لم يعد ملف الهجرة غير النظامية في تونس يحتمل المعالجة الظرفية أو الخطاب المتردد. فمع تزايد أعداد المقيمين دون وضع قانوني واضح، وتنامي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، باتت الدولة أمام ضرورة حسم خياراتها ضمن رؤية سيادية متكاملة، تُوازن بين احترام القانون وحماية الاستقرار الداخلي.
في التجربة الأوروبية، لم تعد الهجرة تُدار فقط بمنطق الاستقبال أو الإدماج، بل عبر منظومة مركبة تجمع بين الرقابة الصارمة على الحدود، والتدقيق الدقيق في الهويات، واعتماد الترحيل القسري كأداة قانونية عندما تثبت الإقامة غير الشرعية. هذا التوجه، الذي تعزّز بعد أزمات الهجرة المتلاحقة منذ 2015، يعكس إدراكًا عميقًا بأن غياب السيطرة لا يُنتج سوى مزيد من الهشاشة، سواء للدول أو للمهاجرين أنفسهم.
في السياق التونسي، تتفاقم الإشكالية حين يتعلق الأمر بأجانب دون وثائق هوية أو بسير ذاتية غير قابلة للتحقق. فهؤلاء لا يوجدون فقط خارج الإطار القانوني، بل خارج كل منظومة حماية أو مساءلة. من جهة، يصبحون فريسة سهلة لشبكات الاستغلال، بما في ذلك العمل غير النظامي والاتجار بالبشر. ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال احتمال انخراط بعضهم — تحت ضغط الحاجة أو بفعل خلفيات سابقة — في شبكات الجريمة المنظمة، مستفيدين من غياب التتبع والرقابة.
هذا الواقع يفرض مقاربة مزدوجة: إنسانية في بعدها، لكنها صارمة في أدواتها. فالأجنبي الذي لا يحمل هوية قانونية واضحة، ولا يمر عبر قنوات رسمية، لا يمكن اعتباره فقط “حالة اجتماعية”، بل هو وضع قانوني معلق، يحمل في طياته مخاطر متعددة. وفي غياب آليات تدقيق فعالة، يصبح من المستحيل التمييز بين من يستحق الحماية ومن يشكّل تهديدًا محتملاً.
من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية. فالدولة التي تعاني من ضغط اقتصادي وبطالة متفشية، لا يمكنها أن تتحمل عبء وجود غير منظم ومتزايد. المطلوب ليس الانغلاق، بل التنظيم:
إرساء منظومة دقيقة لتسجيل الأجانب والتحقق من هوياتهم
تسوية أوضاع من تتوفر فيهم الشروط القانونية
وتفعيل الترحيل القسري، ضمن أطر قانونية واضحة، لكل من يرفض الامتثال أو يثبت خطره أو عدم أحقيته بالبقاء
هذه الإجراءات، وإن بدت حازمة، إلا أنها في جوهرها تحمي الجميع: تحمي الدولة من التفكك، وتحمي المجتمع من الاختلال، وتحمي حتى المهاجر نفسه من السقوط في دوائر الاستغلال أو الجريمة.
كما أن تعزيز التعاون مع الدول الأوروبية، ليس فقط في مراقبة الحدود، بل في تبادل المعلومات حول الهويات والسوابق، يمكن أن يشكّل ركيزة أساسية لسياسة أكثر فاعلية. فالهجرة اليوم لم تعد شأنًا وطنيًا صرفًا، بل قضية عابرة للحدود، تتطلب تنسيقًا عالي المستوى.
في المحصلة، لا يمكن لتونس أن تبقى في منطقة رمادية. فإما أن تفرض سيادة القانون على كامل ترابها، أو تترك المجال لتشكل واقع موازٍ يصعب احتواؤه لاحقًا. والاختيار، في نهاية المطاف، ليس أمنيًا فقط، بل هو خيار دولة: بين الحزم المنظم، أو الفوضى المكلفة.






