:

«في الوقت المحدد، حضرت السيدة منشاري، وهي شابة جذابة، كاشفة الوجه، لتحرّك مشاعرنا تجاه المصير التعس الذي تعيشه أخواتها المحرومات من “الهواء والنور”، والرازحات تحت القيود الثلاثة: الجهل، وكلام الناس، والحجاب… كان العرض حيًا ومؤثرًا أحيانًا، لأنه – كما أكدت المحاضِرة – صادق بعمق. وقد لقي ترحيبًا حارًا. وأعتقد شخصيًا أنه لو توقف الأمر عند هذا الحد، لكانت قضية مناهضة الحجاب قد أحرزت تقدمًا مهمًا وكسبت معظم المترددين.»

غير أن بعض الحاضرين الأوروبيين، «وكان معظمهم من الاشتراكيين المعروفين»، ومن بينهم جواكيم دورال، لم يمتنعوا عن إطلاق تعليقات ساخرة وهجمات لفظية. عندها تدخّل بورقيبة قائلاً:

هل من مصلحة تونس أن تُسرّع، دون مراعاة للمراحل الانتقالية، في إلغاء أخلاقها وعاداتها، سواء كانت حسنة أم سيئة، وكل تلك العناصر الصغيرة التي تُشكّل مجتمعة، مهما قيل، شخصيتها وهويتها؟ كان جوابي، بالنظر إلى الظروف الخاصة جدًا التي نعيش فيها، قاطعًا: لا!»

غير أن هذا الموقف لا يُفهم بالضرورة بوصفه تعبيرًا عن قناعة مبدئية راسخة بدور الحجاب، بقدر ما يعكس رفضًا لمنهج التدخل الاستعماري الفرنسي في فرض التحولات الاجتماعية والثقافية. فالموقف في جوهره لا يعترض على مبدأ التغيير، بل على إيقاعه وأدواته في سياق استعماري يفتقر إلى شروط السيادة. ويعزّز هذا التأويل ما ورد لاحقًا في خطاباته من تبنٍّ واضح لفكرة التحديث التدريجي، بما يشمل إعادة النظر في بعض الممارسات التقليدية، ومنها الحجاب، متى توفرت الشروط الاجتماعية والسياسية لذلك.

وعليه، تبدو المسألة أقرب إلى تصور لإدارة التغيير وفق «سياسة المراحل» منها إلى دفاع مبدئي عن الحجاب باعتباره عنصرًا ثابتًا في الهوية الوطنية. وهو ما يجعل موقف سنة 1929 أقرب إلى تقدير سياسي فرضته ملابسات المرحلة الاستعمارية منه إلى التزام فكري نهائي.

وتتأكد هذه القراءة عند النظر إلى ما أعقب الاستقلال، حيث اتخذ بورقيبة مواقف عملية تجاوزت بكثير حدود خطابه المبكر، من بينها واقعة نزعه السفساري عن زوجة أحد القضاة أمام الملأ رغم اعتراضها العلني. وهنا يبرز سؤال جوهري: أين ينتهي خطاب الخصوصية والهوية، وأين يبدأ الفعل السياسي الفعلي؟ وهل كان الخلاف مع دعاة السفور خلافًا في الغايات أم في الوسائل والإيقاع؟

تبدو الوقائع اللاحقة أقرب إلى ترجيح الفرضية الثانية؛ إذ لم يكن الخلاف حول الوجهة النهائية بقدر ما كان حول كيفية بلوغها وتوقيت ذلك، من خلال التدرج وتجنب الصدام المباشر مع مجتمع لم يكن مهيأً آنذاك لقبول تحولات جذرية في أنماط العيش والتمثلات الثقافية.

وبناءً على ذلك، يمكن قراءة موقف بورقيبة سنة 1929 بوصفه توظيفًا سياسيًا أكثر منه تعبيرًا عن قناعة فكرية مستقرة. فقد كان الخطاب موجّهًا بدقة إلى مجتمع واقع تحت الهيمنة الاستعمارية، حيث كانت المحافظة على مقومات الهوية الوطنية جزءًا من معركة التحرر نفسها. غير أن ذلك لم يمنع من وجود تصور تحديثي عميق ظل حاضرًا في مشروعه الفكري والسياسي، ومستلهَمًا بدرجات متفاوتة من النموذج الثقافي الغربي والفرنسي بالخصوص.

وفي هذا الإطار، يرى بعض الباحثين أن بورقيبة لم يكن مجرد وسيط بين ثقافتين، بل كان يمارس إعادة تشكيل انتقائية لهما معًا؛ يستعير من الغرب أدوات الحداثة ورموزها الثقافية، لكنه لا يتبنى بالقدر نفسه أسسها السياسية القائمة على التعددية وتوازن السلطات والتداول على الحكم. ولذلك لم تُفضِ تجربته إلى بناء ديمقراطية تعددية بقدر ما أفضت إلى تأسيس دولة مركزية صارمة تتركز فيها السلطة بيد القيادة السياسية وتضيق فيها مساحات المشاركة الفعلية، رغم الخطاب المعلن حول التحديث والإصلاح.

بقلم الكاتب محمد العماري

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى