أراء

نتنياهو: حرب جديدة بالشام تعويضا عن هزيمة الليطاني!

"سوريا، إذا استوعبت دروس المواجهات الأخيرة قد تنجح في كسر الطموح الإسرائيلي في تركيعها"  

حامد بن إبراهيم/ استشاري في العلاقات الدولية

تشير التطورات المتزامنة في الإقليم إلى لحظة إعادة تشكّل استراتيجية، لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كجزء من مسار واحد يعيد توزيع موازين القوة في الشرق الأوسط أو في غرب آسيا إذا ما اعتبرنا أن رؤية إيران للمنطقة هي التي كانت لها الغلبة مقابل انكفاء نتنياهو وحلمه بالشرق الأوسط الجديد. من وقف إطلاق النار في لبنان، إلى إتمام المرحلة الأخيرة من الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا في نفس اليوم، وصولًا إلى إعادة تموضع القوى الإقليمية (باكستان وتركيا ومصر السعودية)، تتبلور ملامح مرحلة جديدة قد تقود في نهايتها إلى مواجهة أوسع، تكون سوريا أحد مسارحها الرئيسية.

ويعكس وقف إطلاق النار في لبنان نتيجة مباشرة لفشل الحسم العسكري التقليدي أمام نموذج القتال غير الجغرافي الذي اعتمده حزب الله. هذا النموذج، القائم على اللامركزية والمرونة والاشتباك غير المتناظر، أثبت قدرته على استنزاف قوات تقليدية مثل الجيش الإسرائيلي، ومنعها من تحقيق أهدافها الميدانية السريعة المبنية على أسلوب الصدمة والضربات المكثفة. الدرس الأهم هنا ليس عملياتيّا فقط، بل استراتيجي: التفوق التسليحي والتكنولوجي لا يضمن الحسم عندما يُواجه ببنية قتالية مرنة مسنودة بجبهة مجتمعية عميقة الجذور ومشبّعة عقائديا.

في التوقيت نفسه، يحمل الانسحاب الأمريكي من سوريا دلالات أعمق من مجرد إعادة انتشار عسكري. فهو يعكس تراجعًا في الإرادة الأمريكية للانخراط الميداني المباشر بعد انكشاف سهولة الاستهداف أمام النيران الإيرانية وضربات الفصائل العراقية، ويفتح المجال أمام قوى إقليمية لإعادة ملء الفراغ. هذا التطور يتقاطع مع تصريح للرئيس الشرع في جلسة نقاشية بمنتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا عقد يوم 17 أفريل 2026، حيث شدد على رفض الاعتراف الأمريكي بسيادة إسرائيل على الجولان، في تحدٍ سياسي مباشر لسياسات دونالد ترامب. التصريح يظهر من جهة إدراكا لمدى تراجع قدرة واشنطن على التأثير في الإقليم بعد اصطدامها بإيران وحلفاؤها، ومن جهة أخرى يعكس توصل سوريا الى توسيع دائرة الاعتراف بنظامها الجديد بشكل يخفف قدرة الولايات المتحدة على ابتزازها.

في المقابل، تبدو إيران كأحد أبرز المستفيدين النسبيين من هذه المرحلة. فرغم الضغوط والعقوبات والمواجهات، التي خلفت خسائر على مستوى القيادات والموارد، خرجت طهران دون هزيمة واضحة، بل أظهرت قدرة على الصمود وفرض نفسها طرفًا تفاوضيًا نديًا. هذا يعزز احتمالات التوصل إلى تسويات إقليمية تعترف بدور إيراني يتجاوز الإطار المحلي الى ما “فوق الإقليمي”، ربما دون أن يصل إلى مستوى القطبية الكاملة.

أما إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فتواجه معضلة استراتيجية. سلسلة المواجهات الأخيرة منذ السابع من أكتوبر لم تحقق أهدافها الكبرى، لا في تحييد حماس في غزة، ولا في تقليص نفوذ القوى الحليفة لإيران في لبنان. بل على العكس، تعزز موقع هذه الأطراف، وبرز لاعبون جدد مثل الحوثيين كقوة تجيد لعبة التحالفات ومسيطرة على فضاءات استراتيجية كـباب المندب وبحر العرب. ولعل أكبر تجلّ للخسارة الاستراتيجية الإسرائيلية هو فقدانها للتعاطف الغربي، وسقوط سردية مظلوميتها المِحرقيّة، التي وظفتها لابتزاز السياسيين والاوساط الفكرية في الغرب على مدى عقود منذ تأسيسها.

في هذا السياق، تبدو ملامح المواجهة القادمة في طور التشكل. فالقرار الإسرائيلي الأخير بتعزيز الاستيطان في الجولان قد لا يكون مجرد خطوة للتنفيس عن حجم صدمة الفشل الإسرائيلي داخليا، بل مؤشر على نية تثبيت وقائع تمهيدًا لمرحلة صراع جديدة بعد تأكد استحالة الغلبة في الجبهة اللبنانية. وإذا ما تمكنت إسرائيل من توسيع نفوذها الأمني في الجنوب السوري، فإن ذلك سيضع دمشق أمام تحدٍ مباشر.

غير أن سوريا، إذا استوعبت دروس المواجهات الأخيرة، واتجهت إلى إعادة بناء عقيدتها العسكرية بعيدًا عن النماذج التقليدية فقد تنجح في كسر الطموح الإسرائيلي في تركيعها.  ومعلوم لكل متابع للمواجهات الأخيرة أن الاستثمار في قوات مدرعة ثقيلة أثبت محدودية مردوده أمام تقنيات الاستهداف الحديثة، بينما تبرز الحاجة إلى وحدات قتالية صغيرة ومتنقلة تتبنى تجربة حزب الله مع تكييفه للبيئة السورية، وقدرات صاروخية دقيقة، وتطوير أدوات فعالة في الدفاع الجوي والفضاء السيبراني والاستطلاع.

إقليميًا، يكتسب التقارب السوري-العراقي أهمية متزايدة، خاصة بإعادة توجيه جزء من صادرات النفط العراقي عبر الأراضي السورية خلال ازمة مضيق هرمز الجارية، والتنسيق الأمني في مواجهة عودة نشاط تنظيم داعش، يشيران إلى إمكانية بناء عمق استراتيجي سوري عراقي مشترك. هذا التقارب قد يتحول إلى عنصر حاسم في أي مواجهة سورية إسرائيلية مستقبلية، من خلال تأمين الجبهة الشرقية لسوريا.

كما أن هذا المسار قد يفتح الباب لتفاهمات غير معلنة مع أطراف لبنانية، خصوصًا في ظل ترابط المصالح الأمنية. ورغم الحديث عن تراجع نموذج “الهلال الشيعي” التقليدي، خاصة بعد سقوط نظام الاسد، إلا أن الجغرافيا السياسية تفرض إعادة تشكيله بصيغة أكثر براغماتية لضمان نوع من الانسياب الجغرافي، يقوم على المصالح الأمنية والاقتصادية بدل الأيديولوجيا المذهبية الصلبة.

في المحصلة، تبدو نهاية الحرب الموسعة الحالية وشيكة، خصوصًا في ظل هشاشة الاقتصاد العالمي وعدم قدرته على مواصلة تحمل ارتباك الامن الطاقي. لكن في الوقت ذاته، فإن تراكمات الملفات العسكرية والسياسية غير المحسومة في الصراع العربي الإسرائيلي، تشير إلى أن المواجهة بين إسرائيل وسوريا مؤجلة أكثر مما هي مُلغاة. وعليه، فإن وقف إطلاق النار في لبنان قد لا يكون نهاية مرحلة بالنسبة لإسرائيل، بل استراحة ضمن مسار تصعيدي أطول، تكون سوريا إحدى ساحاته المرجحة في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى