تحاليل وأراء

البرازيل تختار لولا مجددا: هزيمة اليمين البولسوناري ورسائل تتجاوز حدود أمريكا اللاتينية

من واشنطن إلى تل أبيب، مرورا ببريكس والجنوب العالمي: ماذا تعني عودة لولا الانتخابية لاستقلالية القرار البرازيلي ولموازين القوى الدولية؟

لوبوان-كتب سفيان رجب

لم تكن الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي حسمت نتائجها يوم 25 أكتوبر 2026 مجرد استحقاق ديمقراطي لتجديد ولاية الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، بل كانت مواجهة سياسية حادة حول مستقبل البرازيل، وهويتها الاقتصادية والاجتماعية، وموقعها في النظام الدولي. فقد نجح لولا في قلب نتيجة الجولة الأولى، التي تصدّرها منافسه فلافيو بولسونارو، ليحسم الجولة الثانية ويضمن ولاية رئاسية جديدة، في مشهد يعكس عمق الانقسام داخل أكبر بلدان أمريكا اللاتينية.

وبحسب النتائج النهائية التي أعلنتها المحكمة الانتخابية العليا البرازيلية، حصل لولا على 64.256 مليون صوت، أي 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 59.826 مليون صوت لفلافيو بولسونارو، بنسبة 48.21%. وبذلك بلغ الفارق أكثر من 4.4 ملايين صوت، في نتيجة أكدت قدرة الرئيس المنتهية ولايته على استعادة المبادرة بعد تقدّم منافسه في الجولة الأولى.

لكن الأهمية السياسية لهذه النتيجة لا تكمن في الأرقام وحدها، وإنما في طبيعة المعركة التي خاضها الطرفان، وفي انعكاساتها المحتملة على توازنات القوى داخل البرازيل وخارجها.

أولا: هزيمة انتخابية لا تعني نهاية البولسونارية

يمثل فلافيو بولسونارو امتدادا سياسيا للعائلة التي أسس والدها، الرئيس السابق جايير بولسونارو، تيارا محافظا واسع النفوذ، يقوم على التشدد في قضايا الأمن، والتوجهات الاجتماعية المحافظة، وتقارب أوثق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن اختزال النتيجة في انتصار شخص على آخر قد يحجب التحولات الأعمق في المجتمع البرازيلي. فقد أظهرت الانتخابات أن التيار اليميني ما زال يمتلك قاعدة انتخابية كبيرة، وأن قرابة نصف الأصوات الصحيحة ذهبت إلى مرشح يحمل مشروعا سياسيا مختلفا عن مشروع لولا.

 

وعليه، فإن خسارة فلافيو لا تعني انهيار التيار البولسوناري أو اختفاءه من المشهد. بل قد تدفعه إلى إعادة ترتيب صفوفه، والاستثمار في موقعه داخل المؤسسات السياسية، ومواصلة التعبئة حول ملفات الأمن والجريمة والضرائب والقيم الاجتماعية.

في المقابل، يجد لولا نفسه أمام مسؤولية تحويل الفوز الانتخابي إلى قدرة فعلية على الحكم، في ظل استمرار الاستقطاب السياسي والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. فالفوز بالرئاسة لا يضمن وحده امتلاك أغلبية مريحة داخل المؤسسات التشريعية، ولا يلغي الصعوبات المرتبطة بالإنفاق العام وكلفة المعيشة ومطالب الفئات الشعبية.

ثانيا: واشنطن وتل أبيب.. خسارة رهان سياسي في أمريكا اللاتينية

تتجاوز دلالات الانتخابات الحدود البرازيلية، بالنظر إلى العلاقات التي نسجها التيار البولسوناري مع دوائر اليمين المحافظ في الولايات المتحدة، وإلى التقارب الذي أبداه فلافيو بولسونارو مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فقد حظي المرشح اليميني بدعم معلن من شخصيات وقيادات محافظة خارج البرازيل، من بينها دونالد ترامب ونتنياهو، فيما جعلت حملته التقارب مع واشنطن وتعزيز العلاقات مع إسرائيل جزءا من تصورها للسياسة الخارجية.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة فوز لولا باعتباره إخفاقا لهذا الرهان في أهم انتخابات بأمريكا اللاتينية خلال هذه المرحلة، لكنه لا يمثل بالضرورة هزيمة استراتيجية شاملة للولايات المتحدة أو إسرائيل. فالعلاقات الدولية لا تتحدد بنتيجة انتخابية واحدة، بل تتأثر أيضا بالمصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية، وبقدرة الحكومات على بناء تفاهمات أو احتواء الخلافات.

ومع ذلك، فإن استمرار لولا في السلطة يحدّ من فرص إعادة توجيه السياسة الخارجية البرازيلية نحو الاصطفاف الأوثق مع إدارة ترامب، ويحافظ على مساحة أوسع أمام برازيليا لممارسة سياسة مستقلة نسبيا، تقوم على تنويع الشراكات وتجنب الارتهان لمحور دولي واحد.

وهنا تبرز المسألة الأساسية: هل تستطيع البرازيل تحويل استقلالية قرارها إلى نفوذ دولي ملموس، أم ستظل مضطرة إلى الموازنة بين الضغوط الأمريكية ومصالحها التجارية والاستراتيجية مع الصين وبقية شركائها؟

ثالثا: فلسطين في قلب الاختلاف حول السياسة الخارجية

تحتل القضية الفلسطينية موقعا بارزا في التباين بين المشروعين السياسيين اللذين تنافسا في الانتخابات البرازيلية.

فقد اتخذت حكومة لولا مواقف ناقدة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، ودافعت عن قيام دولة فلسطينية، كما انضمت البرازيل إلى المسار القضائي الذي بدأته جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بشأن اتهامات الإبادة الجماعية في غزة. وفي المقابل، أعلن فلافيو بولسونارو دعمه لتعزيز العلاقات مع إسرائيل، وتحدث عن نقل السفارة البرازيلية من تل أبيب إلى القدس، على غرار ما فعلته إدارة ترامب في الولايات المتحدة.

وتكشف هذه المقارنة أن الخلاف لم يكن محصورا في الملفات الداخلية، بل امتد إلى تصور كل طرف لدور البرازيل في النزاعات الدولية، وحدود استقلال سياستها الخارجية، وعلاقتها بالمؤسسات متعددة الأطراف.

ومن شأن استمرار لولا أن يوفر فرصة لمواصلة الدبلوماسية البرازيلية القائمة على دعم حل الدولتين، وانتقاد الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون، والدعوة إلى احترام القانون الدولي.

لكن ينبغي التمييز بين استمرار الموقف الدبلوماسي وبين القدرة على إحداث تغيير ميداني. فوز لولا لا ينهي الحرب أو يفرض تسوية سياسية، لكنه يبقي دولة ذات ثقل اقتصادي ودبلوماسي في أمريكا اللاتينية ضمن الأصوات التي تطالب بمساءلة دولية وبحل سياسي للقضية الفلسطينية.

كما أن اختبار هذا التوجه سيكون في مدى قدرة برازيليا على بناء تحالفات أوسع داخل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين وبريكس، وتحويل التصريحات والمواقف المبدئية إلى مبادرات دبلوماسية قابلة للتأثير.

رابعا: بريكس والجنوب العالمي.. مساحة أوسع للمناورة

تكتسب الانتخابات أهمية إضافية بالنظر إلى موقع البرازيل داخل مجموعة بريكس، التي تضم قوى اقتصادية وسياسية تسعى إلى تعزيز التعاون فيما بينها وتوسيع هامش الحركة بعيدا عن هيمنة المؤسسات الغربية التقليدية.

وقد جعل لولا من تعزيز التعاون مع بريكس، وتطوير العلاقات مع الصين، وتكثيف التنسيق مع دول الجنوب العالمي، ركائز أساسية في توجهه الخارجي.

ومن المرجح أن يوفر فوزه استمرارية لهذا التوجه، خصوصا في مجالات التجارة والاستثمار والتعاون الاقتصادي، والدفاع عن إصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، وتوسيع حضور الاقتصادات الناشئة في صنع القرار الدولي.

غير أن الحديث عن انتصار نهائي للتعددية القطبية سيكون سابقا لأوانه. فبريكس ليست تحالفا متجانسا في جميع الملفات، إذ تختلف الدول الأعضاء في مصالحها الاستراتيجية، وفي علاقاتها بالولايات المتحدة، وفي مقاربتها للأزمات الإقليمية والدولية.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لاستمرار البرازيل في هذا الإطار لا تكمن في إعلان مواجهة شاملة مع الغرب، وإنما في قدرتها على توسيع خياراتها، وتنويع شركائها، والدفاع عن مصالحها من موقع تفاوضي أقوى.

فالتعددية القطبية لا تعني بالضرورة استبدال هيمنة بأخرى، بل يفترض أن تتيح للدول مجالا أوسع لاتخاذ قراراتها وفق مصالحها الوطنية، وأن تمنح الدول النامية فرصا أكبر للمشاركة في صياغة القواعد الدولية.

خامسا: رسالة إلى اليمين الدولي.. ولكن من دون مبالغة

قدمت الانتخابات البرازيلية مؤشرا مهما إلى أن الحملات الرقمية، والتحالفات العابرة للحدود، والتعبئة القائمة على الاستقطاب، لا تضمن وحدها حسم النتائج الانتخابية.

فقد أظهرت الحملة قدرة لولا على استعادة المبادرة خلال الجولة الثانية، عبر التواصل المباشر مع الناخبين وتكثيف الحضور في الفضاء الرقمي والميداني. لكن لا ينبغي التعامل مع النتيجة بوصفها حكما موحدا من الناخبين على جميع أشكال اليمين في العالم، أو باعتبارها دليلا قاطعا على تراجع التضليل الرقمي في كل المجتمعات. فالسلوك الانتخابي يتشكل من عوامل متعددة، تشمل الأوضاع الاقتصادية، والأمن، والخدمات العامة، والثقة في المؤسسات، والشخصيات المرشحة، فضلا عن المواقف من السياسة الخارجية.

كما أن الانتخابات البرازيلية لا تحسم مسبقا نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة أو اتجاهات الناخبين في أوروبا وأمريكا اللاتينية. لكنها تقدم حالة تستحق الدراسة لفهم كيفية تفاعل المجتمعات مع الاستقطاب السياسي، وحدود تأثير الدعم الخارجي في الخيارات الانتخابية الوطنية.

سادسا: الاختبار الأصعب يبدأ بعد إعلان النتائج

على الرغم من الأبعاد الدولية للانتخابات، سيظل الحكم على التجربة الجديدة للولا مرتبطا أساسا بقدرته على الاستجابة لتطلعات البرازيليين.

فالمواطن الذي منح صوته للرئيس ينتظر تحسنا ملموسا في القدرة الشرائية، وفرص العمل، والخدمات الصحية والتعليمية، ومكافحة الجريمة، والحد من التفاوت الاجتماعي. كما ينتظر قطاع الأعمال وضوحا في السياسات الاقتصادية، واستقرارا ماليا، وبيئة تشجع الاستثمار والإنتاج.

وتزداد أهمية هذه الملفات في ظل استمرار الانقسام السياسي، وصعوبة التوفيق بين متطلبات الإنفاق الاجتماعي وضبط المالية العامة، فضلا عن التحديات المرتبطة بالتجارة الدولية والعلاقات مع واشنطن وبكين.

ومن هنا، فإن المحافظة على التأييد الشعبي لن تكون مسألة خطاب سياسي أو رمزية تاريخية، بل رهنا بالنتائج التي سيحققها الحكم في الحياة اليومية للمواطنين.

كذلك، فإن إدارة الخلافات مع المعارضة ستكون عاملا حاسما في تحديد قدرة لولا على تمرير برنامجه، وتجنب تحول الانقسام الانتخابي إلى حالة دائمة من التعطيل السياسي.

 

انتصار انتخابي بأبعاد دولية وحدود واقعية

تؤكد إعادة انتخاب لولا دا سيلفا أن البرازيل اختارت، في هذه المرحلة، مواصلة مسار سياسي يضع العدالة الاجتماعية والتعددية الدبلوماسية وتعزيز العلاقات مع الجنوب العالمي ضمن أولوياته، بدلا من الانتقال إلى المشروع الذي عرضه فلافيو بولسونارو، والقائم على تقارب أوثق مع واشنطن وتعزيز العلاقات مع إسرائيل.

وتكمن الأهمية الدولية للنتيجة في أنها أبقت البرازيل ضمن القوى التي تسعى إلى توسيع هامش استقلالها داخل النظام الدولي، والحفاظ على دور بريكس، والدفاع عن مقاربة متعددة الأطراف للقضايا العالمية، بما فيها القضية الفلسطينية.

لكن الانتخابات لم تنهِ الانقسام داخل البرازيل، ولم تسقط اليمين المحافظ، ولم تحسم الصراع بين التصورات المختلفة للنظام الدولي. إنها، بالأحرى، منحت مشروع لولا فرصة جديدة لإثبات قدرته على الجمع بين الاستقلالية الخارجية والإنجاز الداخلي.

وفي عالم تتنافس فيه القوى الكبرى على النفوذ والأسواق والتحالفات، ستتوقف قيمة هذا الانتصار على ما إذا كانت برازيليا قادرة على تحويل وزنها الاقتصادي والدبلوماسي إلى سياسة مستقلة وفعالة، وعلى ما إذا كان هذا الخيار سيترجم إلى مكاسب اجتماعية ملموسة لمواطنيها.

ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي يبدأ بعد الانتخابات: ليس فقط من يحكم البرازيل، بل أي دور ستختاره لنفسها في عالم يتجه نحو تعددية أكبر، من دون أن يتخلص بالضرورة من صراعات الهيمنة والنفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى