أراء

كوبا تحت الضغط الأميركي.. هل يتكرر سيناريو فنزويلا؟

لوبوان-كتب سفيان رجب

منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تبدو أميركا اللاتينية وكأنها عادت مجددا إلى قاموس “الحديقة الخلفية” للسياسة الأميركية. فواشنطن التي لم تنجح طوال أكثر من ستة عقود في إسقاط النظام الكوبي عبر الحصار والعزلة والعقوبات، عادت اليوم إلى تشديد الخناق على هافانا وسط أزمة اقتصادية خانقة تعيشها الجزيرة، ووسط تصاعد الحديث داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية عن ضرورة “إعادة ترتيب” المشهد السياسي في كوبا على الطريقة الفنزويلية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم بإلحاح: هل تتحول كوبا فعلا إلى فنزويلا جديدة؟ وهل تسير الجزيرة الشيوعية الأخيرة في نصف الكرة الغربي نحو سيناريو الفوضى والانهيار السياسي التدريجي؟ أم أن التاريخ والجغرافيا وطبيعة النظام الكوبي تجعل المعادلة مختلفة تماما؟

كوبا المنهكة.. أخطر أزمة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي

تعيش كوبا اليوم واحدة من أصعب أزماتها الاقتصادية منذ “الفترة الخاصة” التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي بداية التسعينيات. فالبلاد تواجه نقصا حادا في الوقود والكهرباء والمواد الغذائية والأدوية، فيما تشهد موجات هجرة غير مسبوقة نحو الولايات المتحدة ودول أمريكا اللاتينية.

الاقتصاد الكوبي الذي يعتمد أساسا على السياحة والتحويلات المالية والخدمات الطبية، تلقى ضربات متتالية منذ جائحة كورونا، ثم جاءت العقوبات الأمريكية الجديدة لتزيد الوضع تعقيدا. فالإدارة الأمريكية أعادت إدراج كوبا ضمن قائمة “الدول الراعية للإرهاب”، وفرضت قيودا على التحويلات والاستثمارات والسفر، ما أدى إلى خنق مصادر العملة الصعبة في بلد يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية مزمنة.

وفي الشارع الكوبي، لم تعد الأزمة مجرد أرقام اقتصادية، بل تحولت إلى أزمة يومية تمس حياة المواطن مباشرة. انقطاعات الكهرباء الطويلة، طوابير الخبز، التضخم، انهيار القدرة الشرائية، ونقص الأدوية، كلها عوامل خلقت حالة من الاحتقان الداخلي غير المسبوق منذ سنوات.

واشنطن واستراتيجية “الضغط الأقصى”

ما يحدث اليوم يعيد إلى الأذهان الاستراتيجية الأميركية التي استُخدمت سابقا ضد فينزويلا خلال عهد نيكولاس مادورو. فالعقوبات الاقتصادية لم تعد مجرد وسيلة ضغط سياسية، بل أصبحت أداة لإضعاف البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة بهدف خلق بيئة داخلية قابلة للانفجار.

في فنزويلا، اعتمدت واشنطن على خنق الاقتصاد النفطي، ودعم المعارضة سياسيا وإعلاميا، والرهان على الاحتجاجات الشعبية والانشقاقات الداخلية. ورغم أن النظام الفنزويلي لم يسقط، فإن البلاد دخلت سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي والهجرة الجماعية والفوضى الاجتماعية.

اليوم، يرى كثير من المراقبين أن بعض ملامح هذا السيناريو بدأت تظهر في كوبا: اقتصاد متعثر، غضب شعبي، هجرة جماعية، وعقوبات أميركية متزايدة. لكن الفارق الأساسي أن كوبا تمتلك خبرة تاريخية طويلة في التعايش مع الحصار، كما أن مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية ما تزال أكثر تماسكا مقارنة بالحالة الفنزويلية.

هل تراهن واشنطن على “الانفجار الداخلي”؟

من الواضح أن الولايات المتحدة تدرك أن إسقاط النظام الكوبي عبر تدخل مباشر أصبح شبه مستحيل سياسيا ودوليا. لذلك يبدو الرهان الحالي قائما على استنزاف الداخل الكوبي تدريجيا، ودفع الشارع نحو حالة إنهاك اقتصادي قد تتحول لاحقا إلى انفجار اجتماعي أو سياسي.

وقد ظهرت بوادر هذا الأمر خلال احتجاجات يوليو 2021، وهي الأكبر منذ عقود في كوبا، عندما خرج آلاف المتظاهرين احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية. يومها، تعاملت السلطات الكوبية بحزم شديد، لكنها أدركت أيضا أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مجرد أزمة ظرفية بل تهديدا استراتيجيا لاستقرار النظام نفسه.

وتعرف واشنطن جيدا أن الجيل الكوبي الجديد يختلف عن أجيال الثورة الأولى. فالشباب الذين ولدوا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لا يحملون دائما نفس الارتباط الأيديولوجي بإرث فيدال كاسترو أوتشي غيفارا ، بل ينظر كثير منهم إلى قضايا المعيشة والهجرة والانفتاح الاقتصادي باعتبارها الأولوية الحقيقية.

لكن كوبا ليست فنزويلا

رغم كل أوجه التشابه، تبقى هناك اختلافات جوهرية بين التجربتين الكوبية والفنزويلية.

ففنزويلا دولة نفطية ضخمة تعتمد بشكل شبه كامل على صادرات الطاقة، ما جعل اقتصادها شديد الارتباط بالعقوبات وأسعار النفط العالمية. أما كوبا، فرغم ضعف اقتصادها، فقد بنت على مدى عقود اقتصاد “الصمود” القائم على إدارة الندرة والتكيف مع الحصار.

كما أن المؤسسة السياسية في كوبا أكثر مركزية وانضباطا، فيما لا يزال الحزب الشيوعي يسيطر بشكل واسع على مفاصل الدولة والمجتمع. إضافة إلى ذلك، فإن الجيش الكوبي يمتلك نفوذا اقتصاديا وأمنيا كبيرا، ما يجعل احتمالات الانقسام الداخلي أقل مقارنة بفنزويلا.

ثم إن هافانا استفادت تاريخيا من قدرتها على تنويع تحالفاتها الدولية. فالصين وروسيا  وإيران وحتى بعض دول أميركا اللاتينية ما تزال تنظر إلى كوبا باعتبارها رمزا لمقاومة الهيمنة الأميركية، وهو ما يمنحها هامش دعم سياسي واقتصادي يمنع انهيارا كاملا.

الصين وروسيا.. الحضور الصامت

في خضم التوتر المتصاعد، تبدو الصين حاضرة بقوة ولكن بصمت. فبكين تنظر إلى كوبا باعتبارها نقطة استراتيجية قرب السواحل الأميركية، وفي الوقت نفسه شريكا سياسيا مهما داخل معسكر مناهض للنفوذ الغربي.

أما موسكو، فرغم انشغالها بالحرب في أوكرانيا، فإنها لا تزال تحافظ على علاقات وثيقة مع هافانا، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو الرمزي. فروسيا تدرك أن خسارة كوبا تعني خسارة واحدة من آخر نقاط النفوذ التقليدية قرب الولايات المتحدة.

 

وبالنسبة لواشنطن، فإن أي تقارب صيني أو روسي مع كوبا يُنظر إليه بعين القلق، خاصة في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي.

بين الحصار والصمود

المفارقة أن الحصار الأميركي الطويل على كوبا أنتج نتيجتين متناقضتين: فمن جهة، ساهم في إنهاك الاقتصاد الكوبي وعزل البلاد لعقود، لكنه من جهة أخرى منح النظام الكوبي سردية دائمة حول “المقاومة والصمود في وجه الإمبريالية”، وهي سردية ما تزال تجد صدى داخل جزء من المجتمع الكوبي وخارجها أيضا.

ولهذا السبب، فإن واشنطن تواجه معضلة حقيقية: فكلما شددت العقوبات، زادت معاناة الشعب الكوبي، لكنها في الوقت نفسه تمنح السلطة مبررا إضافيا لتحميل الخارج مسؤولية الأزمة.

هل يقترب الانفجار؟

لا تبدو كوبا اليوم على حافة سقوط وشيك للنظام، لكنها بالتأكيد تدخل مرحلة دقيقة للغاية. فالضغط الاقتصادي المتواصل، والهجرة الجماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتراجع الخدمات الأساسية، كلها عوامل قد تدفع البلاد نحو تحولات عميقة خلال السنوات القادمة.

لكن السيناريو الأقرب ربما ليس “السقوط السريع” على الطريقة التي راهنت عليها واشنطن في فنزويلا، بل تحول بطيء وتدريجي داخل النظام نفسه، يجمع بين الانفتاح الاقتصادي المحدود والتشدد السياسي المستمر.

وفي النهاية، تبدو كوبا وكأنها تعيش اليوم معركة الزمن: هل تستطيع الدولة الصمود إلى أن تتغير المعادلات الدولية؟ أم أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ستفرض واقعا جديدا على الجزيرة التي ظلت لعقود أحد آخر رموز الثورة في العالم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى